«ديسمورفيا» الرقمنة

ثورة الرقمنة التي اجتاحت الألفية الثالثة وفجّرت معها عالما جديدا من التكنولوجيا الرقمية، ليست بنعمة غير مشروطة؛ فآثارها المناوئة تفوق السلبيات التي لازمت الثورة الصناعية في نهاية القرن الثامن عشر. وبالمقارنة، يلاحظ أن الثورة الصناعية، خاصة على المدى البعيد، نقلت دول العالم إلى عصور من ازدهار وتقدم غير مسبوقين، في حين أن تغلغل الرقمنة في حياة البشر ـ وبالأخص تسربها إلى وجدان جميع الفئات العمرية، من خلال وسائل التواصل الاجتماعي ـ فرضت سلوكيات وعادات لم تكن لتخطر في الحسبان، وأفضت إلى إصابة المستخدمين بالعديد من الأمراض النفسية والعصبية، وعلى رأسها «الديسمورفيا».
و«الديسمورفيا» هي مرض نفسي، احتدمت واستشرت آثاره عالميا، لدرجة لا يمكن السيطرة عليها. و«الديسمورفيا» كمصطلح تعني «اضطراب تشوه الجسد»Body Dysmorphic Disorder (BDD) وهو اضطراب عقلي يضرب الصحة النفسية للمريض، فيصيبه بهوس عدم الرضا عن المظهر، والقلق إزاء عيوب في الجسد والمظهر العام، التي غالبا لا يلحظها أحد سواه. وهذا القلق، الذي قد يبدو للوهلة الأولى لا قيمة له، قد لا يعكّر فقط صفو مزاج الفرد، بل قد توصله لنوبات من القلق والضيق التي قد تفضي إلى الاكتئاب.
وفي الماضي، اعتادت المجتمعات السخرية من النساء اللائي غالبا ما يصبن بأعراض «الديسمورفيا» بسبب البحث عن الجمال والشباب الدائمين، إلى أن عملت حاليا وسائل التواصل الاجتماعي على نقل هذا المرض للمراهقين، فقد أنجز مصور الأزياء الإنكليزي رانكين مشروعا بحثيا الغرض منه إلقاء الضوء على جاهزية المراهقين على مجابهة وسائل الاجتماعي. وفي غمار هذا المشروع، تم اختيار خمسة عشر مراهقا راضين عن مظهرهم الشخصي، ثم سألوهم أن يقدموا صورا شخصية راضين عنها. وفي ما بعد طلب القائم على التجربة من كل منهم أن يقوم بتعديل صورته من أجل أن تكون جاهزة للنشر على وسائل التواصل الاجتماعي.
وعلى الرغم من أن الغالبية العظمى منهم راضون عن صورتهم الأصلية، دون تعديل حتى ولو بلمسات طفيفة، أخذ غالبيتهم في تعديل صورهم لدرجة طمست الصورة الأصلية؛ فهناك من غير شكل الأنف أو الشفاه، أو تغيير لون الجلد، أو حتى حوَّلوا أنفسهم إلى شخصيات كرتونية. أضف إلى ذلك، لم تسلم الصور من استخدام الفلترات بغرض الوصول لأفضل نتيجة؛ علما أن هذا النوع من المظهر من المستحيل الوصول له على أرض الواقع، لكنه يعبر عن المعايير التي على أساسها تُحَدَد مقاييس الجمال التي يجب بلوغها.
ويطلق الخبراء على ذاك النوع من الهوس «تأثير عائلة كاردشيان» The Kardashian Effect – بالإشارة إلى عائلة كيم كارداشيان – الشخصية الإعلامية الأمريكية الشهيرة وسيدة الأعمال الناجحة، التي صارت أيقونة للجمال والكمال والثراء والشهرة، بعد الخضوع لعمليات تجميل متوالية ومستمرة، وكذلك حقن أجسادهم ووجوههم بالبوتوكس والحشوات لتحقيق الكمال والشهرة. وعلى هذا، اختزنت عقول الأطفال والشباب والمراهقين ـ ناهيك عن البالغين ـ صورة ذهنية عن «المشاهير الذين وصلوا حد الكمال» وجميعهم يتمتعون بشفاه مكتنزة وبشرة محقونة بمادة البوتوكس ومؤخرات ونهود تم تضخيمها لحد ملحوظ، ويزين كل هذا خصر منحوت. وبسبب الضغط الهائل الذي تحدثه تلك الصورة الذهنية في عقول الشباب، لم يعد البحث عن الكمال مرهونا فقط بصور تم تعديلها ببرنامج الفوتوشوب، كما كان الوضع في نهاية تسعينيات القرن الماضي وبداية الألفية الثالثة، بل تحول إلى رغبة جامحة لتحقيق ذلك على أرض الواقع، ولذلك يشهد العالم تزايدا غير مسبوق في جراحات التجميل، خاصة بين المراهقين – ومن هم في أوائل العشرينيات من العمر – التي تزداد يوما تلو الآخر، بل لم يعد الأمر قاصرا على فئة الإناث فقط، فقد أصيب الذكور بمثل ذاك الهوس وبشدة.

وديسمورفيا الجسد التي تسببت فيها وسائل التواصل الاجتماعي بدأت تضغط على عقول الشباب حتى أحدثت بالفعل تشوهات، فقد استشرت المحتويات التي تعطي نصائح نفسية وسلوكية، والتي تدعي أن لها القدرة على تحويل حياة الفشل إلى سلاسل متواصلة من النجاح.

والاهتمام بالمظهر الخارجي صار سلعة يروّج لها العالم الرقمي في جميع المناحي، ويبدأ ذلك من مرحلة اللعب؛ فجميع ألعاب الفيديو تصوّر الأبطال الخارقين والأذكياء من الجنسين يتمتعون بقوام رائع ووجه متناسق، ومعهما تأتي القوة الجسدية، أما وسائل التواصل الاجتماعي، فهي تعد الكارثة الكبرى التي تروّج للديسمورفيا بكل الأشكال؛ سواء من خلال نشر صور لأشخاص صاروا يتمتعون بأجساد رائعة، أو من خلال الإعلان عن برامج تغذية وتمرينات رياضية للوصول إلى ما أُطلق عليه مؤخرا «القوام الذي تحلم به». وحتى يصل الجنسين لهذا الحلم بأقصر السبل، ودون عناء ـ كما تردد تلك الوسائل ـ توجد بكثافة إعلانات عن عيادات ومراكز تجميل وجراحات يبالغون في سهولتها ونتائجها المضمونة، دون ذكر المخاطر، التي بسببها فقد الكثيرين حياتهم أثناء إجراء العمليات أو بعدها، بل أصيب العديد بسرطانات مختلفة بسبب حقن الجسد بمواد كيميائية غريبة.
وديسمورفيا الجسد التي تسببت فيها وسائل التواصل الاجتماعي بدأت تضغط على عقول الشباب حتى أحدثت بالفعل تشوهات، فقد استشرت المحتويات التي تعطي نصائح نفسية وسلوكية، والتي تدعي أن لها القدرة على تحويل حياة الفشل إلى سلاسل متواصلة من النجاح. وللأسف، أغلب من يعطي تلك النصائح هم أفراد لم يجابهوا الحياة العملية، إلا من خلف شاشات رقمية وخبرتهم بالحياة محدودة، ويبيعون الوهم الذي فشلوا في تطبيقه في الحياة العملية. فالمحتوى المُرَوَّج له مجرد كلمات طنانة مستخلصة من مراجع تعبر عن تجارب مجتمعات ظروفها تختلف تماما عن الواقع الذي يخاطبونه، فمثل ذاك المحتوى يسبب شعورا لحظيا بالكمال تردفه حالات متواصلة من الاكتئاب.
وديسمورفيا العقل هي أيضا من تُزَيّن للأفراد صنع محتوى مقزز ينتهك حدود اللياقة من أجل الشهرة أو الحصول على العائد المادي بعد البث، أو أيضا تغوي كل فرد بمراقبة الآخرين والإسراع في تصوير كل الوقائع، دون مشاركة إيجابية. فعلى سبيل المثال، يفضل البشر من أجل الحصول على أكبر قدر من المشاهدات والإعجاب، تصوير الحرائق المستعرة أو جرائم القتل والاختطاف، بدلا من استدعاء رجال المطافئ أو الشرطة للتعامل مع الأمر بصورة أكثر احترافية. وذروة ديسمورفيا العقول هي استخدام برامج تعديل الصور أو برامج التزوير العميق، التي بسببها تم إلصاق كثير من الجرائم الجنائية وجرائم الشرف، بأبرياء انتحر بعضهم أو سيقوا للسجن أو العقاب ظلما بسببها.
الرقمنة وما أحدثته من ثورة تكنولوجية ليست بالشيطان الأعظم؛ فالخطورة تكمن في ترويج صور ذهنية ومفاهيم أدت إلى تشوه جسدي ونفسي وسلوكي بين جميع أطياف المجتمع؛ وإن ازدادت وتيرته في عالم الشباب الذين هم مستقبل البشرية القادم؛ فأنى لأجيال مشوهة أن تضلع بمهام مستقبل سلبياته حولته إلى درب وعر.

كاتبة مصرية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية