حارب الحريديم في 2002 وأذعن لهم في 2023.. من ينقذ اقتصاد إسرائيل من نتنياهو؟

حجم الخط
1

في نيسان 2002 أطلق رئيس الحكومة في حينه، أريئيل شارون، عملية “السور الواقي” للقضاء على الانتفاضة الثانية. نقشت هذه العملية في ذاكرة التاريخ كنجاح عسكري صارخ وانعطاف نجحت فيه إسرائيل في إعادة السيطرة الأمنية على “المناطق” [الضفة الغربية]. قلائل يذكرون بأن شارون توجه في تلك الفترة إلى عملية جريئة أخرى وهي خطة “سور واق اقتصادية”، انطلقت في أيار 2002.

“شاس” صوتت ضد الخطة التي شملت تقليص مخصصات التأمين الوطني، فأقال شارون وزراء “شاس” بلا تردد. وعادوا إلى الحكومة بعد شهر، لكن كان هذا بداية نهاية الحكومة. ففي تشرين الثاني 2002 سقطت الحكومة.

خلال هذه الفترة، بين نيسان وحزيران 2002، شهدت إسرائيل الأزمة المالية الأخطر في تاريخها (إلى جانب أزمة خطة الاستقرار في 1985، وكما يبدو أيضاً أزمة التقشف الاقتصادي في 1951). في نقطة الحضيض، في حزيران 2002، كان هناك عمليات استرداد ضخمة في البورصة وهروب مذعور للدولار إلى خارج إسرائيل. الدولار ارتفع إلى 5 شواكل. وقفزت عائدات سندات الحكومة في إسرائيل إلى 12.5 في المئة (هذا عائد يعكس الإفلاس)، وشركات التصنيف الائتماني واجهت انخفاضاً في التصنيف. وقد كان من الواضح أن اقتصاد إسرائيل يواجه انهياراً. في محاولة لإنقاذ الموقف، رفع بنك إسرائيل الفائدة من 4.5 في المئة إلى 9 في المئة خلال شهر واحد. في موازاة ذلك، أعلنت حكومة شارون المتذبذبة نيتها الخروج بخطة تقليصات كبيرة في الميزانية، خطة أعلن عنها أثناء الأزمة وحصلت على مصادقة الكنيست في كانون الأول 2002.

ثمة تأثر من أن “حكومة انتقالية صادقت على ميزانية دولة، التي هي ميزانية طوارئ مع تقليصات كبيرة، قبل شهر من انتخابات الكنيست. حدث هذا بفضل تصميم حكومة شارون على كبح الأزمة الاقتصادية الضخمة وبفضل المسؤولية الحكومية التي أظهرها حزب العمل برئاسة عميرام متسناع وبنيامين بن اليعيزر، اللذين وافقا على عدم معارضة المصادقة على الميزانية في الكنيست لإدراكهما خطورة الوضع.

خلفية الأزمة الاقتصادية كانت دولية ومحلية في الوقت نفسه. كان دمجاً قاتلاً بين أزمة دولية وانهيار فرع “الهايتيك” في أزمة “الدوت كوم” في 2002 وتقويض الوضع الأمني في إسرائيل عند اندلاع الانتفاضة الثانية في تشرين الأول 2000، الأمر الذي أدى إلى تفاقم الوضع هو رد الحكومة غير المسؤول والتي استمرت في التصرف وكأن التكنولوجيا المتقدمة تزدهر وزادت النفقات في الميزانية. كانت الذروة في قانون هلبرت الذي صادق على زيادة مخصصات الأولاد إلى 900 شيكل بدءاً من الولد الخامس فصاعداً وصادق على عجز في الميزانية.

كبش الفداء في هذا الوضع كان استقلالية بنك إسرائيل. استخدمت الحكومة ضغوطاً كبيرة، وفي كانون الأول 2001 تم التوقيع على الصفقة النتنة: محافظ بنك إسرائيل في حينه، دافيد كلاي، خفض الفائدة 2 في المئة مقابل تعهد وزير المالية في حينه، سلفان شالوم، بإجراء تقليصات في الميزانية.

انخفضت الفائدة، ولكن لم تحدث تقليصات في الميزانية. وكانت النتيجة فقدان الثقة المطلق بسياسة الحكومة وبسياسة الفائدة في بنك إسرائيل. مثلما يعرف كل اقتصادي مبتدئ أنه يصعب شراء ثقة الأسواق، ولكن من السهل جداً فقدانها. ومن أجل ترميم ثقته، اضطر بنك إسرائيل لدفع ثلاثة منها في حزيران 2002 بخمس زيادات في الفائدة.

التاريخ يكرر نفسه ولكن ليس بشكل دقيق

بعد مرور عشرين سنة على ذلك، هناك رياح مشابهة لأزمة مالية تحلق في الجو. ثمة محاولة سياسية للمس باستقلالية بنك إسرائيل وإجباره على خفض الفائدة، ورئيس اللجنة المالية في الكنيست، موشيه غفني، يخطط لتقديم مشروع قانون كهذا، تحدث أزمة دولية مرة أخرى تضر بفرع “الهايتيك”؛ وكذا الدولارات تخرج من دولة إسرائيل؛ ويسمع تخوف من أزمة مالية ومن خفض التصنيف الائتماني لإسرائيل؛ إلى جانب تخوفات كبيرة من تقويض الوضع الأمني واندلاع انتفاضة أخرى.

لكن التاريخ لا يكرر نفسه بشكل دقيق، وهناك فروق جوهرية مقابل الوضع في العام 2000. الفرق الأول للأفضل: إسرائيل دخلت هذه المرة إلى أزمة محتملة باقتصاد قوي ومستقر أكثر من أي وقت مضى مع نمو قياسي واحتياطي كبير للعملة الصعبة. ليس هذا فقط، بل تتصرف الحكومة في هذه الأثناء بمسؤولية مالية، والجمعة الماضي صادقت على الميزانية مع هدف عجز منخفض بشكل خاص، 1 في المئة فقط.

 الفرق الثاني للأسوأ: الحكومة هي العامل الرئيسي في خلق الأزمة من جراء سياستها في “المناطق” والدفع قدماً بالانقلاب النظامي الذي هو السبب الرئيسي للخوف من أزمة مالية شديدة. بدلاً من وقف تقويض الوضع الاقتصادي، الحكومة تشعل الأزمة، وليس لدينا رئيس حكومة رسمي وقوي مثل شارون، يدير جبهة عسكرية وجبهة اقتصادية في الوقت نفسه وبدون خوف.

في الحقيقة، خطة كانون الأول 2002 لم تكن كافية لكبح الأزمة الاقتصادية. لذلك، بعد الانتخابات في كانون الثاني 2003 وبعد فوزه بانتصار ساحق، قام شارون بتعيين خصمه بنيامين نتنياهو وزيراً للمالية لهدف واحد ووحيد، وهو أن يفعل كل المطلوب لإنقاذ اقتصاد إسرائيل.

في آذار 2003 خرج نتنياهو بخطة اقتصادية، ثالثة خلال سنة تقريباً، شملت تقليصات كبيرة أخرى، وتغييرات هيكلية كبيرة في اقتصاد إسرائيل، ومساً آخر كبيراً بمخصصات التأمين الوطني بهدف إجبار الحريديم على الاندماج في سوق العمل.

الحكومة مصدر المشكلة

 حظي نتنياهو وبحق بالتشجيع التاريخي بسبب الخطة الاقتصادية التي قادها كوزير للمالية في آذار 2003. ولكن حسب الحقيقة التاريخية، فإنه تمكن من تنفيذ هذه الخطة بفضل المظلة السياسية التي أعطاه إياها شارون وبفضل أن المتدينين لم يكونوا في الحكومة.

أما الآن، مع الوقوف أمام أزمة مشابهة، فإن رئيس الحكومة نتنياهو المرتبط بحبل سري للأحزاب الحريدية، بدلاً من القيام بتغييرات هيكلية عميقة في الاقتصاد يعمق الأزمات القائمة بواسطة إعطاء ميزانيات ضخمة للحريديم التي تضمن بقاءهم خارج سوق العمل، ومن خلال تقويض الديمقراطية في إسرائيل.

ليس هذا فقط، بل إنه وبدلاً من الرد على العلامات المبكرة لأزمة مالية محتملة، ترفض حكومة نتنياهو هذه العلامات على اعتبار أنها “علامات عبثية” وحتى إنها تتهم من يعطون هذه العلامات بأنهم يتسببون بأزمة متعمدة، وفعلياً تتهم بالخيانة. هذا هو الأسوأ: بدلاً من محاربة الأزمة، باتت الحكومة تحارب المستثمرين وتعمل على تفاقم أخطار حدوث أزمة مالية.

حتى التحذير الاستثنائي، الذي أطلقته أمس شركة التصنيف الائتماني “بيتش” والتي حذرت من أن “للإصلاح تأثيراً سلبياً على صورة إسرائيل الائتمانية وأن الدول التي طبقت مثل هذه الإصلاحات أدت في حالات معينة إلى تخفيض مرحلة واحدة في سلم التصنيف حسب نموذج الشركة” (أي يوجد أساس للخوف من تخفيض التصنيف الائتماني ولا يدور الحديث عن اتهامات عبثية لمستثمرين خونة)، حتى هذا التحذير، لم يجعل حكومة نتنياهو توقف الانقلاب النظامي.

 إزاء وضع طوارئ، أمني واقتصادي، كان شارون عرف كيفية تنفيذ خطوات شجاعة، بما في ذلك إقالة أعضاء الكنيست الحريديم من الحكومة. أما نتنياهو اليوم فيفعل العكس تماماً؛ فقد خضع للحريديم ولشركائه المسيحانيين في الائتلاف، وهو يقوم بتقويض فرع “الهايتيك” ويدفع نحو هرب رؤوس الأموال ونحو أزمة مالية بواسطة تقويض الديمقراطية في إسرائيل وعرض المستثمرين كخونة. بات نتنياهو يخلق الأزمة بدلاً من أن يدفع نحو الاستقرار. وإذا اندلعت أزمة مالية مرة أخرى مثلما في 2002 فسيكون من الصعب الاعتماد على الحكومة التي تعرف كيف تنقذ الوضع. الحكومة هي مصدر المشكلة.

بقلم: ميراف ارلوزوروف

 ذي ماركر 2/3/2023

 

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية