القاهرة ـ «القدس العربي»: بينما نام المصريون ليلة الخميس الماضي يحاصرهم الخوف من كل جانب بسبب اقتراب شهر رمضان الذي يمثل عبئا على ميزانية المواطنين في ربوع البلاد كافة، فاجأتهم يد القدر صبيحة أمس الجمعة 3 مارس/آذار بما لم تصدقه عقولهم، إذ عادت لأول مرة الابتسامة على وجوه ربات البيوت في الأسواق، إثر تهاوي غير مسبوق في أسعار بيض المائدة والدجاج، ما عزاه البعض لتدخل جهاز سيادي أسند إليه مؤخرا ملف الأسعار للحيلولة دون خروج المصريين للميادين مجددا.. ووفقا لنشرة الغلاء: تراجعت أسعار الدواجن “أسعار الفراخ”، إلى مستويات غير متوقعة إذ هبط سعر كيلو الدواجن الحية بقوة لتبدأ الأمهات من 65 جنيها. وتراجعت أسعار الدواجن البيضاء التسمين على مدار اليومين الماضيين بقوة بعدما سجلت 95 جنيها، لتسجل اليوم (أمس الجمعة) 60 جنيها بتراجع يزيد على 40 جنيها. وهبط سعر كيلو البانيه ليصل في بعض المحلات إلى 145 جنيها لأول مرة من ذروة الارتفاع، بعد أن سجل سعره قبل أسبوع 240 جنيها في بعض الأحياء الراقية.. وتوالت المفاجآت السارة إذ تهاوى سعر البيض، حيث سجلت كرتونة البيض الأبيض 90 جنيها للمستهلك محققة تراجعا نحو 40%.
ومن أبرز التقارير التي سيطرت على الشارع السياسي واهتم بها الرأي العام: أدانت مصر التصريحات التحريضية لوزير في الحكومة الإسرائيلية، التي دعا فيها إلى “محو” قرية حوارة الفلسطينية. وأشار البيان إلى ما تمثله هذه التصريحات من تحريض خطير وغير مقبول على العنف، يتنافى مع القوانين والأعراف والقيم الأخلاقية كافة، ويفتقر للمسؤولية التي يجب أن يتحلى بها أي مسؤول يشغل منصبا رسميا. ودعت القاهرة إلى ضرورة وقف الأعمال الاستفزازية أو التحريضية ضد أبناء الشعب الفلسطيني، ووضع حد للإجراءات الأحادية، بهدف تحقيق التهدئة بين الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي، وتهيئة المناخ لاستئناف عملية السلام على أساس مبدأ حل الدولتين وقرارات الشرعية الدولية، باعتبار ذلك هو السبيل الوحيد لتحقيق السلام الشامل والعادل في المنطقة، وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة على حدود يونيو/حزيران 1967 وعاصمتها القدس الشرقية.
ومن التصريحات التي أثارت جدلا واسعا على المستوى الشعبي: قال المستشار حسين أبو العطا رئيس حزب “المصريين” إن مواطني المنيا بصفة خاصة، والصعيد بشكل عام أصبحوا يعيشون أزهى عصور التنمية والتعمير، لما تحقق من شرايين الخير التي طالت الحجر والبشر على أرض الواقع، مؤكدا أن افتتاح الرئيس السيسي عددا من المشروعات القومية والتنموية في محافظة المنيا يأتي في إطار خطة الدولة لتنمية الصعيد، وتحقيق تنمية شاملة ومستدامة في محافظات صعيد مصر، لتوفير الرعاية الصحية والاجتماعية وتحقيق التنمية الاقتصادية، وتوفير حياة كريمة لأهالي الصعيد والقضاء على الفقر، وتحسين الخدمات وتوفير المرافق وإنشاء المدارس والمستشفيات والطرق والكباري.. ومن أخبار القلعة البيضاء: عادت أسوار نادي الزمالك تزدان بمزيد من الصور للمستشار مرتضى منصور رئيس نادي الزمالك الموجود في المستشفى حيث يقضي عقوبة السجن شهرا بتهمة سبّ محمود الخطيب رئيس النادي الأهلي، وراجت أخبار بين رواد النادي الأبيض الذين توافدوا نهاية الأسبوع تفيد بأن مرتضى سيعود لموقعه بعد انقضاء فترة الحبس.. ومن أخبار الساحرة المستديرة: أكد الإعلامي إسلام صادق أن النادي الأهلي فتح الباب أمام رحيل رامي ربيعة مدافع الفريق الأول لكرة القدم في النادي الأحمر في نهاية الموسم الجاري في ظل عدم رغبة السويسري مارسيل كولر في بقائه.
لا تظلموا البرازيلية
تصدر محمد بركات قائمة المدافعين عن الفراخ المستوردة في “الأخبار”: الشائعات الكاذبة والدعاوى المضللة التي شاعت وانتشرت بفعل فاعل خلال الأيام القلائل الماضية، حاملة في طياتها تحذيرات معلنة للمواطنين من تناول الفراخ الدواجن المستوردة من الخارج، بدعوى عدم صلاحيتها للاستخدام الآدمى، هي ظاهرة تستوجب التوقف أمامها بالانتباه واليقظة، نظرا لما تحمله في طياتها من دلالات ومعان، تستحق الاهتمام وتستوجب الملاحظة والاعتبار. أولى هذه الملاحظات، أن ما يتردد وما يشاع عن كونها فراخا لا تصلح للاستخدام أو الأكل الإنساني، رغم غرابته وعدم مصداقيته، هو قول كاذب، نظرا لثبوت تناولها في مصر وغيرها من دول وبلاد العالم، طوال السنوات الماضية، دون أدنى مشكلة أو شكوى، سواء من الصلاحية، أو المذاق أو الذبح على الطريقة الإسلامية، أو أي شيء آخر. ثاني هذه الملاحظات، أننا لا يمكن أن نتعامل مع هذه الشائعات والادعاءات على أنها مجرد نكتة بايخة، أو كذبة بيضاء، أراد مطلقوها ومن روجوا لها الضحك أو السخرية على عامة الناس وعموم المواطنين، لان ذلك غير حقيقى، إذ أن الهدف من وراء الشائعة والادعاء هو زرع بذور الشك والقلق في نفوس المواطنين، ودفعهم لعدم الاطمئنان إلى صحة وسلامة تناول هذه الدواجن المستوردة، حتى يقل الإقبال عليها وتستمر الأزمة الخاصة بارتفاع أسعار الدواجن المحلية، على ما هي عليه من اشتعال وارتفاع غير معقول ولا مقبول. والملاحظة الثالثة، هي أن من الواضح أن هذه الشائعات وتلك الادعاءات، محاولة دنيئة ومكشوفة لجأ اليها ضعاف النفوس من مجموعة التجار الجشعين والمستغلين من أصحاب الضمائر الخربة والقلوب المريضة، الذين أدمنوا استغلال المواطنين وسرقة أموالهم ورفع الأسعار فوق طاقتهم، وزيادة سعر الدواجن بصفة دائمة ومستمرة ومستفزة أيضا طوال الأسابيع والشهور الماضية، دون شفقة أو رحمة، ساعين فقط إلى تحقيق أكبر قدر من المكاسب والأرباح على حساب الناس، ودون أدنى مراعاة للمسؤولية الوطنية أو السلام الاجتماعي. ومن الواضح أن هؤلاء المستغلين الجشعين أفزعهم انصراف المواطنين عن تجارتهم الفاسدة والمستغلة، فلم يجدوا سوى الشائعات الكاذبة والدعاوى المضللة ليجبروا الناس للعودة إليهم والرضوخ لاستغلالهم.
دافعوا عن أحلامكم
من حق الصحافي على حد رأي الدكتور محمد حسن البنا في “الأخبار”، أن يحلم، وعلى النقيب كما قال الكاتب أن يحقق أحلامه، هذا ما رأيته خلال الفترة الماضية. المرشح لمنصب النقيب خالد ميري يزور كل المؤسسات والإصدارات الصحافية والمواقع الإلكترونية، يلتقي بكل الصحافيين بكل المحبة والود، يسمع شكاواهم وطموحاتهم وأحلامهم، بل يتفاعل معهم، لأنه واحد منهم. خالد ميري لم يكلّ ولم يملّ، بل أصر على زيارة الجميع والاستماع إليهم بكل إنصات وجدية. نجح ميري في اختيار شعار حملته الانتخابية: «من حق الصحافي أن يحيا بكرامة وأن يحصل على الخدمات التي يستحقها، وأن تتوافر له الحماية القانونية أثناء ممارسة عمله. كانت نقابة الصحافيين وستظل بيتا لنا جميعا». نعم مهما كان انتماؤك، أنت في أمان مع نقيب ومجلس نقابة قوي، وقريب منك. نقيب له خبرة مهنية ونقابية متميزة. نقيب يتحلى بروح الود مع الجميع. نقيب يدرك ويلم بتحديات الصحافة، ويعرف جيدا هموم الجماعة الصحافية ومشاغلها. ويثق في قدرة النقابة والصحافيين على تجاوز كل التحديات وتحقيق كل الطموحات. تحت شعار “نقابة قوية، صحافة قوية”. يأتي على رأس برنامجه الانتخابي: «ستظل نقابة الصحافيين قلعة شامخة للحريات تحمي أعضاءها وتدافع عنهم وتوفر لهم الخدمات المختلفة لتهيئة الأجواء المناسبة للعمل بمهنتهم السامية. داخل نقابتنا تختلف الآراء والاتجاهات والأفكار، لكن يظل الاحترام بيننا جميعا هو النبراس.. ويظل انتماؤنا دوما لوطننا ومهنتنا ونقابتنا”. كما اهتم ميري بتطوير الخدمات التي تقدمها النقابة، ومنها رفع الحد الأقصى في مشروع العلاج، وإنشاء عيادة صحية متكاملة في مقر النقابة. ودعم صندوق المعاشات بـ10 ملايين جنيه. واستكمال الجهود عبر الحوار الوطني ومع مؤسسات الدولة لإغلاق ملف حبس الصحافيين. ومراجعة القوانين لضمان الحماية القانونية الكاملة للصحافيين أثناء أداء عملهم. وزيادة البدل الصحافي وإلزام الصحف بالحد الأدنى للأجور. مع استمرار صرف إعانة البطالة للزملاء المستحقين، مع مساعدتهم في حل مشاكلهم أو العودة لعملهم.. وتنظيم دورات تدريبية للصحافيين في الفنون الحديثة للعمل الصحافي.
معروفة الأسباب
تعددت في الآونة الأخيرة حالات الانتحار في مصر.. إحصاءات كثيرة، انتبه لها عمرو هاشم ربيع في “الشروق” بعضها عن محاولات الانتحار، وبعضها الآخر عن المحاولات التي نجح أصحابها في تحقيق غايتهم. عدد المنتحرين متباين بشكل كبير، فأرقام الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء تشير إلى العشرات سنويا، بينما يقول بيان آخر إنه في عام 2021 حاول 2584 شخصا الانتحار (ندوة المركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية في اليوم السابع 18 يناير/كانون الثاني 2022) هنا نشير إلى ما صرح به جمال فرويز استشاري الطب النفسي في الأكاديمية الطبية، بأن 90% من حالات الانتحار في مصر غير مسجلة بهذه الصفة (“اليوم السابع” 10 أبريل/نيسان 2018). ويبدو أن ذلك يرجع لخوف أهل المنتحر من نظرة الناس لهم إذا ما تكشف السبب الحقيقي للوفاة، وكذلك وصف المنتحر دينيا بكونه كافرا. وعامة، فإن الرقم الأخير، نظرا لكبره، يبدو أنه يشتمل على حالات الانتحار ومحاولة الانتحار معا. عن أسباب الانتحار، أشار الكاتب إلى أن الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية هي السبب الرئيس في كل حالات الانتحار، فالبطالة، وغلاء المعيشة، والخشية من الفشل الدراسي أو حدوثه، والأسباب العاطفية المرتبطة بسن المراهقة، والتهميش من المحيط الصغير والكبير للمنتحر، والخشية من الفضائح الإلكترونية المرتبطة بحالات الابتزاز، والخلافات الزوجية خاصة، والعنف الأسرى عامة لاسيما المرتبطة بالعنف الجسدي، وفقدان الونيس والصديق، والتنمر، وكل هذه الأمور رغم كونها منتشرة في جميع البيوت المصرية، إلا أنها لو أفضت إلى اكتئاب كمرض نفسي خطير، فالأرجح أن تؤدي إلى الانتحار.
الريفيون في المقدمة
المناطق الريفية التي كانت تتسم بالسكينة، حتى وقت قريب، حيث تتركز عمليات الانتحار غالبا في المناطق الحضرية، أصبحت هي الأخرى، وفق ما أكد عمرو هاشم ربيع موئلا لحالات كثيرة للانتحار. الانتحار بما يسمى حبة القمح أو الغلة، التي تمنع تسوس القمح المخزن في الأجولة، وهي عبارة عن الألومنيوم فوسفيد، أصبحت هي الأسلوب الشائع اليوم للإقبال على الانتحار في الريف. ففي دراسة المؤسسة العربية لدعم المجتمع المدني وحقوق الإنسان، فإن حالات الانتحار التي وقعت خلال الفترة من ابريل/نيسان ــ سبتمبر/أيلول 2022، تمت بوسائل متعددة، وأن حبة القمح والحبوب السامة هي الوسيلة الثانية للانتحار خلال فترة الدراسة، في 46 من 186 حالة، بنسبة نحو 25% (رصد 7 ديسمبر /كانون الأول 2022). وكي ندلل على ارتباط الظاهرة بالحضر، رغم أن السويس وبورسعيد الأكثر تحضرا من أقل المحافظات للظاهرة، نشير إلى أن الدراسة السابقة وجدت أن الإسكندرية ثم القاهرة شهدت أكثر من نصف حالات الانتحار خلال فترة الدراسة (26% و28% على الترتيب). بعيدا عن العلاقة بين درجة التحضر وعمليات الانتحار، هناك أمر آخر مرتبط بالنوع، إذ يتبين من واقع حالات الانتحار المعلن عنها، أن تلك الحالات تنتشر بين الذكور أكثر من الإناث. هنا نذكر إحصاء أعده الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء (“بوابة الشروق” 28 يونيو/حزيران 2022)، يشير إلى أنه خلال الأعوام 2018 و2019 و2020 وقع عدد 89 و75 و101 حالة انتحار، منها على الترتيب 66 و54 و74 ذكورا، بنسب متقاربة تقدر بـ74% و72% و73% على التوالي. وعامة، قد يجد هذا الأمر تفسيره لكون الأسباب المذكورة أنفا والداعية للانتحار، يتفاعل معها الذكور أكثر من الإناث. وعامة، فقد عزز الارتباط السابق دراسة المؤسسة العربية سالفة الذكر، التي ذكرت أن 66% من الحالات خلال فترة الدراسة المشار إليها ذكورا. الأمر الثالث، هو أن حالات الانتحار رغم كونها عامة في مختلف الأعمار، إلا أنها تتزايد بين الشباب في العقدين الثانى والثالث، أكثر من أي مرحلة عمرية أخرى. هنا تبدو الأسباب الأسرية والمرتبطة بالتعليم على وجه التحديد، خير مجيب على تفسير ذلك. أيضا من المهم هنا الإشارة إلى دراسة المؤسسة العربية التي رصدت أن 20% من حالات الانتحار الـ186 وقعت بين طلاب الابتدائي والإعدادي والثانوي والأزهري.
تنشيط السياحة
يطرح عبد العظيم الباسل في “الوفد” السؤال المهم عن أسباب تراجع أهم مواردنا: كشف عمرو القاضي رئيس هيئة تنشيط السياحة، عن زيادة المعدلات السياحية في مصر بنسبة 55% في الربع المالي من العام الماضي، قياسا بالعام الذي قبله؛ وكذلك تتوقع مؤشرات سياحية عالمية عن وصول عدد الزائرين لمصر حوالي 52 مليون سائح حتى عام 2026. ورغم تلك الأرقام المتفائلة والترويج السياحي الذي ننفق عليه مليارات الجنيهات إلا أننا لم نصل إلى المعدل السياحي المطلوب مقارنة بالدول الأقل منا سياحيا؛ والأغرب من ذلك أن البنية السياحية في أزهى حالاتها من طرق ومطارات وقرى فندقية؛ إلا أنه ما زال السائح أسير الغردقة وشرم الشيخ فقط محبوسا بين البحر والفندق حتى يعود من رحلته التي تنظمها الشركات الأجنبية، دون أن تشمل برامجها المعالم الثقافية والأثرية والبيئية والنيلية للعديد من المدن المصرية الأخرى، التي تمتلك مقومات سياحية عديدة. وحتى لا نخدع أنفسنا فلن تأتي سياحة في ظل تفرق دم السائح بين أكثر من جهة، بدلا من أن يكون في يد وزارة السياحة فقط، التي تستقبله وترعاه حتى يعود إلى بلاده؛ فهناك تاكسي المطار الذي يستغله بعيدا عن الليموزين السياحي الذي يجب أن يكون جاهزا لاستقباله؛ وهناك أتوبيس المحليات الذي يحيطه الأمن من كل اتجاه، وكأن السائح مهدد منذ لحظة وصوله؛ ناهيك عن التعامل معه بلا لغة أو ثقافة أو حسن استقبال أو معرفة بتاريخ البلد القادم منه؛ رغم وجود شباب محترف يريد أن يجد فرصة للاقتراب من هذه المهنة التي تدر عائدا كبيرا على المؤهلين للعمل فيها. في صراحة نحن بحاجة إلى ترويج سياحي حديث بعيدا عن التنورة وجمل الصحراء من خلال الدعاية الرقمية وعالم الديجيتال والسوشيال ميديا بفيديوهاته المتعددة؛ الذي يستطيع فيديو واحد أن يبرز في خمس دقائق دعاية رائجة لمدينة سياحية فشلت في ترويجها الدعاية التقليدية.
الطرق والكباري
أنفقت الدولة على الطرق الكثير جدا، ولا تزال وفق ما أكده سليمان جودة في “المصري اليوم” تنفق، ولكنها تكاد تنسى ما يجب ألا تنساه لتكتمل الصورة في عيون الناس. خُذ جولة على الطريق الدائري مثلا، لترى كيف أن البيوت التي تقع على جانبيه تفسد كل ما جرى وما سوف يجري إنفاقه عليه.. المنظر لا يطاق بصريا، والبيوت المتناثرة على جانبى الطريق، إما بيوت واقفة على الطوب قبيحة الشكل للغاية، وإما بيوت أزالوا جزءا منها وتركوا الجزء الآخر متهدما عاريا.. وفي كل الأحوال تجد أنك أمام منظر لا يسر.. منظر يؤذي النفس والعين معا.. ويؤذي العين أكثر طبعا. لا أتكلم عن سائح ولا عن سياحة، ولكن أتكلم عن المواطن العادي، أتكلم عن المواطن الذي من حقه ألا يتألم بصره وهو يمر على هذا القبح في الذهاب والإياب. سمعت من الفنان فاروق حسني، أن الملك الحسن كان في زيارة إلى القاهرة ذات يوم، وأن حسني كان في رفقته في جولة في العاصمة، وأنه – أي الملك – لاحظ ما لفت انتباهه في المباني التي مرّ عليها، فتساءل في دهشة عما إذا كان عندنا أكواد محددة يلتزم بها كل صاحب بيت جديد.. ولا بد من أن ملك المغرب الراحل كان يتساءل وفي ذهنه شكل مدينة الرباط عاصمة بلاده.
مات ولم يعلم
والذين زارو العاصمة المغربية يعرفون ما يقصده سليمان جودة وما جعل الملك المغربي يتساءل في حيرة وينتظر إجابة. ولم يعرف فاروق حسني يومها بماذا يجيب، ولكنه يعرف أن الأكواد التي تساءل عنها الحسن ضرورة في كل بناء حديث، وأن عدم الالتزام بها جريمة في حق مجتمع بكامله، وأن عدم الالتزام من جانب كل مواطن ينشئ بيتا جديدا ليس ذنبه، بقدر ما هو ذنب الحكومة التي تتساهل معه ولا تضع أكوادا لا مفر من التقيد بها في شكل أي مبنى، وفي لونه، وفي ارتفاعاته، فضلا بالطبع عن أساساته. هذه مسألة لا يجوز التهاون فيها أبدا، ولا التغافل عنها في كل الظروف، ولا النظر إليها باعتبارها مسألة ثانوية أو هامشية، لأنها متصلة في جوهرها بالصحة النفسية للمواطن، والصحة النفسية لا تنفصل عن الصحة البصرية، والصحة البصرية تتعرض لانتهاك صارخ على طول الطريق الدائري، وعلى طول كل طريق آخر يشهد ما يشهده الدائري. تربية الذوق لدى المواطن تبدأ في المدرسة، ولكن المنظر على الدائري وعلى كل طريق مماثل بامتداد الجمهورية يشوّه هذا الذوق ويهدمه، ولا يمكن أن يشارك مواطن في بناء بلده وهو يخلو من الذوق السليم، أو يصادف على الطريق وفى الشارع ما ينزع الذوق الراقي من داخله.. والطريق الذي تقع عليه بيوت في مثل حالة بيوت الدائري ينقصه ما يجعله طريقا يتعامل مع أرقى ما في الإنسان.
لهذا تولد الأزمات
تحدث الأزمة الاقتصادية وفق ما أشار إليه الدكتور عبد المنعم سعيد في “الأهرام”، عندما يكون هناك خلل في الموازين الأساسية للدولة من أول موازنتها العامة بين الإيرادات والإنفاق، والميزان التجاري بين الصادرات والواردات، وميزان المدفوعات بين ما هو وارد من أموال وما هو خارج منها، وحتى نصل إلى الخلل بين الزيادة السكانية والقدرة على إعاشتها. باختصار الأزمة هي حالة من الاستحكام لكل ما سبق إلى الدرجة التي تظهر فيه أعراض موجعة مثل، التضخم والبطالة وحتى التعرض لضغوط خارجية شتى. التفكير مع هذا الوضع الآن يدعو أحيانا إلى «الحوار» حول الأزمة بين مختصين أو سياسيين أو الجمهور العام، من خلال أجهزة الإعلام لعل الطاقة المجتمعية من الأفكار تقود إلى حل. لدى الرأي العام في العادة الرغبة في حلول سحرية، الكثير منها متطرف وساذج وفي الأغلب يؤدي إلى تفاقم الأزمة وليس حلها حينما يزيد فيها الإنفاق العام أو يدعو إلى درجات متطرفة من التقشف، فيكون مدعاة لضعف الطلب العام والانكماش الاقتصادي في أعقابه. ما نحتاجه هو نوعية من التفكير التي تسير أولا في اتجاهات نعرفها جيدا، وأجدنا فيها أيضا بالطاقات الحالية في المجتمع؛ وثانيا أنها تكون مقبولة داخل الإطار السياسي العام في البلاد، أي عملية وقابلة للتنفيذ، وفيها بعض من الخيال، لكنها لا ترتقي إلى أحلام نستيقظ منها على كوابيس مخيفة. نقطة الانطلاق الرئيسية هي ما تحقق خلال السنوات التسع الماضية على أرض مصر، التي حتى عام واحد مضى، رغم وجود جائحة كورونا، حققت فيها معدلات نمو إيجابية، وظهرت معها انخفاضات طفيفة في النمو السكاني.
فرصة للتفاؤل
ما تحقق من وجهة نظر الدكتور عبد المنعم سعيد كان زيادة العمران المصري، التي كانت قبل نصف قرن نحو 3% من مساحة مصر، ووصلت قبل ثلاثة عقود إلى 7% من المساحة الكلية للدولة، والآن وبعد أقل من عقد فإن العمران يصل إلى ما يقرب من 15%. النتيجة إيجابية ولا شك، ولكن عدد السكان ارتفع من نحو 40 مليونا في عام 1980 إلى ما يقرب من 115 مليونا من المواطنين والضيوف، وأصبح الامتحان الآن كيف يمكن وضعهم في مسار للعمل وإضافة القيمة. فالعمران لا يعني فقط العيش أو الوجود السكاني، وإنما القدرة على توليد الثروة أينما كانت على أرض مصر. ولحسن الحظ أنه خلال الفترة نفسها بدأت حركة واسعة للانطلاق من «النهر إلى البحر» حيث بدأت الحركة السكانية تتلامس مع البحرين الأبيض والأحمر، وخليجي السويس والعقبة، وجوار قناة السويس الكثيف؛ وبشكل ما فإن الصحراء المصرية لم تعد على وحشتها لدى أجيال سابقة، فلا عادت واحة سيوة بعيدة، ولا مزارع العوينات قصية، ولا واحات الوادي الجديد وتوشكى ظلت بعيدة عن خيال المصريين، ولا البحيرات المصرية دامت على حالتها العشوائية، وإنما باتت جاهزة لاستثمارات كبرى. المؤكد أن نمو البنية الأساسية المصرية منذ مطلع القرن الحالي، خاصة خلال السنوات الست الماضية، من طرق وأنفاق ومطارات وموانئ ومحطات للطاقة، خلقت مجالات واسعة للتعمير، واستخلاص الثروات، من المرجح أنها قد وصلت إلى مساحات جديدة، لكنها ليست بعد واصلة إلى حالة المستوطنات السكانية من مدن وقرى حضرية وريفية. وفي وقت من الأوقات كان التساؤل حاضرا وبإلحاح على مصادر تمويل بناء العاصمة الإدارية الجديدة، وجاءت الإجابة أن تحويل الأرض الجدباء التي لا تخضر ولا تثمر إلى عمران يولد قدرات مالية كانت كافية لبناء حاضرة مصر الجديدة.
اختراع مصري
انتبه عبد القادر شهيب لاختراع من صميم فكر الحكومة المصرية مؤكدا في “فيتو”: استهلت وزارة البترول الإعلان عن الأسعار الجديدةَ للبنزين بعبارة تتحدث عما سمته تذبذب أسعار النفط وسعر الصرف.. وهذا اختراع جديد في عملية صك المصطلحات وتسمية الأمور والأفعال.. فالحادث الآن في سعر النفط هو تراجع بعد ارتفاع كبير مع اندلاع الحرب الأوكرانية. أما الحادث في سعر الصرف فهو الانخفاض الكبير للجنيه إلى النصف الآن.. أي أننا لسنا إزاء ارتفاع يتلوه انخفاض ثم يأتي بعده ارتفاع لسعر النفط أو سعر الصرف.. ولذلك لم يكن موفقا بيان وزارة البترول وهي تعلن الأسعار الجديدة للبنزين والمازوت، ولا يوجد تفسير لاختيار وزارة البترول لفظ أو فعل تذبذب هنا سوى إنها تخجل من تسمية الأشياء بأسمائها الحقيقية.. والحقيقة أن ذلك لا يقتصر على وزارة البترول وحدها.. إنما تشاركها فيها هيئات ومؤسسات ووزارات أخرى. ومنذ سنوات ونحن نسمى ارتفاع الأسعار تحريكا، رغم أن التحريك المفترض أن يكون في الاتجاهين صعودا وهبوطا. ونسمي أيضا تخفيض الجنيه مرونة في سعر الصرف.. ونسمي تخفيض الدعم ترشيدها له، وهكذا دواليك، وقد لاحظ كثيرون أن وزارة البترول تجنبت استخدام لفظ زيادة أو رفع سعر البنزين والمازوت، واكتفت في بيانها في الإعلان عن الأسعار الجديدة فقط، رغم أن هذه الأسعار الجديدة أكبر مما كان معمولا بها حتى منتصف ليلة الخميس الماضي بنسبة لا تقل عن 10 في المئة. في اختصار.. نحن مغرمون بعدم تسمية الأشياء والأفعال والقرارات بأسمائها الحقيقية والمباشرة.. وغرامنا هذا قديم وليس جديدا.. ولعلكم تتذكرون أنه حينما تم الإعلان عن انسحاب قواتنا من سيناء في يونيو/حزيران 67 قلنا إن قواتنا اتخذت مواقع دفاعية جديدة لها على الضفة الغربية للقناة، وحتى حينما اعترف بهول ما حدث لم نسميها هزيمة، وإنما أطلقنا عليها وصف نكسة، غير أن ذلك لم يعد مستساغا في عصر المعلومات التي باتت متاحة على قارعة الطريق بفضل أدواتنا الإلكترونية التي أتيحت لنا.
لعلنا ننجو
من أجل إيجاد حل للخروج من الأزمة الاقتصادية أجرت مصر كما أوضح علاء ثابت في “الأهرام” تحركات دبلوماسية مكثفة شملت قطر وسوريا وتركيا والمجر في وقت قياسي، وتركزت على الجوانب الاقتصادية وتطوير العلاقات الثنائية، بعيدا عن سياسات المحاور والأحلاف، لترسم مصر خريطة دبلوماسية تأخذ في اعتبارها الأول توسيع أطر تعاونها الدولي، لتشمل مروحة واسعة من الدول، بما يحقق المنفعة المتبادلة، ويحقق لمصر أهداف مشروعها التنموي الداخلي. تأتي تلك الخطوات الواسعة لتخفف من آثار تلك الصراعات التي ألحقت أضرارا واسعة بسلاسل الإمداد والتصنيع والنقل والسياحة، وخلقت أزمات غير متوقعة نتيجة لذلك، ولم تتوقف عند الدول التي تخوض الحروب والصراعات، وإنما امتدت إلى مختلف دول العالم، وكان على الدبلوماسية المصرية أن تعيد قراءة تلك المتغيرات على الساحة الدولية، ونسج علاقات أكثر اتساعا وتنوعا، حتى يمكنها التحرك بمرونة، وإيجاد البدائل، سواء لتسويق المنتجات المصرية، أو لشراء احتياجاتها، وللتقليل من الأضرار الجانبية الناجمة عن تبادل العقوبات بين الدول الكبرى، التي كانت نتائجها سلبية للغاية على كل الأطراف. وتعد الاتفاقيات مع المجر أحد الأمثلة النموذجية لتلك العلاقات التي تسعى الدبلوماسية المصرية إلى وضع أسسها، والتي تقوم على تبادل المنافع، فالمجر أحد البلدان القلقة من عدم استقرار أسواق الغاز الطبيعي، بعد قرار الاتحاد الأوروبي وقف شراء الغاز الروسي، ولهذا تسعى إلى تأمين احتياجاتها وتنويع علاقاتها الاقتصادية، ولأن مصر منفذ حيوي في أهم موقع استراتيجي ولديها مخزون كبير من الغاز الطبيعي، وبوابة للأسواق الافريقية والعربية، فإن العديد من الدول الأخرى المتأثرة بالأزمة العالمية، ترحب بتلك العلاقات المبنية على تبادل المنافع، وتخفيف الأضرار، وليس شرطا التوافق في كل التوجهات، ما دامت تتحقق الأهداف الثنائية المشتركة، وتستفيد مصر من علاقتها مع المجر في مجالات الصناعة، خاصة قاطرات السكك الحديدية والسيارات وغيرها من المعدات، وتوطين مثل هذه الصناعات الحيوية في مصر سيحقق استراتيجيتنا التنموية في توطين الصناعات الحديثة والاستراتيجية، وكذلك توسيع سوق السياحة التي تأثرت بشدة.
أخاف توحشني
نتحول نحو الساخرين ومن أبرزهم أسامة غريب في “المصري اليوم”: كتبت منذ حوالي شهرين عمودا بعنوان: «أخاف في البُعد توحشني»، في الصباح نفسه تلقيت رسالة من صديق عزيز قال لي فيها: بقى يا راجل تخدعني وتحط المقطع الجميل (أخاف في البُعد توحشني) عنوانا لمقال، وبعدين ألاقيه كله عن حمامة الفلايكي ونعيم شمبانزي؟ ضحكت كثيرا على رسالة صديقي الذي تأهب لقراءة مقال نقدي عن أغنية «دليلي احتار» مع الغوص في كلمات رامي العذبة المليئة بمعاني النبل والحب الشريف، فإذا بالموضوع كله عبارة عن تهريج مع شلة قهوة حردوف في حارة ودن القطة. رجعت لكلمات رامي في سياق جاد، فوجدتها تحوي إعجازا فنيا، واقتصادا في الكلمات للتعبير عن معانٍ كبيرة ووصْف حالة شهيرة يعيشها المحبون ويفشلون في التعبير عنها. ناب رامي عن العشاق وقام بتمثيلهم أصدق تمثيل عندما لم يكتفِ مثلما يفعل غيره من الشعراء بالكتابة عن لوعة الفراق والهجر، والتماس القرب الذي يحمل السعادة والرضا، وإنما وصف حالة الحيرة التي تنتاب العاشق في البُعد ولا تزول في القرب، وإنما تضاف إليها الهواجس والخوف من ألم الفراق الذي قد يتكرر. يقول رامي: «أخاف في البعد توحشني وأخاف في القرب تتركني. قريب مني تناجيني وطيف بعدك يخايلني. بعيد عني تناديني ومين يقدر يوصلني».. أي أنه رغم مناجاة المحبوب له حين يلقاه، فإن شبح الفراق يكون ماثلا فيحرمه من الاستمتاع بالمناجاة الرقيقة وفيض المشاعر المتدفق بين يديه.. أما في البُعد، فإنه يستمع إلى نداء الحبيب ولا يقدر على الاستجابة.
الفرحة تتكلم
يمضي أسامة غريب في استشهاده بشاعر الشباب: «لا أنا باصبر على بُعدك لحد عينيا ما تسلّم. ولا بافرح في يوم قربك وأخلي الفرحة تتكلم».. أي أنه لا يطيق الفراق ولا يملك الصبر حتى تصافح عيناه من يحب من جديد، وكذلك لا يسعد يوم اللقاء فيترجم الفرحة لكلمات تجري على لسانه وتنطق بالسعادة.. فأي حيرة وأي عذاب بعد ذلك، يعبر شاعر الشباب أحمد رامي عن أمنية يتخيلها فيقول: «يا ريتك حلم في جفوني، أنام وألقاك وأعيش وياك وآخر طيف أشوفه إنت. يا ريتك فجر في عيوني، أنام وأصحى على فرحة وأول صورة أشوفها إنت. وبين صورتك وبين طيفك أعيش والقلب متهني. مش أفضل كل ما أشوفك أخاف ترجع تغيب عني. ولما القرب يجمعنا أفكر في زمان بُعدك. أخاف يرجع يفرّقنا وأقاسي الوجد من بَعدك. وبين بُعدك وشوقي إليك، وبين قربك وخوفي عليك، دليلي احتار وحيرني». لقد وجد الحل أخيرا لحيرته في أن يتحول الحبيب إلى حلم لا إلى شخص حقيقي، وإلى طيف ينام عليه ويصحو عليه، فهذا أفضل من: «مش أفضل كل ما أشوفك أخاف ترجع تغيب عني». ويبدو أن دنيا الأحلام قد تخفف عن المحبين عناء الفراق ومخاوف اللقاء، وتقدم لهم سعادة وهمية صافية، بعدما تأكد لهم ما قاله شاعر آخر هو حسين السيد: «وإن فات حبيبى يوم أو غاب/ أنا والظنون دايما في عتاب/ واللي انشغل بهوى الأحباب/ عذابه وراحته.. عذاب».