قمة العقبة غرقت في البحر الأحمر وحالة الاحتقان في فلسطين تقترب من درجة الغليان

وديع عواودة
حجم الخط
0

الناصرة ـ «القدس العربي»: ما أن انتهت قمة العقبة قبل أسبوع وجرى تسريب أو إعلان مخرجاتها، حتى تحولت إلى ما يشبه النكتة السوداء أو رسم الكاريكاتير وذلك بفعل الفجوة الكبيرة بين مباحثات المسؤولين داخل الغرف الموصدة على ساحل البحر الأحمر وبين الواقع الملتهب في الأراضي الفلسطينية المحتلة وبفعل تصريحات وزراء إسرائيليين اعتبرت هذه القمة غير ملزمة لهم قبل أن يجف حبر قراراتها. بعد ساعة من تسريب مخرجات قمة خماسية بمشاركة مندوبين إسرائيليين، فلسطينيين، مصريين، أردنيين وبرعاية أمريكية، قال وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير رئيس الحزب الفاشي «القوة اليهودية» إن ما تم في الأردن يبقى في الأردن وإنه لا يلتزم بها وقد سمع عنها عبر وسائل الإعلام فقط وتبعه بذلك وزير المالية الوزير الإضافي في وزارة الأمن باتسلئيل سموتريتش رئيس الحزب العنصري «الصهيوينة الدينية».

مسيرة الاحتقان
والاحتدام على حالها

ولذلك فإن مسيرة الاحتقان واحتدام التوتر والتقدم نحو الانفجار داخل الأراضي الفلسطينية وليس فقط داخل الضفة الغربية لن تتأثر في الوقت الراهن وفي الأيام المقبلة في ظل استمرار العدوان والاستيطان ومحاولة حسم الصراع وتثبيت التفوق والاستعلائية اليهودية من قبل سلطات الاحتلال والمستوطنين الذين يستشعرون الدعم الفعلي لهم أكثر من أي وقت مضى. كيف لا وهم يسمعون ويشاهدون وزراء في حكومة الاحتلال يدعون بالصوت والصورة للمزيد من القرى الفلسطينية المحروقة على غرار حوارة، ويرون وزير المالية الوزير الإضافي في وزارة الأمن المستوطن باتسلئيل سموتريتش يشرع في تطبيق خطته الخماسية لحسم الصراع وضم الضفة الغربية وتوسيع حدود دولة الاحتلال من البحر للنهر؟

مخرجات العقبة

من جهتهما أعلنت الحكومة الإسرائيلية والسلطة الفلسطينية عقب اختتام «قمة العقبة» عن التزام مشترك لاتخاذ خطوات فورية بهدف إنهاء تصاعد أعمال العنف، واتفق جميع المشاركين في قمة العقبة على دعم خطوات لبناء الثقة والعمل من أجل تحقيق سلام عادل ودائم. وأشاروا لضرورة «الالتزام بخفض التصعيد على الأرض ومنع المزيد من العنف» حسب ما جاء في بيان مشترك أوردته وكالة الأنباء الأردنية «بترا».
وفي هذا المضمار نقلت وسائل إعلام إسرائيلية عن مصدر سياسي صهيوني قوله إنه تم الاتفاق في العقبة على تشكيل لجنة أمنية مشتركة لبحث تجديد التنسيق الأمني، و«استعداد وقدرة» السلطة الفلسطينية على تحمل مسؤولياتها في «مواجهة الإرهاب». وأضاف المسؤول الإسرائيلي أن الوفد الإسرائيلي شدد على أنه لن يتم إجراء تغييرات في القرارات الاستيطانية السابقة التي اتخذتها الحكومة الإسرائيلية قبل أسبوعين، والتي تشمل شرعنة تسع بؤر استيطانية عشوائية وبناء حوالي عشرة آلاف وحدة استيطانية جديدة، في حين لن يتم الإعلان عن خطوات استيطانية جديدة خلال الأشهر القليلة المقبلة. وأكد أنه تم الاتفاق كذلك على تشكيل لجنة «مدنية» مشتركة للدفع بخطوات اقتصادية لـ«بناء الثقة» وعقد لقاء آخر برعاية مصرية خلال شهر رمضان، لفحص مدى «التقدم» في التفاهمات الأمنية. وحسب المسؤول الإسرائيلي فإن «رؤساء الوفود الخمسة، التقوا بالعاهل الأردني، الملك عبد الله، الذي رحب بمحاولة تعزيز الاتفاقات بين الأطراف قبل رمضان وعيد الفصح (اليهودي)». وقال البيان الختامي إن الأطراف الخمسة أكدت «أهمية الحفاظ على الوضع التاريخي القائم في الأماكن المقدسة في القدس قولاً وعملاً من دون تغيير، وشددت في هذا الصدد على الوصاية الهاشمية/ الدور الأردني الخاص». وشدد المشاركون على «أهمية لقاء العقبة» واتفقوا على «مواصلة الاجتماعات وفق هذه الصيغة، والحفاظ على الزخم الإيجابي، والبناء على ما اتفق عليه لناحية الوصول إلى عملية سياسية أكثر شمولية تقود إلى تحقيق السلام الدائم».
وأوضح السفير الأمريكي لدى إسرائيل توم نيدس في تصريح صحافي أن: «قمة العقبة كانت خطوة صغيرة. لم تكن كامب ديفيد جديدة» وأضاف نيدس: «الأردنيون أجبروا الطرفين الإسرائيلي والفلسطيني على الجلوس معًا لأن هناك مشاكل كثيرة ولا يريد أحد أن يرى سيارات محترقة ونوافذ مكسورة وهجمات من كل مكان». وقلل من نتائج قمة العقبة مرجحًا أن يكون هناك بعض التقدم في العديد من الخطوات الإيجابية.

لا تغيير في السياسة الإسرائيلية

وتبين فعلا إنها أقل من خطوة صغيرة. فقد قال رئيس الحكومة الإسرائيلية، بنيامين نتنياهو في يوم انعقاد القمة في الأردن، إنه «خلافا للتغريدات، سيستمر البناء وشرعنة (البؤر الاستيطانية العشوائية) في يهودا والسامرة (الضفة المحتلة) وفقًا لجدول التخطيط والبناء، من دون أي تغيير، لا يوجد ولن يكون هناك أي تجميد للاستيطان». من جانبه، قال رئيس الوفد الإسرائيلي إلى العقبة، مستشار الأمن القومي، تساحي هنغبي، إنه «وخلافا للتقارير والتغريدات حول الاجتماع، ليس هناك تغيير في السياسة الإسرائيلية». وأضاف أنه «في الأشهر المقبلة، ستشرعن الدولة (الحكومة الإسرائيلية) تسع بؤر استيطانية (عشوائية) وستصادق على 9500 وحدة سكنية جديدة في الضفة المحتلة». وشدد على أنه «لا يوجد تجميد للبناء أو تغيير في الوضع الراهن في الحرم القدسي الشريف وليست هناك أي قيود على نشاط الجيش الإسرائيلي» في الضفة الغربية.
أكثر من ذلك فقد اعتبر محرر الشؤون الفلسطينية والإقليمية في صحيفة «هآرتس» العبرية دكتور تسفي بارئيل أن الهدف من اللقاء الأمني في الأردن كان منع نتنياهو من إشعال المنطقة. ويتابع بارئيل في فضح مواقف نتنياهو «ما لا يقل أهمية هو الاعتراف المبطن في اللقاء بأن المستوى السياسي الإسرائيلي ومَن يقف على رأسه جسم مشبوه، من غير الواضح بعد كيف سيتصرف تحت ضغوط من داخل الحكومة. ومن هنا، يمكن الاستنتاج أن اللقاء الذي جرى في العقبة، ومن المتوقع أن يجري مرة أُخرى في آذار/مارس في شرم الشيخ، يطمح إلى صناعة حزام أمان يضع قيوداً على قدرة الحكومة على إشعال الميدان والدفع بانتفاضة إقليمية».
ويقول أيضا إن مَن بادر إلى اللقاء لا يزال يأمل بأن تكون لـ«الشاباك» قدرة التأثير العالية نفسها في نتنياهو-على الأقل إزاء كل ما يخص الضفة. ويعتبر الردود الغاضبة التي صدرت عن وزير المالية باتسلئيل سموتريتش ووزير الأمن القومي إيتمار بن غفير وآخرين ضد مجرد عقد اللقاء والبيانات الصادرة عنهما بشأن عدم الدفع ببناء استيطاني جديد في الضفة، وكذلك إنكار نتنياهو، الذي علِم ومنح موافقته أيضاً على البيان الختامي، كلها تشير إلى أن مخاوف الذين اجتمعوا في العقبة لها أساس. ويرى أن السؤال المركزي الآن بعد التطورات «العنيفة» في الضفة والقدس، سيكون بشأن ما إذا كانت هناك حاجة للقاء آخر لهذه المجموعة، وهل سيكون لدى «حزام الأمان» هذا القدرة فعلاً على القيام بدوره ووقف الانفجار المقبل؟
في المقابل نددت الفصائل الفلسطينية بهذه القمة وقالت إن مشاركة السلطة الوطنية الفلسطينية فيها «تجاوز وطني خطير» في حين ذكرت وسائل إعلام إسرائيلية أن اجتماع العقبة سيناقش خطة أمريكية للقضاء على المقاومة في الضفة الغربية. وبينما كان الاجتماع منعقدا، قتل مسلح فلسطيني مستوطنيْن إسرائيليين بالرصاص في الضفة الغربية المحتلة وأقدم المستوطنون تحت أعين الجيش على إحراق قرية حوارة بطريقة وحشية استدعت استذكار مشاهد «ليلة البلور» النازية ضد اليهود عام 1938.
وفعلا وكما قال وزراء في حكومة الاحتلال فقد بقي في العقبة ما تم التوصل له فيها، فعلى الأرض تتواصل ديناميكية الصراع بين الاحتلال وبين من هم تحته: جرائم وعمليات رد فعل عليها من قبل ملاييين الفلسطينيين ممن يجدون أنفسهم أمام كذب وتسويف ونفاق دولي وتطبيع عربي مع أزمة ثقة مقابل السلطة الفلسطينية. تعبيرا عن حالة الاحتقان التي تنذر بانفجار كبير نجد في شعارات غرافيتي كتبها الشباب على جدران المخيّمات الفلسطينية وهي مقولة للشهيد غسان كنفاني: «احذروا الموت الطبيعي ولا تموتوا إلا بين زخات الرصاص».
ويواصل عدد كبير من المسؤولين والمعلقين الإسرائيليين التحذير من خطورة شهر آذار/مارس، لأن الإحصاءات التاريخية تظهر أنه شهر الصدامات الدموية مع الفلسطينيين، على الأقل منذ الانتفاضة الثانية عام 2000. كما يواصل معظم هؤلاء التحذير من حلول الشهر الفضيل، واضعين رمضان في قفص الاتهام، بعدما حولوه، ضمن روايتهم المزعومة، إلى رمز «الإرهاب» الفلسطيني. لكن الحقيقة أنه ليس رمضان ولا آذار أو شعبان، إنه الاحتلال والعدوان، فمنذ بدء العام قتل الاحتلال أكثر من 60 فلسطينيا مقابل مقتل 15 إسرائيليا.

نهاية الحلم الصهيوني

ويدرك عدد قليل من العقلاء في إسرائيل أن مثل هذه الحالة ستفضي لواقع ثنائي القومية يهدد المشروع الصهيوني بالموت وفيه تتوقف إسرائيل عن أن تكون يهودية وديمقراطية كما قال محذرا غادي ايزنكوت القائد السابق لجيش الاحتلال والنائب عن حزب «المعسكر الرسمي» برئاسة بيني غانتس. ايزنكوت الذي كان يتحدث ضمن المؤتمر السنوي لمعهد دراسات الأمن القومي التابع لجامعة تل أبيب يوم الأربعاء الماضي تابع في محاضرته محذرا «مقابل وجود أوساط صهيوينة متزايدة تدفع نحو الضم هناك في المقابل هناك نحو 40 في المئة من الفلسطينيين يؤيدون دولة واحدة. وفي إسرائيل أيضا ظهر حزبان صهيونيان جديدان هما «القوة اليهودية» و«الصهيونية الدينية» يدفعان بقوة نحو الدولة الواحدة ونحو واقع ثنائي القومية، مما يعني نهاية الحكم الصهيوني». واستذكر ايزنكوت أن قادة دولة الاحتلال اعتبروا أن الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967 «وديعة» السيطرة عليها مؤقتة ريثما يتم الانسحاب منها في إطار تسوية، منبها من «أن ما تقوم به إسرائيل في السنوات الأخيرة يدلل على أنها تحوّل المؤقت إلى دائم».

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية