الشاعرة العراقية لميعة عباس عمارة تتناوله من جوانب شتّى: الحبّ في زماننا

عبدالواحد لؤلؤة
حجم الخط
1

أصدرت وزارة الثقافة ببغداد مؤخراً «ديوان لميعة عباس عمارة» آخر شعراء وشاعرات عقد الخمسينات المزدهرة في بغداد العراق. تضم هذه المجموعة الشعرية أكثر من 600 صفحة تحمل أكثر من 260 قصيدة بالعربية الفصيحة إضافةً إلى 17 قصيدة بالعامية العراقية الجنوبية الجميلة. وهذه قد لا تكون سهلة المتناوَل أمام محبي الشعر في البلاد العربية غير العراق، بل حتى في بعض مناطق العراق إلى الشمال من بغداد العاصمة.
اللحن الرئيس في هذه القصائد جميعاً هو الحب، تتناوله الشاعرة من جوانب شتى وعلى مستويات شتى، أبرزها المستوى الشخصي. فهي تقول عن نفسها إنها شاعرة حب، وهذا اعترافٌ جميل، يقف في مواجهة ما عرفنا من شعراء عشاق، ينصب اهتمامهم على المعشوقة أو الحبيبة. ومما يقود إلى شيء من الغموض الشفيف وجود كلمة «حبيب» في العربية التي تفيد المحب والمحبوب في آنٍ معاً، إلى جانب التقليد التراثي في العربية من الإشارة إلى الحبيبة أو المعشوقة بصيغة المذكر تحسبا من معرفة هويتها مما قد
« يفضحها» أمام القبيلة.
وشاعرة الحب هذه في عَجَلة شديدة من أمرها، على ما يبدو. ففي عام 1948 وهي في السنة الثالثة من قسم اللغة العربية بدار المعلمين العالية، يوم عرفتها وبقيت على صداقتها والتراسل معها إلى حدود شهرين قبل رحيلها، من مغترَبها في سانت إييكو في كاليفورنيا، في تلك السنة وهي لما تبلغ العشرين من العمر، تكتب قصيدةَ بعنوان «أنا لست المنتظِرة»:

«بعض سنينٍ ثم يمضي الصبا/ ولم تمتع بالصبا نفسي/ ليتَ فؤادي لم يكن شاعراً/ وليتني جردت من حِسي. /أعيش؟ ما جدوى حياتي وقد/ ضاعت أماني وأحلامي/ أشدو؟ لمن أشدو وقد أخرَسَت/ زَمجرة الإعصار أنغامي/ أهكذا تمضي حياتي سدى/ أهكذا تدفن آمالي؟/ أهكذا يَقطع ما بَيننا/ هذا الستار القاتم البالي؟/ تأبى التقاليد بأن نلتقي/ فليسَ لي منكَ سوى الذكرى/ ساعِدك الثائر واحسرَتي/ سوف يضم امرأةً أخرى».

وتتكرر هذه القصيدة بعنوان «همَسات راهبة» على الصفحة 84 من الديوان وتضيف عليها مقطعاً في الأخير يقول:

«ستَرشف الخمرةَ من ثَغرها/ وتجمع الحسنَ بمرآها/ أما التي ذابت هوىً يائِساً/ في لَحنِكَ الباكي، فتَنساها».

ألا تمثل هذه القصيدة موقف المرأة عموما َفي العراق في أواسط الخمسينات من القرن الماضي، وموقفها من الرغبة في التحرر من «السِتار القاتم البالي» ومن «التقاليد»؟ أليست هذه ثورة المرأة على ما لم يعجب الشاعر الشعبي في عشرينات وثلاثينات القرن العشرين، ملا عبود الكرخي في قوله:

«لبْنية بتالبيت كَصت شَعِرها/عالمودة تمشي دْلوع عافت سِتِرها».

ولميعة تتغزل بجميع الرجال، لأنها تجد فيهم جميعاً مشروع حب، فإن لم تجد فتتغزل بنفسها. ما أبعدَ هذا عن الشاعر الجاهلي -الإسلامي الحطيئة، الهجاء الأشِر، الذي هجا الرائح والغادي، فإن لم يَجِد هجا نفسه! ولميعة تغزلت بنفسها حتى على لسان بروفيسور جاك بيرك، فجعلته يقول:

«مِن سومرٍ أنتِ/ ومن ملِكاتِ الوَركاء/ أسطوري هذا الوَجه/ وهاتان العينان/ ألقٌ يتوهج فيكِ/ وصوتكِ من عمقِ تراتيلِ الكهان…» ص130.

وهذه الشاعرة العاشقة «سلطوية» في عشقها. فهي تقول بكل ثقة:

«أنا كل النساء «ص135» وإذا الآدمي فيك تنزى/ وتمطى العناق بين جفونك/ فاحتضِن أيهنَ شئتَ تجدْني/- أنا كل النساء- طوعَ يمينك».

وثمة قصيدة في التغزل بالذات لا أحسب أن لها مثيلاً في الشعر العربي قديمه وحديثه، ولا في أي شعر قرأت عنه أو سمعت به. هذه قصيدةٌ أشبه بمرآةٍ تتطلع فيها الشاعرة فتجد نفسها «حلوَة» فتنظم قصيدةً بهذا العنوان:

«أدري أني حلوَة./ نطقَت عيناكَ بها ألفي مرةْ./ وأنا أدري/ ما لا تدري،/ أدري أن جمالي بحر/ يعليهِ المَد ويدنيه الجَزْر/ فإذا أحببت/ تَرَقرَقَ في أعماقي در/ وتورد بالمرجانِ الثغر/ إيماءة كفي خَمر/ وحديثي هَمسٌ شِعر/ وجفوني يثقِلها/ يَنعَس فيها السحر/ فلأني أحبَبتكَ أبدو حلوَة/ أنا لولا حبي قَفر/ صحراءٌ يسفيها العمر/ صبارٌ جافاه الطير./ وسأبقى ما دمت أحبك حلوَة/ فجمالي قيثارٌ أغفى/ ويَداكَ تجيدان العَزفا/ أدري/ أدري لمَ أبدو حلوَة/ كذَبَت مرآتي/ صَدقَتْ عيناكَ/ أنا حلوَة/ وسأبقى ما دمت أحِبكَ/ حلوَة».
وقصائد الحب – الغزَلية هذه لا تبتعد كثيراً عن المألوف في قصائد الحب والغزل من التشوق للمحبوب/ المحبوبة، ولكن صيغة العبارة تكاد تنفَرد بها هذه الشاعرة في صراحتها وكأنها تقول لنا: «لا يَعرِف الحبَ إلا من يكابِده/ ولا الصبابةَ إلا من يعانيها». فالحب عندها «لحظاتٌ وَردية» تتمنى لو يمكن أن تدخَر «كالصورة والصوت بأشرطة التسجيل/ لو تحفظها الأحداق/ ولا تَسقط في الذاكرةِ الخرساءِ/ كأجداث الموتى في مقبرةٍ تاريخية». وذلك لأن الشاعرة العاشقة تريد أن تلم أشتات الصورة والصوت، حتى حين يثور الحبيب ويقسو.
أي حب هذا الذي تتحدث عنه الشاعرة العاشقة؟ فالثقة المفرطة بالنفس والموقف السلطوي هو اللحن الرئيس المستمر في قصائد الحب هذه، فإذا خف قليلاً نجد السلطوية تنزل، قليلاً، إلى موقف الآمر-الناهي: «لا تقل للأبدْ/ حِبني اليوم أو/ حِبني فجرَ غدْ/ حبني دون حَدْ».
والطريف أن النبرة السلطوية تتنازل قليلاً ليغدو خطاب الشاعرة العاشقة بصيغة الجمع. ففي قصيدة «لا تبَدل» تخاطب الشاعرة حبيبَها بصيغة الأمر:
«مثلما أنتَ لو تظل/مشتهىً عز ما اكتمل/قد حَببناكَ، حسبنا/أن غَفَونا على أمَل… مثلما أنتَ مثقلاً/ بالخطايا وبالعِلَل/قد حَببناكَ فاحتَرِس/لا تبَدل فتبتَدَل».

ومفهوم الحب عند الشاعرة يبعث الحيرة لدى القارئ المدقق. ففي قصيدة مثل «الباب الضيق» نتساءل: هل هذا من الحب المتَسامي أم أنه احتفاءٌ بالجَسَد؟ فًالشاعرة ما تزال مترفعة:

«لن يَمسخني شوقي/ لن تحملني للصَلب جروح». لكنه قال: «أجَن بجسمِكِ/ أحتاج إليكِ، أضمكِ،/أفنى فيكِ أفت الليل بصدركِ/ قلت أحِبكَ أكثر…ويأتنا جوابٌ صاعق:- يا حبي المطلَقَ لن آتي/ لن أذبَحَ حبي/في لحظة شوقٍ تغتال سنين/لن أقتلَ ذاتي/عانِق شَبَحي/في وَحشَةِ ليلِكَ/واغفِر مأساتي».

وما تزال الأسئلة الحيرى تتوالى: هل هذا كلام عاشقة-في سبيل زواج-متزوجة-تغازل حبيبها-زوجها؟ ويأتينا الجواب في قصيدة بعنوان «إلى امرأة»ص242: «سيدتي، مني أنا اطمَئِني/فزوجكِ المَصون في أمانْ/لي رَجلٌ أحِبه/ولا أحِب غيرَه/ولا أحِل معه/ولا أحِب بعده/إنسان».

ثانيةً وثالثةً ورابعة: أي نوعٍ من الحب هذا؟؟؟
ونبحث عن جواب، فلا نجد إلا شبيه جواب في قصيدة بعنوان «يسمونه الحب»ص255 وهو عنوان مجموعة جديدة من الشِعر.

«تظل ببالي /كلحنٍ يساير عمري / وعَبرك تنساب أحداث يومي/ أحب/وأفهم/ أو نصفَ فَهمِ / يسَمونه الحب ظناً//ولست أسميه،/ليست له صفةٌ فأسمي».

وتبقى الشاعرة حيرى، ربما أكثر من القارئ، ضائعة بين «عشر نساء»:

«عشر نساءٍ في جلدي يا ضيعَتَهن/ كل عشيقات الشعراءِ شظايا منهن/ من منهن أنا لا أعرِفني؟ / أعرفهن/ عشر نساءٍ في جلدي/ يظهرنَ تِباعا./ مات/ ولم يخلق/ من يجمعهن».

و»شاعرة الحب « هذه هي «المرأة القتول» في الشعر الفرنسي، ولكنها ليست «أخت الربابِ» في شعرنا العربي التراثي. فأي وصفٍ من أوصاف الحب عند هذه الشاعرة اللاتوصف لنا أن نستحلي؟ فهي تقول إنها شاعرة حب، ولكنها تضيف:

«من غرفتي/ أحكي عن الحب أنا/ وعن هوى لم ألمَسِ،/كفيلسوفٍ/ يصف الخمرَ التي/ لم يَحتَسِ».

«بعد هذه المعرفة أيانَ الغفران!» نردد مع إليوت.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية