عمان ـ «القدس العربي»: «شراكة في مواجهة محاولات زعزعة الاستقرار في المنطقة».
تلك العبارة حصرا وردت في بيان أصدرته وزارة الدفاع الأمريكية «البنتاغون» عن اللقاء الذي جمع العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني بوزير الدفاع لويد أوستن في أول زيارة للأخير للمنطقة عموما وللأردن بصفة خاصة تخللها الكثير من الحديث في التفاهمات الإستراتيجية الدفاعية والعسكرية والقليل من الحديث عن الشؤون السياسية.
ما أبرزه بيان البنتاغون الأمريكي هو تركيز شديد على الجوانب المتعلقة بالشراكة الإستراتيجية العسكرية والدفاعية بين الولايات المتحدة والأردن، وإشادة الوزير أوستن بالمستوى الاحترافي الكبير الذي وصلت إليه القوات المسلحة الأردنية.
لكن البيان نفسه عكس اهتماما أقل بالجوانب السياسية مع تأكيد الملك الأردني على الوضع في الأراضي الفلسطينية المحتلة وضرورة العمل من أجل التهدئة وأغلب التقدير برأي المحللين السياسيين ان قراءة بيان البنتاغون عن لقاء عمان مع القيادة الأردنية يمكنه ان يدلل ضمنا على الأولويات خصوصا تلك المرتبطة أولا بالعلاقات مع الأردن وثانيا بإستراتيجيات دفاعية الطابع مرتبطة بالإقليم والمنطقة.
وهنا يرى سياسيون متعددون بان العلاقات العسكرية بين الأردن والولايات المتحدة اتجهت في السنوات الخمس الأخيرة إلى مناطق غير مسبوقة خصوصا وان الوزير أوستن تحدث عن شراكة بنيوية وعن ضمانة بلاده لأمن المملكة الأردنية الهاشمية، وأيضا عن ترحيبه بخطط الشراكة العسكرية في المجالات الجوية والبحرية والدفاعية والصاروخية وهي كلمات أو مفردات بالعرف العسكري تعني أو تؤشر على طبيعة التعاون في مجالات التدريب والعمل المشترك دفاعيا بين الأردن والبنتاغون.
ومن تلك العبارات يمكن الاستنتاج بان المقصود قد يكون تجهيز المنطقة أو ما يسمى بمناطق النفوذ الأمريكية في منطقة الشرق الأوسط لأي سيناريو تصعيدي محتمل مع الجمهورية الإيرانية الإسلامية إذا ما ذهبت الأمور أو البوصلة باتجاه الصدام العسكري، وفشلت المفاوضات الأخيرة بخصوص الملف النووي الإيراني، ومن المرجح ان البنتاغون عندما أعلن ان الوزير أوستن سيزور المناطق الحليفة والشريكة ينطوي الأمر هنا على مؤشر بان الأردن من الأسس الحليفة والشريكة ليس بدلالة توقف الوزير أوستن في عمان وعقد اجتماع ملكي الطابع معه بحضور مسؤولين أردنيين كبار فقط. ولكن أيضا بدلالة ما حصل من قفزات في العلاقات الدفاعية حصرا بعد توقيع سلسلة اتفاقيات مؤخرا من بينها تلك التي أثارت الجدل وترتبط بوجود قاعدتين عسكريتين أمريكيتين في الأراضي الأردنية وهي مسألة تؤدي إلى توفير ضمانات دفاعية مباشرة تحت عنوان تأمين الحماية للأمن الأردني والمقصود الأمن الإقليمي بطبيعة الحال.
وتكرس زيارة أوستن بهذا المعنى ذلك الطابع في الاتجاه الإستراتيجي وان كانت تؤذن بان التكتيك الأمريكي في هذه المرحلة على الأقل هو ذلك الذي يتم الإعلان عنه عبر العبارة التي تقول بان العمل العسكري لمواجهة قدرات إيران النووية سيكون الخيار الأخير. وبالتالي تشدد تقارير عميقة على ان زيارة أوستن لدول المنطقة بما في ذلك الأردن ومصر وحتى الكيان الإسرائيلي هي عملية تحضيرية وترتيبية ليس للعمل العسكري المباشر ضد إيران ولكن لأي تصعيد محتمل وفي الطريق ضد الإيرانيين خصوصا مع انفلات الكثير من الأمور وحاجة المنطقة إلى ضبط الإعدادات خلال شهر رمضان المبارك المقبل.
بكل حال وقفة وزير الدفاع الأمريكي في عمان على الأقل تؤشر على المضمون الدفاعي في العلاقات بين البلدين.
وفي الوقت الذي تتحدث فيه بيانات البنتاغون عن مثل هذا الاتجاه والمضمون يقدر سياسيون أردنيون كبار بان الانخراط في الخطط الدفاعية الأمريكية له كلفته السياسية بكل حال. لكن هؤلاء الذين يوجهون نقدا مباشرا لذلك الانخراط على حد تعبيرهم لا يقدمون تصورا بديلا في كيفية إدارة المملكة الأردنية الهاشمية لحزمة مصالحها الحيوية مع الشريك الأمريكي، فالمساعدات الأمريكية أساسية بالنسبة للاقتصاد الأردني وحماية سعر الدينار الأردني من البنك المركزي الفيدرالي الأمريكي من الأسس الاستراتيجية للعلاقة، وطبيعة العلاقات وقدمها من عناصر الاستقرار في المنطقة.
بكل حال يقف رئيس الوزراء الأسبق طاهر المصري عمليا على رأس المحذرين من ذلك الانخراط ويقترح عبر نقاش سابق مع «القدس العربي» بان الحديث عن شراكة إستراتيجية مع الولايات المتحدة أو غيرها من الدول الأساسية في العالم شيء والانخراط في التوجهات الأمريكية على المستوى الإقليمي شيء آخر، مضيفا بان ثمة محاذير وهوامش مناورة لابد من استثمارها أمام الأردن حتى لا يصبح الانخراط بالتوجهات الأمريكية عسكرية الطابع جزءا من مغامرة قد لا تقف عند حدود أي مكاسب أو قد تؤدي إلى مخاسر.
تلك مقاربة لا تبدو مكتملة، لكن السياسي المصري ليس الوحيد الذي يحذر من كلفة الانخراط خصوصا وان الانخراط في الخطط الأمريكية أو بما يسمى بالتصور الأمريكي في المنطقة يمكنه ان يدفع الأردن أكثر إلى مسارات التكيف مع خطط البنتاغون القائمة أصلا على وجود الشريك الإسرائيلي.
وهنا حتى برأي وزير البلاط الأسبق الدكتور مروان المعشر منزلق خطر تحت عنوان مخاطر التكيف غير المنتج، فيما دعوات إضافية طوال الوقت لتنويع العلاقات ولإجراء اتصالات مع دول أخرى مهمة في الإقليم مثل تركيا وإيران وحتى النظام السوري ولو من باب التنويع ومرونة التوازن. زيارة أوستن بالخلاصة هي محطة إضافية لتعزيز الشراكة بمعناها الدفاعي، لكن السؤال هو ما الذي يعنيه ذلك بوضوح عندما يتعلق الأمر بنهايات الوضع المتردي في الأراضي الفلسطينية المحتلة أو باحتمالات التفجير تحت عنوان الصدام العسكري مع إيران؟
هذا هو السؤال الذي تعلق به مجددا التوازنات ومصالح البوصلة الأردنية.