الخطر الوحيد الذي كان يخشاه اردوغان هو نجاح المعارضة بكافة توجهاتها في التوافق على مرشح رئاسي واحد يمكن أن يكون قادراً على هزيمته.
إسطنبول ـ «القدس العربي»: رغم كارثة الزلزال التي خلفت عشرات آلاف القتلى وملايين المشردين والتكهنات بضرورة تأجيل الانتخابات واستطلاعات الرأي التي تشير إلى تراجع شعبيته، فاجأ الرئيس التركي رجب طيب اردوغان الجميع بإعلانه تمسكه بإجراء الانتخابات البرلمانية والرئاسية في موعدها المبكر في الرابع عشر من أيار/مايو المقبل، وهو ما فتح الباب واسعاً أمام التساؤلات حول حسابات الرئيس التركي للفوز بالانتخابات التي توصف بأنها أهم وأصعب انتخابات تشهدها البلاد منذ عقود.
إعلان اردوغان جاء في توقيت حساس جداً وهو قبل تاريخ 14 آذار/مارس الحالي بأيام فقط وهو التاريخ المقرر أن يصدر فيه الرئيس التركي مرسوماً رئاسياً بحل البرلمان وإمهال لجنة الانتخابات 60 يوماً لإجراء الانتخابات التي ستكون في التاريخ الذي حدده سابقاً في الرابع عشر من أيار/مايو المقبل، وهو ما يشير إلى أن اردوغان أراد قياس موازين القوى وخطوات المعارضة قبيل اتخاذه القرار النهائي بإجراء الانتخابات في هذا التاريخ.
خطوة اردوغان هذه يبدو أنها حققت هدفها على أكمل وجه، حيث سارعت المعارضة إلى الاجتماع لاتخاذ القرار النهائي حول اسم «المرشح التوافقي» للانتخابات الرئاسية وهو ما فشلت فيه بعدما أعلنت ميرال أقشينار زعيمة الحزب الجيد انسحابها من تحالف «الطاولة السداسية» ورفضها ترشيح كمال كليتشدار أوغلو قبل أن تتهم التحالف وتقول إنه لم يعد يمثل الإرادة الشعبية في ضربة قاصمة لجهود المعارضة بالتوحد لمواجهة اردوغان.
وبناء على التطورات الأخيرة، فإن اردوغان حقق غايته من التصريح الأخير حول موعد الانتخابات وحصل تماماً على ما يريد وهو التأكد من أن المعارضة -كما كان يتوقع ويقول على الدوام- تتشكل من خليط معقد من التوجهات السياسية والأيديولوجية وبالتالي فإنها يستحيل أن تتوافق وتتوحد وبالتالي يستحيل أن تدير البلاد بهذا الخليط غير المتجانس، وهي نتيجة ستجعله أكثر إصراراً على المضي قدماً بخطوات إجراء الانتخابات في موعدها.
جميع التطورات الأخيرة والحسابات السابقة تشير فيما لا يترك مجالاً للشك إلى أن الرئيس التركي يعول بدرجة أساسية على تفكك المعارضة من أجل القيام بحساباته الأخيرة حول الانتخابات، فالخطر الوحيد الذي كان يخشاه اردوغان هو نجاح المعارضة بكافة توجهاتها في التوافق على مرشح رئاسي واحد يمكن أن يكون قادراً على هزيمته، ولكن مع فشل هذه المساعي فإن فرص منافسي اردوغان بدأت تتضاءل بشكل كبير.
وعلى الرغم من أنه من المبكر التكهن بفرص فوز اردوغان قبيل معرفة التركيبة النهائية للتحالفات وأسماء المرشحين التي يجب أن تتضح بشكل سريع وخلال الأيام المقبلة، إلا أنه من حيث المبدأ تجاوز إمكانية وجود مرشح توافقي واحد وهو ما يعني تشتت أصوات المعارضة بين مرشحين على الأقل وربما أكثر وهو ما يسهل عليه المهمة بشكل كبير لكن لا يمكن الحديث عن ضمانات من دون اتضاح التركيبة النهائية والبدء بحساب كافة المؤشرات.
وعقب الزلزال السياسي الذي عصف بالمعارضة عقب خروج حزب الجيد من تحالف الطاولة السداسية، فتح الباب واسعاً أمام عدد من الأسئلة الكبيرة أبرزها في الوقت الحالي مدى استمرار توافق الأحزاب الخمسة المتبقية في التحالف على ترشيح كمال كليتشدار أوغلو، والسؤال الثاني الأكبر حول مدى إمكانية تلقيه دعماً من حزب الشعوب الديمقراطي الذي يعتبر «بيضة القبان» في الانتخابات على مدى السنوات الماضية.
فأغلب الأحزاب في تحالف المعارضة تعتبر صغيرة وغير مؤثرة باستثناء حزب الشعوب الديمقراطي -الكردي- الذي يمكن أن تتجاوز نسبته في الشارع التركي أكثر من 10 في المئة وهي نسبة عالية قادرة على إحداث تغيير كبير، وبالتالي فإن دعم الحزب لكليتشدار أوغلو سيعزز فرصه كمنافس قوي لاردوغان، أما إصرار الحزب على تقديم مرشح مستقل من شأنه أن يضعف حظوظه بشكل كبير.
وإلى جانب ذلك، وعلى الرغم من رفض رئيس بلدية أنقرة منصور يافاش وإسطنبول أكرم إمام أوغلو دعوة ميرال أقشينار لهم بترشيح أحدهما للانتخابات الرئاسية عن حزبها، إلا أن ذلك لا يعتبر رفضا نهائيا حتى الآن، ومن شأن قبول أكرم إمام أوغلو بهذه الدعوة أن يعيد قلب المعادلات والحسابات ويمكن أن يجعل منه منافساً قوياً أيضاً.
وبالتالي فإن الكثير من الحسابات بحاجة إلى مزيد من المعطيات التي سوف تتشكل تدريجياً خلال الأيام المقبلة وستساعد في رسم مشهد الانتخابات الرئاسية، إلا أن المؤكد حتى الآن أن فشل المعارضة في تحديد مرشح توافقي واحد للانتخابات الرئاسية يعتبر بمثابة هدية ثمينة لاردوغان الذي تعززت حظوظه بشكل كبير بغض النظر عما ستكشف عنه الأيام المقبلة من تطورات.