‘أمن دولت’: الضحك المباح على مساخر الأغبياء وأبطال الصدفة!

حجم الخط
0

فيلم يرفع الحصانة عن الرجل المهمالقاهرة ‘القدس العربي’ من كمال القاضي: اللجوء السهل إلى الكوميديا كان نوع من حل الأزمة في السينما المصرية إبان قيام الثورة وتوقف عجلة الانتاج بشكل فعلي وامتناع الجمهور عن الذهاب لدور العرض خوفاً من المفاجآت التي تأتي عادة مصاحبة للاضطرابات الأمنية وتؤدي إلى كوارث، لهذه الأسباب تفتق ذهن المنتجين عن بعض الحيل لاستقطاب النوعية الحيادية ممن ليس لديهم هموم سياسية حقيقية كي يظل هناك دوران نسبي للحركة السينمائية، وأمام قسوة الظرف الراهن كان لابد من محاكاة الواقع والاقتراب بالكوميديا من الجو العام السائد، وعليه جاء فيلم ‘أمن دولت’ كرد فعل للسخرية من الجهاز المنحل.

وبرغم التناول الخفيف جداً والهزلي للقضية إلا أن السمة الغالبة على الأحداث كانت دالة على لغة التهكم والنيل من الضباط الذين اشتهروا بالقسوة والقوة، بينما هم يعانون من ضعف داخلي مذري يشكل مفارقة غريبة، فالنموذج الذي تم تقديمه على الشاشة وجده المطرب الشاب حمادة هلال لم يكن تصويراً عفو الخاطر من السيناريست ولكن مثل كتابة مقصودة مع سبق الإصرار والترصد أراد بها الكاتب نادي صلاح إبداء رأياً واضحاً يبرز مواطن الضعف في شخصية ضابط التحق بكلية الشرطة عن غير رغبته تلبية لأوامر والده عضو مجلس الشعب ‘أحمد حلاوة’ وهو غير مؤهل للوظيفة لا من الناحية الشكلية أو الموضوعية، وإنما فقط ظل حبيساً لرغبة الأب الجاهل الذي يرى في الانتساب لجهاز الشرطة عضضاً وقوة.

ولإن الشخصية لم تؤهل في نشأتها للعب الدور القيادي حسب الرؤية الدرامية فقد اعتمد المخرج أكرم فريد على اصطياد والمفارقات فجعل الصدفة وحدها تقود الرائد حسام الفرشوطي ‘حمادة هلال’ إلى جهاز أمن الدولة باعتباره الضابط الأذكى وصاحب الخبرة على عكس الحقيقة تماماً لكونه جبان ورعديد ويتسم بالسذاجة والرعونة في أغلب تصرفاته، وليس هو فحسب من تنطبق عليه هذه المواصفات بل رئيسه أيضاً اللواء عفيفي ‘سامي مغاوري’ يتفوق في كل ما ذكرناه، أي أن الخلل العام للأداء مبني بالأساس على التدرج القيادي الخائب المجافي للمعيار المهني والفكري والذهني، ولعل من دواعي ازدياد جرعة السخرية أن مثل هؤلاء الضباط يتم اختيارهم لمهام سرية خطيرة قالت أسندت للرائد حسام الذي كلف بحراسة دولت هانم السفيرة بالأمم المتحدة والمحافظة على أبنائها وبيتها في مصر بالتنسيق مع بقية أفراد الجهاز بالخارج، ولأن الرائد منضبط وكتوم ومولع بالعمل السري فقد علم القاصي والداني بأمر مهمته حتى الأطفال لدرجة أن وجوده في بيت دولت هانم أصبح حكاية يتندر بها السكان من الجيران والأصدقاء وأهل الحي الراقي جميعهم.

بهذا المستوى من الاستخفاف ثم التعامل درامياً وفنياً مع شخصية ضابط أمن الدولة، الأمر الذي كان محالاً قبل قيام الثورة، إذ كانت الرقابة تفرض شروطاً ضرورية من أجل أن تظهر صورة الضابط بالشكل المثالي كي تكتسب مزيدا من الهيبة والوقار ليترسخ في الأذهان مفهوماً اسطوريا خياليا عن رجل الأمن القوي الذي لا يشق له غبار في الضبط والربط وشدة الحزم، هذا المعنى الخيالي سقط تماماً في فيلم ‘أمن دولت’ كأنه إعادة صياغة أو تصحيح للصورة التقليدية القديمة فالضابط كأي شخص يمكن أن ترفع عنه الحصانة وتخضع للنقد المباح وغير المباح ولا مانع من أن يصل الأمر الى تحويله لكاريكاتير!

وبالفعل حدث ذلك ففقدت الشخصية الكثير من هيبتها في السياقات الكوميدية المضحكة والركاكة المفسدة لأي عمل فني لا يكون كاتبه ومخرجه وأبطاله على قدر المسئولية الإبداعية فليس قانوناً لكي تقول رأياً جريئاً فيما تعتقد انك على صواب فيه أن تتخلى عن أدواتك الفنية فتصبح كالأراجوز مجرد شخص يحرك أصابع يديه ورجليه ليضحك الآخرين وفقط، للأسف هذا ما وقع فيه السيناريست وتحمل تبعاته المخرج والأبطال الرئيسيين والثانويين، هلال ومغاوري وحلاوة وشيرين عادل، وإن كانت الأخيرة على وجه التحديد اتسم دورها وأدائها بالاتزان فهي الإخصائية النفسية بإحدى المدارس التي تقع في حب رائد الشرطة قليلة الحيلة فتكتشف شخصيته الحقيقية وتدرك أنه أبعد ما يكون عن وظيفته فيرق قلبها له تعاطفاً ثم سرعان ما يتحول العطف إلى حب فيتزوجا في نهاية الفيلم كطبيعة كل النهايات السعيدة في السينما البدائية.

كذلك الأطفال المشاركون بأدوار مهمة كانوا متكلفين في الأداء والحركة لدرجة باعدت بينهم وبين المتلقي وخلقت مسافة فلم يفلحوا في الوصول إليه ولم يتمكنوا من الحصول على النسبة الأقل من التأييد برغم الجهد المبذول في الاستخفاف والاستظراف ومحاولة اللعب على كل الحبال في سيرك الكوميديا الفاشل، وفي ظني أن هذا يرجع إلى كثرة الإملاءات من المخرج وعدم استطاعته توفير المساحة الطبيعية لهم للانطلاق في الأداء التلقائي فهو ربما يكون من أنصار مدرسة التلقين وإحكام القبضة على الممثل خاصة إذا كان مراهقاً أو طفلاً، وبالطبع هذه المدرسة لا يتسنى لنظارها تربية كوادر فنية واعدة فهم لا يؤمنون إلا بقدراتهم هم فقط، ومستوى النضج عند الممثل لا يصله إلا في سن الستين، أي ببلوغه سن المعاش واقترابه من نهاية المطاف.

الأطفال كانوا الطرف الأضعف والأكثر ظلماً في الكوميديا المفبركة لأمن دولت يليهم الجمهور الذي وقع في مصيدة المنتجين ودفع ثمن التذكرة صاغراً كأنه مسلوب الإرادة.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية