أحمد حسن الزعبي. الصورة من مواقع التواصل
لندن- “القدس العربي”:
“حرّ بكفالة الشعب الأردني”.
كانت تلك العبارة التي استخدمها المحامي والناشط الحقوقي والسياسي المعروف جمال جت على صفحته التواصلية، لكي يشرح باختصار ما حصل أمام قصر العدل الأردني صباح الأحد بخصوص مشروع تحقيق تأجّل مع الكاتب الصحافي الساخر والبارز والمعارض نسبيا، أحمد حسن الزعبي.
عمليا، شهدت ساحة قصر العدل ما لم تشهده في أحوال مماثلة، حيث تجمع أكثر من 120 ناشطا ورمزا سياسيا وإعلاميا معا في لحظة واحدة، وبينهم 87 محاميا على الأقل بعضهم من كبار المحامين.
دخل جميع هؤلاء مع بعضهم البعض برفقة الكاتب الزعبي للمثول أمام الادعاء العام في شكوى كانت مجهولة عمليا.
واضح تماما أن هذا المشهد أربك محاولة النيابة التحقيق مع الكاتب الساخر المعروف بجملته المناكفة، وبالتالي قرر الادعاء قانونيا إرجاء التحقيق ومنح الكاتب الزعبي قرارا مكتوبا بـ”كف الطلب”.
ويعني ذلك أن ملف التحقيق لم يفتح أصلا وأن النيابة قررت عدم توقيف المشتكى عليه هنا لا بل “ترك حرا”.
وهي كلمة قانونية بامتياز وبدون اشتراط كفالة كما جرت العادة عند مثول من يتهمون بمخالفة قانون الجرائم الإلكترونية باسم الحق العام.
شكلت واحدة من أضخم هيئات المحامين الجماعية والأكثر دهشة بسرعة وخلال ساعات فقط. وغالبية أعضاء الهيئة لم يكونوا على صلة مباشرة بالكاتب المتهم رسميا، فيما المسألة لا تتعلق بالترافع أمام القضاء، بل بالتواجد باعتبارهم ممثلين قانونيين أثناء مثول الكاتب الساخر بين يدي النيابة.
قد تكون تلك من المرات النادرة جدا التي يوقف أو يؤجل فيها التحقيق على مستوى الادعاء إزاء تظاهرة منضبطة جدا وقانونية الطابع، حيث محامون من كل الألوان والمشارب ومن مختلف المحافظات، قرروا التطوع معا للحضور مع الزعبي أثناء الاستماع لأقواله في عملية لم تنجز في الواقع؛ لأن السلطات على الأرجح ارتبكت إلى حد ما.
تمثيل هذا الحضور المنظم كان أفقيا، وبصرف النظر عن طبيعة التهمة التي كانت ستوجه لصاحب القلم المناكف، كان الأسلوب حضاريا ويلتزم بالأصول القانونية بصيغة تظاهرة تضامنية صامتة تماما، يرتدي معظم مَن يشارك فيها رداء العدالة والتمثيل القانوني.
بين المتضامنين بعيدا عن الهيئة القانونية سياسيون كبار في المعارضة، وإعلاميون معروفون، كما شوهد الأمين العام لجبهة العمل الإسلامي الشيخ مراد العضايلة، ومعه الأب الروحي لحزب الإنقاذ الشيخ سالم الفلاحات، وآخرون من يساريين ومستقلين، في الموقع.
بهذا المعنى أخفقت محاولة محمومة منذ ثلاثة أيام في محاولة “شيطنة” الكاتب الساخر صاحب الشعبية الكبيرة بالرغم من كل ما نشر إلكترونيا بعنوان الأضرار التي يتسبب بها. ونشر القيادي في الحركة الإسلامية رامي العياصرة قائلا: “متضامن بالتأكيد مع القامة الوطنية”.
موقف تضامني مهيب شهدته أروقة قصر العدل الأردني صباح الأحد، وبصورة مغرقة في الدقة والالتزام بالنظام.
والهدف كان التضامن مع صاحب الإطلالة المصورة الشهيرة التي تحمل عنوان “من.. سف بلدي” وهي مقولة شهيرة للكاتب أحمد حسن الزعبي، تستلهم طعام المنسف الشهير، لكن في إطار لاذع؛ لأن كلمة “سف” هنا بمعنى “سيطر” أو حتى “نهب”.
بكل حال، الزعبي كان قد نشر تغريدة يوم الجمعة، حدد فيها توقيت مثوله أمام الادعاء، مشيرا إلى تعميم بجلبه صدر دون تبليغه لا خطيا ولا شفويا، وبناء على شكوى على منشور قديم حركها ضده الحق العام.
واضح أن النية كانت مبيتة لتوقيف الكاتب.
أوضح الآن أن تظاهرة قصر العدل التضامنية أفشلت تلك النية، فقد تأجل التحقيق، لكن لم يلغَ بعد. والأهم أن مَن تضامنوا مع الزعبي رسالتهم على الأرجح للخطاب الرسمي وللمؤسسات وهي عابرة لقضية الكاتب نفسه فقط، وأقرب في التعبير الرمزي لمنهجية الرغبة في مناكفة الرسمي بكل الوسائل المتاحة.