لعبة التجاذبات الإقليمية والدولية في العراق

حجم الخط
0

دخل العراق في إطار التجاذبات الدولية منذ إعلان الولايات المتحدة الامريكية نيتها شن الحرب على العراق، ومن ثم توسعت دائرة التجاذبات لتنتقل إلى الساحة الإقليمية، ببروز تجاذبات بين قوى اقليمية تأتي في مقدمتها كل من تركيا وإيران والمملكة العربية السعودية.
إذ أن التجاذبات في الساحة العراقية تحركها المصالح القومية لمختلف القوى الإقليمية والدولية، ونطاق تلك الحركة ينمو ويتسع بشكل خطوط تمتد مع امتداد حدود الوجود والثقل لكل طرف من أطراف اللعبة في الساحة العراقية. من هنا يمكن أن نوضح ملامح التجاذبات الإقليمية والدولية في العراق وعلى النحو الآتي:

أولاً: العراق والتجاذبات الدولية

إن اسلوب التعاطي الأمريكي في الساحة الدولية بصورة عامة، وفي الساحة العراقية بصورة خاصة، قاد إلى حالة معارضة واضحة من قبل بعض الدول التي باتت تسمى بالدول الصاعدة، مما دفع إلى بروز تحليلات استراتيجية تشــــير إلى احتمالية حدوث تغيير في التوازن الاستراتيجي الدولي، وهذا الأمر اعترف به زبيغنيو بريجنسكي في كتابه «رؤية استراتيجية: أمريكا وأزمة السلطة العالمية:» عندما قــــال: «إن منافسي أمريكا المحتملين يحرزون خطوات تقـــدم متلاحقة مطبوعة بالتصميم والعزم للإمساك بزمام حداثة القرن الواحد والعشـــرين، ولن يمـــر وقت طويل حتى يتمكن بعض هؤلاء المنافســين من تشكيل تهديد حقيقي لمثل امريكا الداخلية ومصالحها الخارجية».
إذن التغيير في التوازنات الدولية ليس بالأمر المستبعد، وقد بدأت ملامح ذلك تتضح، عندما تخلى الحلفاء الاوروبيون (المانيا وفرنسا) عن دعم أو مساندة الولايات المتحدة في حربها ضد العراق عام (2003)، ومن ثم أعقبتها الأزمة الجورجية، وما حدث من تحد روسي عام 2008، على أثر تلك الازمة، ومن ثم برزت المواقف المتناقضة بين روسيا والولايات المتحدة، في ما يتعلق بالملف السوري… والأمثلة على وجود الرغبة من قبل القوى الكبرى لتغيير خريطة التوازنات العالمية كثيرة لا يسع المجال لذكرها. أصبح من المتعارف عليه في أوساط المتخصصين والمحللين الاستراتيجيين أن المتحكم بالعلاقات الدولية في عالمنا المعاصر هو البيئة الدولية التي يصنعها الكبار (الدول الكبرى) دون الصغار (الدول الصغرى) أو محدودة التأثير والتفاعل مع البيئتين الاقليمية والدولية. وبقدر تعلق الامر في العراق – بوصفه من دول الصغار- فإن التخبط في الأداء العام للحكومات المتعاقبة في العراق يعد العامل الأبرز في إيجاد ثغرات خطيرة فسحت المجال للتدخلات الخارجية الدولية. فقد حاولت روسيا الاتحادية في إطار استراتيجيتها الجديدة التدخل في العراق، انطلاقاً من اعتبارات متعددة، يأتي في مقدمتها توافر المشجعات المادية التي يمتلكها العراق، كالنفط ورأس المال والموقع الاستراتيجي، لذلك يلاحظ أنه مع بدء الحملة العسكرية الأمريكية على العراق أكدت روسيا رفضها القاطع لاستخدام القوة ضد العراق، وهو ما ادخل العراق ضمن اللعبة السياسية الدولية (لعبة الكبار). فعمدت روسيا بعد ذلك إلى استمالة القيادات السياسية العراقية الجديدة (حكومة المالكي) عن طريق عقد عدد من الاتفاقيات الخاصة بالتسلح والتجارة الثنائية. في محاولة روسية لسحب البساط من تحت أقدام الولايات المتحدة الامريكية في الساحة العراقية.
بيد أن ما جرى في مدينة الموصل من أحداث في يونيو/حزيران عام (2014) وما أعقب ذلك من تشكيل تحالف دولي لمقاتلة تنظيم «الدولة الاسلامية في العراق والشام» أو ما يعرف إعلامياً بـ»داعش»، هذه التطورات لم تشجع روسيا للانضمام إلى هذا التحالف، وأكدت بأنها لن تقبل تشكيل أي تحالف دولي أو تدخل عسكري في العراق وسورية إلا تحت إطار أممي.
على الطرف الآخر بادرت كل من الولايات المتحدة الأمريكية وفرنسا إلى تزعم هذا التحالف، وأخذتا في اقتسام الادوار ضمن اهداف معلنة، هي مواجهة ما يعرف بـ»داعش»، لكن هنالك عددا من الاهداف المبطنة والمخفية التي ترتبط بالاستراتيجية الامريكية في ايجاد معادلة عالمية جديدة تهدف إلى حسم التجاذبات الاستراتيجية في تلك المنطقة، وفي العراق على وجه التحديد، إذ أن إثارة الفوضى تقع ضمن الاهداف غير المعلنة للولايات المتحدة، من أجل أن تتأكد الحاجة إلى استنفار دولي كبير، ولكن حتى يأخذ هذا الاستنفار طابعا قانونيا واخلاقيا تبريريا، كان من الضروري ان يشهد العالم اهتزازا حضاريا على وقع ضربة (ارهابية) تعيد من جديد الذاكرة التاريخية لأحداث الحادي عشر من سبتمبر/أيلول 2001.

ثانياً: العراق والتجاذبات الإقليمية

هنالك تجاذبات بين عدد من القوى الإقليمية باتت تبرز بشكل واضح في الساحة العراقية، ، منها التجاذبات التركية، إذ بدأت تركيا بالسعي إلى تنفيذ وتطبيق أهداف استراتيجيتها من خلال البدء بمناطق الجوار الاقليمي، وبالتأكيد يأتي في مقدمتها العراق، الذي أصبح ساحة مهمة للمناورة التركية في المنطقة، إذ أخذت تركيا على عاتقها الدخول الحذر إلى ارض العراق عن طريق احتضانها ودعمها لبعض التيارات السياسية (السنية)، فضلاً عن توسيع مديات تقاربها من التيارات السياسية (الكردية).
وبهذا فتحت تركيا مجالا لها للتوغل داخل الساحة السياسية العراقية. بيد أن تركيا لا تفارق مدار هدفها الاستراتيجي المتمثل في الحيلولة دون انضمام كركوك لإقليم كردستان، إذ تُعَد تركيا من اكثر الدول الاقليمية اهتماماً بقضية كركوك، بوصف ان فيها القومية التركمانية التي تربطها روابط تأريخية بتركيا، والتي تعود لقرون خلت، وهي روابط ترى تركيا اهمية الحفاظ عليها وعدم المساس بالوضع الديمغرافي للتركمان لمصلحة أي قومية اخرى، فضلاً عن الاهمية الاستراتيجية لكركوك التي تحوي نسبة كبيرة من النفط العراقي، مما يزيد من اهتمام تركيا بهذه المنطقة ومحاولة الهيمنة لاسترجاعها من خلال الرجوع إلى ما كانت تتمتع به قبل تأسيس الدولة العراقية.
يبقى العراق بالنسبة لتركيا منطقة للنفوذ وعمقًا استراتيجيًا مهماً، على هذا الاساس رسمت تركيا لنفسها خط السير في أرض العراق، عن طريق البحث عن تشكيل الملامح النهائية للخريطة الجديدة التي بدأت بعض ملامحها تتوضح، لاسيما بعد ما جرى من أحداث الموصل في يونيو 2014. إذ بدأت التحليلات السياسية تراهن على أن مناطق النفوذ التركية تمتد من كردستان العراق إلى مشارف سامراء، أي أن دائرة النفوذ التركية في العراق تشمل (أكراد العراق وتركمان العراق والعرب السنة).

التجاذبات الإيرانية

أخذت استراتيجية إيران في العراق بُعدًا جديدًا مع التطورات التي شهدها بعد عام (2003)، وهي التطورات التي قادت إلى تحولات جوهرية في بنية السلطة والهوية، وأوجدت تغييرًا في الجغرافيا السياسية، ومسارات ونهج اللاعبين السياسيين في منطقة الشرق الأوسط. بيد أن الاستراتيجية الإيرانية في العراق لا تأتي محكومة بالتطورات الداخلية، والصراعات بين مختلف القوى السياسية العراقية فقط، بل تأتي مصوغة أيضًا تبعًا لنفوذ وحضور القوى الدولية واللاعبين الإقليميين، وفي مقدمتها تركيا والمملكة العربية السعودية كأبرز القوى الاقليمية الفاعلة في العراق، في حين تبقى الولايات المتحدة الامريكية ابرز اللاعبين الدوليين في عراق ما بعد عام (2003). فقد أصبح حضور التيارات السياسية (الشيعة) على رأس هرم السلطة أولوية لإيران، وهي الأولوية التي جعلت الاستراتيجية الأساسية لإيران في التأثير على الأحداث في العراق منذ الغزو الأمريكي، تقوم على دعم حلفائها في المؤسسة السياسية العراقية. ولتحقيق ذلك، أيدت إيران العملية السياسية في العراق، ودعمت طموح حلفائها السياسيين بصورة معلنة. إلا أن التطورات الأخيرة في العراق بعد دخول ما يعرف بـ «داعش» إلى مدينة الموصل، أدت إلى دفـــع إيران إلى أن بكون لها حضور مؤثر في دعم وإسناد الحكومة العراقية في حربها ضد «داعش».
من هنا رسمت إيران لنفسها خريطة السير في أرض العراق، إذ تــــوضحت ملامح النفوذ والوجود الايراني من الحدود الادارية لمحافظة البصرة إلى قضاء سامراء في محافظة صلاح الدين، أي ان ايران رسمت خطوط خريطة تحركاتها في العراق على أساس التمركز الجغرافي (للشيعة) في العراق.

التجاذبات السعودية

عقب التطورات الأخيرة في الموصل واجهت السعودية اتهامات من قبل بعض المسؤولين العراقيين بأنها، تدعم المجموعات الإرهابية، وردّت السعودية بعرض التبرع للعراق، وبدت حريصة على أن لا تظهر بأنها تقف في صف المجموعات (السنية) المتهمة بـ(الإرهاب).
على الرغم من تأكيد المملكة العربية السعودية على أنها لا تتدخل في تجاذبات الساحة السياسية العراقية، الا أن هنالك بعض المؤشرات التي تؤكد أن السعودية ليست بعيدة عن مد يد العون لبعض التيارات السياسية (السنية)، ومن هنا فإن النفوذ السعودي في داخل العراق ليس واضــــح الملامح والتشكيل، كما هــــو الحال بالنسبة لكل من نفوذ تركيا وإيران، وذلك لا يعني أن السعودية ليست ذات ثقل وتأثــــير في ما يجــــري في العراق، بل على العكس، أنها لاعب وفاعــــل إقليمي مؤثر في التجاذبات الاقليمــــية في الساحة العراقية، بيد أن ذلك اللاعب لا يرتقي إلى مصاف مرتبة كل من تركيا وإيران من حيث حجم التأثير والحضور في العراق.

٭ كاتب عراقي

د. عمار مرعي الحسن

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية