كتاب “نهب الممتلكات الفلسطينية في النكبة” بطبعة عربية: السرقات الفردية كتجسيد لنهج سياسي

وديع عواودة    
حجم الخط
2

الناصرة- “القدس العربي”: صدر عن المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية “مدار” كتاب «نهب الممتلكات العربية في حرب 1948»، للمؤرخ الإسرائيلي آدم راز، يتضمن سردية تتعلّق بعمليات نهب السكان اليهود الأملاك المنقولة للعرب الفلسطينيين الذين تم اقتلاعهم من مدنهم وبلداتهم إبان نكبة 1948، وهو من ترجمة أمير مخول، وتحرير أنطوان شلحت.

أعمال النهب التي انتشرت مثل النار في الهشيم بين الجمهور اليهودي، تمّ دمجها في السياسة العامة الداخلية والخارجية التي نفذها بن غوريون وشركاؤه السياسيون،.. كان السماح بعمليات النهب الفرديّة تجسيداً لنهج سياسي.

 يشار إلى أن هذا الكتاب الهام  جاء اعتماداً على مادة أرشيفية واسعة جداً ومتنوعة، تتضمن شهادات مروّعة تكشف وقائع جريمة نهب جماعي منظم، وتكشف الكثير من حيثيات النقاش السياسي الداخلي حول تلك الوقائع. وينوّه المؤلف، المؤرّخ راز، بأنه نظراً إلى كون هذا الكتاب هو، بحسب ما يقول، أول كتاب إسرائيلي يضم بين دفّتيه قصة نهب الممتلكات العربية من جانب الجمهور اليهودي إثر النكبة، فقد رأى أنه من الأنسب أن يشمل جميع المدن لاعتقاده بأن هناك اختلافات في عملية النهب هذه بين مدينة وأخرى. كما ينوّه المؤرخ بأنه زار أكثر من 20 أرشيفاً في سبيل جمع الوثائق التاريخية اللازمة لتأليف كتابه هذا.

الأبعاد السياسية للنهب

يتكوّن الكتاب، الواقع في 260 صفحة، من فصلين رئيسين، يقدم الفصل الأول وصفاً لنهب الممتلكات العربية أثناء الحرب (1947-1949)، بحسب التسلسل الزمني الذي ينتهي بتوقيع اتفاق وقف إطلاق النار الأخير، في منتصف العام 1949، أما الفصل الثاني فيناقش النهب من وجهة نظر اجتماعية وسياسية.

 يكشف الكتاب أن تورّط العديد من شرائح الجمهور الإسرائيلي، من المدنيين والمحاربين على حدّ سواء، في النهب والسلب اتخذ أبعاداً سياسية، مثبتاً ادعاءه الجوهري بأنّ النهب لم يكن أكثر قبولاً من جانب شخصيات معينة في المؤسستين السياسية والعسكرية عموماً، وبن غوريون على وجه الخصوص، فقط، لكنه كذلك أدى دوراً سياسياً في تشكّل المجتمع الإسرائيلي، وتقاسم السلطة السياسية في الدولة الفتية، وفي تبلور العلاقات بين هذه الدولة (إسرائيل) والعالم العربي، سواء في أثناء الحرب أو بعدها.

 كما ينطلق من أن أعمال النهب التي انتشرت مثل النار في الهشيم بين الجمهور اليهودي، تمّ دمجها في السياسة العامة الداخلية والخارجية التي نفذها بن غوريون وشركاؤه السياسيون في تلك السنوات، حيث كان السماح بعمليات النهب الفرديّة تجسيداً لنهج سياسي سعى لكي تكون أكثرية الجمهور اليهودي ضالعة في السياسة الملزمة بتفريغ البلد من سكانها العرب.

ومما جاء في مقدمة الطبعة العربية: “ومع كل ذلك، وعلى الرغم مما ينطوي عليه هذا الكتاب من جهدٍ محمودٍ ومن أهمية ملفتة، يلزم أن نمهد لقراءته، سواء بالنسبة إلى القارئ الفلسطيني أو العربي، بالإشارة إلى أنه مكتوب من وجهة نظر لا تخفي أنها مؤدلجة صهيونياً، حيث يقرّ المؤلف منذ البداية بأن ما حدث في العام 1948 كان في قراءة الفلسطينيين نكبةً، لكنه في قراءته “حرب استقلال”، مثلما يقرّ بأن الحركة الصهيونية لم تكن حركة نهبٍ منذ نشأتها، وفي الواقع لا ينبغي أن يُنظر إليها على هذا النحو حتى بعد انتهاء “حرب الاستقلال”. بكلمات أخرى فإن محتوى هذا الكتاب هو كشف وقائع من الأرشفة الصهيونية، لكن من خلال النأي عن تفسير أو تحليل طابع وماهية هذه الحركة، وكذلك من دون مناهضة مُعلنة لها”.

 محتوى هذا الكتاب هو كشف وقائع من الأرشفة الصهيونية، لكن من خلال النأي عن تفسير أو تحليل طابع وماهية هذه الحركة، وكذلك من دون مناهضة مُعلنة لها.

مقدمة الكتاب بالعربية

بناء على ذلك، يقول مركز “مدار” إن أكثر ما يستدعيه تقديم نشر هذا الكتاب بترجمة عربية خاصة، هو استعادة حقيقة وجود صِيغ متنوعة ضمن سياق تحدّي أرشفة الصهيونية للأحداث المرتبطة بالنكبة، التي بذل فيها المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية “مدار”، منذ تأسيسه، الجهد الأبرز من أجل تقديمها إلى القارئ العربي والفلسطيني. وقد تطرّق جزء من هذه الكتب إلى عمليات النهب في المدن الفلسطينية المختلفة، التي خصص لها آدم راز كتابه هذا، كما انعكس الأمر، على سبيل المثال وليس الحصر، في كتب ميرون بنفينستي (“المشهد المقدّس”) وغيش عميت (“بطاقة مُلكيّة”) ورونه سيلع (“لمعاينة الجمهور”) والتي تولّى مركز “مدار” ترجمتها إلى العربية، ونشرها في الأعوام السابقة.

من يعيد الوطن السليب؟

 يذكر أنه تزامناً مع ذكرى النكبة والنكسة، قبل نحو العامين، أكد المؤرخ الإسرائيلي بيني موريس أن عملية السلب والنهب الكبرى التي قامت بها الصهيونية لا تتمثل بسرقة ممتلكات متنقلة، بل تتمثل بالاستيلاء على أرض الفلسطينيين ووطنهم ومنعهم من العودة لديارهم.

بيني موريس، أحد أبرز المؤرخين الإسرائيليين الجدد، يشدد، في مقال مطول نشرته صحيفة “هآرتس”، قبل نحو عامين، على أن آدم أغفل عملية السلب والنهب الأكبر والأهم؛ وهي سلب ونهب البيوت والأراضي ومصادرتها من قبل حكومة إسرائيل الأولى. موريس، الذي سبق وأصدر عدة كتب حول نكبة 1948، برؤية نقدية، تَرَاجَعَ عنها جزئياً لاحقاً، يؤكد في مقاله أن زميله راز ينشغل، في كتابه الجديد، فقط بسرقة جنود ومدنيين إسرائيليين ومؤسسات إسرائيلية ممتلكات محمولة من الشعب الفلسطيني عام 1948.

“معظم اليهود لصوص”

لكن موريس أثنى على راز لأنه قدم شروحات تفصيلية بشكل غير مسبوق على سرقة الممتلكات المحمولة، واستذكر موريس قول رئيس حكومة الاحتلال الأولى دافيد بن غوريون بأنه فوجئ عام 1948 بظاهرتين: هرب العرب، وسرقة اليهود.

ويتابع: “وفقاً للأرشيفات قال بن غوريون في اجتماع حزبه “مباي”، يوم 24 يوليو/ تموز 1948: “اتضح لي أن معظم اليهود لصوص.. وأن المستوطنين في منطقة المروج، وآباء جنود منظمة ” البلماح ” شاركوا بالسرقة”.

 وينبه موريس إلى أنه كان بوسع بن غوريون أن يضيف بالقول إن بعض رجالات منظمة “الهاغاناه ” أيضاً شاركوا في السرقة. منوهاً إلى أن بن غوريون، في الاجتماع المذكور، تصدّى لبعض قادة حزبه ممن عارضوا تهجير أهالي اللد والرملة، مدعياً أنهم قد غادروا قبل احتلال المدينتين، متجاهلاً أن طرد أهالي اللد تم بإلهام منه، إن لم يكن بتعليمات منه. يشار بهذا الصدد إلى أن رئيس حكومة الاحتلال الراحل إسحق رابين قد كتب في مذكراته أنه عندما سأل عن مصير اللد والرملة وقتها قام بن غوريون بتحريك يده في حركة تعني بضرورة طردهم. كما يشير موريس إلى عدم ذكر مجزرة دهمش، داخل مدينة اللد، قبيل تهجيرها، خلال الاجتماع المذكور. وتابع: “هكذا حصل مع بقية المجازر، فقد تم التستر عليها، عدا مجزرة دير ياسين التي نفذتها منظمتا الايتسيل والليحي”.

استذكر موريس أن دافيد بن غوريون فوجئ عام 1948 بظاهرتين: هرب العرب، وسرقة اليهود.

كما قال موريس إنه، بخلاف التستر على المجازر، سمح بالحديث علانية، وقتها، عن أعمال السلب والنهب لممتلكات الفلسطينيين: “في التنديد بهذه السرقات بدا وكأن قادة الصهيونية يريدون القول إن الضمير اليهودي موجود وحيّ، وبالتالي يظهرون بصورة أخلاقية”.

 من يقاضي اللصوص؟

في المقابل أكد موريس أنه لم يكشف في هذه التنديدات العلنية ونصف العلنية، عام 1948، عن أبعاد وعمق وحجم عمليات سلب ونهب الممتلكات الفلسطينيين، لافتاً إلى أهمية وقيمة كتاب آدم راز الجديد من هذه الناحية، ويضيف: “لا أحد يستطيع نفي معطيات كتاب راز حول مشاركة إسرائيليين كثر في السلب والنهب، طيلة شهور، وليس فقط خلال الاحتلال، وحول مقاضاة عدد قليل فقط من اللصوص”.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية