رام الله- “القدس العربي”: طالبت دراسة علمية فلسطينية بضرورة فتح خط للتواصل ما بين وزارة الخارجية الفلسطينية واتحاد الألعاب الالكترونية الفلسطيني من أجل وضع خطة دبلوماسية رقمية في مواجهة التطبيع داخل غرف الألعاب الإلكترونية، ولمحاولة وقف الخلافات التي تحدث هناك بين اللاعبين العرب الذين ينتمون لدول مُطبّعة واللاعبين الفلسطينيين.
جاء ذلك في دراسة ماجستير للطالب والصحافي الفلسطيني ضياء حوشية بعنوان: “انعكاسات توجهات السياسات الخارجية للدول العربية على علاقات الجماهير العربية مع بعضها البعض في غرف الألعاب الإلكترونية: لعبة بابجي نموذجاً”.
وعملت الدراسة المقدمة لجامعة القدس أبو ديس على استطلاع آراء عينة مكونة من 30 مبحوثاً، حيث تمثل سؤالها الرئيسي في معرفة انعكاس التوجهات السياسات الخارجية للدول العربية إزاء القضايا السياسية على علاقات الجماهير العربية مع بعضها البعض في غرف الألعاب الالكترونية.
لاعب: أرفض أن أشارك لاعباً من دولة الاحتلال في اللعبة، ولو وجدته أثناء اللعب أقوم بقتله على الفور. لكن بعض الأكراد يضعون علم دولة الاحتلال الإسرائيلي لتحديد هويتهم، وهنا تقع مشادات.
وإلى جانب لعبة “البابجي” اتخذ الباحث قضية تطبيع بعض الدول العربية مع دولة الاحتلال كدراسة حالة، حيث حاول معرفة الكيفية التي أثرت فيها التغيرات السياسية الخارجية لبعض الدول العربية في ما يتعلق بقضية التطبيع على علاقات اللاعبين الفلسطينيين مع اللاعبين الذين ينتمون إلى الدول المطبعة في غرف الألعاب الإلكترونية، إلى جانب معرفة أثر عملية التطبيع على علاقات اللاعبين الفلسطينيين والعرب مع اللاعبين الذين ينتمون إلى دولة الاحتلال الإسرائيلي، وطبيعة تحالفات اللاعبين التي تحدث داخل غرف الألعاب الالكترونية.
وبحسب الباحث حوشية، فإن هناك نُدرة في الدراسات التي تتناول علاقة المجتمعات العربية في غرف الألعاب الرقمية التي تتلاشى فيها الحدود الملموسة، واعتبر أن الدراسة حاولت استكشاف ودراسة قضية لم يتم التطرق إليها مسبقاً، ما يشكل إضافة علمية جديدة إلى حقل الإعلام الرقمي بشكل خاص، والعلوم الاجتماعية بشكل عام.
ونفذت الدراسة التحليلية في الربع الأخير من العام 2022، وهي تنتمي إلى البحوث الاستكشافية. واعتمدت على المنهج الوصفي التحليلي، وعلى أداتي المقابلات المعمقة، والملاحظة الشخصية لجمع المعلومات.
وبينت نتائج المقابلات مع اللاعبين الفلسطينيين في غرف ألعاب البابجي أن هناك أثراً سلبياً على علاقات اللاعبين الفلسطينيين مع اللاعبين الذين ينتمون إلى الدول المطبعة، حتى وصل الأمر بأن يختار اللاعب زميله وفقاً للجنسية، كما صرح مبحوثون بمشاعر سلبية اتجاه الفلسطينيين من قبل لاعبين ينتمون إلى دول طبعت علاقاتها مع دولة الاحتلال انعكست من خلال مشاحنات وعمليات قتل للاعبين ينتمون لدول عربية طبعت حديثاً.
لاعب: ما يحدث على أرض الواقع من تجاذبات سياسية ينسحب أيضاً على الألعاب في الفضاء الافتراضي.
وأكدت الدراسة أن هناك تأثيراً للسياسة الخارجية العربية لأي دولة على طبيعة اللاعبين في غرف الألعاب الإلكترونية، وهذا الأمر ليس مرتبطاً فقط بالقضية الفلسطينية، وإنما ينسحب أيضاً على علاقات الدول العربية مع بعضها البعض بشكل عام، كما هو الحال بين سوريا والأردن والسعودية واليمن والعراق والإمارات.
وبينت نتائج المقابلات المعمقة مع المبحوثين أن اللاعبين الفلسطينيين يرفضون اللعب مع لاعبين من دولة الاحتلال الإسرائيلي بالمطلق، وذلك بسبب طبيعة الصراع على أرض الواقع. فعلى سبيل المثال، علق أحد المبحوثين بالقول: “أرفض أن أشارك لاعباً من دولة الاحتلال في اللعبة، ولو وجدته أثناء اللعب أقوم بقتله على الفور. لكن بعض الأكراد يضعون علم دولة الاحتلال الإسرائيلي لتحديد هويتهم، وهنا تقع مشادات كلامية تصل حد الشتم، وحتى محاولة قتل عضو من الفريق لمجرد أنه يناصر دولة الاحتلال.
أذكر أنني في يوم من الأيام، وأثناء اللعب، دخلت بشكل عشوائي ضمن فريق مكون من أربعة لاعبين ووجدت أن أحد اللاعبين وضع علم الكيان مع اسم مستعار، وأثناء الحديث معه سألته لماذا تضع هذا العلم فقال لي إنه يحبها، ويتمنى أن تحتل الوطن العربي، وتبيّن أنه من الأكراد شمال سوريا، وعندما أتيحت لي الفرصة قمت بتفجيره بقنبلة وقتلته، وظل يشتم فلسطين وأهلها ويشتمني شخصياً حتى انتهت اللعبة”.
أكد بعض المبحوثين العرب أن موقفهم من اللعب مع لاعبين من دولة الاحتلال هو أمر مبدئي، حتى لو كلّفهم عدم اللعب مع لاعبين من دولة الاحتلال خسارة بطولات عالمية.
وبينت نتائج الدراسة أن اللاعبين من دول التطبيع أيضاً يرفضون اللعب مع لاعبين من دولة الاحتلال، كما بينت وجود تأثيرات سلبية للسياسة الخارجية للدول العربية على طبيعة التحالفات في لعبة البابجي، فما يحدث على أرض الواقع من تجاذبات سياسية ينسحب أيضاً على الألعاب في الفضاء الافتراضي، وهذا ما عبّر عنه أحد المبحوثين عندما قال: “علاقاتي مع اللاعبين العرب على مختلف جنسياتهم وانتمائهم تقوم على أساسِ صراعي وحياتي اليومية التي أعيشها تحت الاحتلال وتؤثر على حياتي الافتراضية بشكل مباشر أيضاً. فأي شخص يتعاطف مع دولة الاحتلال سيكون عدواً لي داخل الحياة الافتراضية، وأي دولة تطبّع علاقتها السياسية معها ستكون في مرمى النيران الافتراضية، وخاصة إذا أثبتَ اللاعب أنه يؤيد توجّه حكومته أو نظامه السياسي حول التطبيع. لكن بشكل مبدئي، فإن الدول ذات العلاقات العدائية مع دولة الاحتلال، مثل الجزائر، تعتبر حليفاً طبيعياً، ما لم يثبت العكس، وهكذا أيضاً العراق وسوريا، والأردن”.
واظهرت الدراسة أن المشاعر السلبية اتجاه الآخرين لم تقتصر على قضية التطبيع فقط، بل تعدى ذلك لينسحب على السياسة الداخلية للدولة، وتعاملها مع بعض القضايا الخاصة بها، وردود أفعال مواطنيها. حيث أشار بعض المبحوثين إلى أن المشاعر السلبية التي قد تتولد في الحياة الواقعية، هي نفسها تبقى حتى في الفضاء الافتراضي، فالعدو في الواقع هو نفسه العدو الافتراضي، وإن اختلفت الأماكن.
يصِفُ الكثير من اللاعبين الأتراك العربَ بالخيانة، في إشارة لتحميلهم المسؤولية عن انهيار الدولة العثمانية.
وبينت نتائج المقابلات المعمقة أن المسائل السياسية في الدول العربية نفسها تؤثر على مشاعر اللاعبين ببعضهم البعض، فالأمر ليس مقتصراً على قضية التطبيع فقط، فقد علق أحد المبحوثين: “هناك عنصرية انعكست في اللعب، وأكثرها ظهر بين اللاعبين في الجزائر والمغرب. أنا لا أخفي مشاعري كلاعب عقب تطبيع المغرب، ولكن أنا شخصياً بتُّ لا أحبّذ اللعب مع لاعبين من المغرب رغم الخلافات حول الصحراء الغربية، لكنها زادت من مشاعرنا الحادة تجاه المغرب على كل المستويات بعد تطبيع المغرب مع الكيان الصهيوني”.
وأظهرت الدراسة جلياً انعكاس السياسة، وحتى الخلافات التاريخية، داخل اللعبة، حيث يصِفُ الكثير من اللاعبين الأتراك العربَ بالخيانة، في إشارة لتحميلهم المسؤولية عن انهيار الدولة العثمانية، ولهذا نجد أن هناك علاقة متوترة بين العرب والأتراك داخل اللعبة بصورة دائمة.
كما كان لتداعيات الأزمة الروسية الأوكرانية أثر على سلوك اللاعبين العرب، حيث ظهر هناك اصطفاف مع أوكرانيا بوضع علم أوكرانيا لتحديد هوية اللاعب، وبنسبة أعلى عند اللاعبين السوريين المعارضين للنظام واللاجئين منهم في أوروبا، تعبيراً عن كرههم للنظام الروسي لتدخّله في سوريا عسكرياً، ناهيك عن علاقة السوريين بالإيرانيين أثناء اللعب من خلال قتلهم، وتعمّد إهانتهم اثناء اللعب بطريقة القتل.
ولاحظ الباحث ظاهرة التنمّر المتبادل والخلاف بين لاعبين فلسطينيين ولبنانيين بسبب معاناة اللاجئين الفلسطينيين في لبنان، حيث باتت تشكل هذه القضية نقاشات حادة بين اللاعبين. ورصد الباحث مظاهر وحالات من العنصرية والتنمّر من قبل غالبية اللاعبين العرب فهي تتمثل في نعت السوريين باللاجئين المشردين الذي باعوا أوطانهم وحاولوا الانقلاب على النظام، ولجأوا للأردن ولبنان ودول أوروبية، وهو أمر يمتد إلى مصر، حيث وصفها بالدولة الدكتاتورية، واستخدام كلمة “بلحة” و”طعمية” لمناداة اللاعبين المصريين، وكذلك الحال مع اللاعبين الليبيين.
ومن أكثر العلاقات التي توصف بالمميزة، بحسب البحث، تلك التي جمعت بين اللاعبين الفلسطينيين والجزائريين بحيث لم تتأثر بأي شكل من الأشكال بأي أحداث سياسية، حيث إن أكثر التحالفات تتم بين الطرفين، بل إن الثناء والشكر والود قائم بصورة ملاحظة أثناء اللعب حتى يصل الحال إلى اعتذار الفلسطيني للجزائري، والعكس صحيح، عندنا يقتل أحدهما الآخر أثناء اللعبة.
كان لتداعيات الأزمة الروسية الأوكرانية أثر على سلوك اللاعبين العرب، حيث ظهر هناك اصطفاف مع أوكرانيا بوضع علم أوكرانيا لتحديد هوية اللاعب، وبنسبة أعلى عند اللاعبين السوريين المعارضين.
وأظهرت الدراسة انعكاس التقسيمات السياسية الفلسطينية الداخلية بفعل الاحتلال والانقسام السياسي على علاقات اللاعبين الفلسطينيين مع بعضهم البعض، وهو أمر تجلّى في علاقة متوترة بين اللاعبين من القدس والضفة الغربية مع الفلسطينيين في مناطق فلسطين 1948، وفلسطيني الضفة وقطاع غزة.
ورأى الباحث أن هناك ضرورة في الدراسات المستقبلية بالعمل على دراسة ذات عيّنة دراسية أوسع، كما طالب صناع القرار في الوطن العربي بضرورة القيام بحملات توعية لتعميق الصلات والروابط بين الدول العربية، وتعزيز قيم الأخوة والصداقة والمحبة بين الشعوب العربية، وأوصت الدراسة صنّاع القرار الفلسطينيين بضرورة إجراء تدريبات مختصة للمواطنين الفلسطينيين حول دبلوماسية المواطن، على اعتبار أن كل مستخدم فلسطيني للإنترنت هو سفير لبلده، وخاصة في داخل غرف اللعب الجماعي على شبكة الإنترنت.