في حوار تلفزيوني أجري مؤخرا مع السياسي العراقي د. غسان العطية تذكر فيه دراسته للعلوم السياسية في الجامعة الامريكية في بيروت في الخمسينات من القرن المنصرم، حيث درس العلوم السياسية بناء على نقاش مع والده الثري الشيخ القبلي الذي اصبح وزيرا في العهد الملكي الشيخ رايح العطية.
يذكر انه كان مؤهلا وراغبا في دراسة الصيدلة في الجامعة، الا ان والده رفض فكرة دراسة ابنه لمواد تؤهله لان يفتح (دكانا) بعد ذلك ليسترزق منه، بينما دراسة العلوم السياسية سوف تؤهله لأن يعمل في سلك الخارجية مثلا. أما اذا اكمل دراسته العليا فسيكون استاذا في الجامعة. وفي يوم التخرج يأتي غسان العطية الى الجامعة وهو يحمل عباءة الخريجين بيده، فيرى ماسح احذية يجلس في باب الجامعة، يذهب اليه ليمسح حذاءه قبل الدخول، وكان ماسح الاحذية يمازح الطلبة ويجاملهم بكلمات مفرحة، أملا في اكرامية تضاف الى اجرته المعتادة، فيقول إن شاء الله دكتور فيرد عليه العطية،لا لست دكتورا فيقول له ان شاء الله مهندس، فيرد عليه لا لست مهندسا، فيسأل ماسح الاحذية باستغراب؛ ماذا اذن؟ فيجيبه،علوم سياسية، فينظر ماسح الاحذية باستغراب الى هذا الشاب الثري الذي خمن مستواه الاجتماعي من ماركة حذائه ليقول له يعني شو علوم سياسية؟ فيقول له العطية انه درس العلوم السياسية ليكون سياسيا ومفكرا وباحثا، فيطلق ماسح الاحذية ضحكة مجلجلة ويقول له يا زلمة وهي السياسية بدها دراسة، كلنا بنتكلم في السياسة.
هذه الحادثة تمثل مصدرا مهما للناظر بتمعن الى مجتمعاتنا العربية، إذ أنك تجد المجتمع من طبقاته الدنيا حتى نخبه مشغولا ومهموما بالصراعات السياسية، بطريقة غير مألوفة في بلدان العالم الاخرى، فمجتمعات العالم أصبح الهم العام لديها محصورا بما ستوفره لها الحكومة او المعارضة من خدمات تسهل حياتها وتجعلها حياة كريمة تليق بها، لذلك عندما تنظر إلى برامج الاحزاب في اغلب دول العالم اليوم تجد ان البرامج السياسية العامة للاحزاب متشابهة جدا، وتكاد تكون متطابقة، لكن أولوية السباقات الانتخابية تنصب على البرامج التي ستقدم خدمات افضل للمجتمع، في قطاعات الاقتصاد وتقليص البطالة وتحسين التأمين الصحي ورفع مستوى البحث والتعليم وغيرهما، وتجد ذلك حتى في الاحزاب المتعارضة ايديولوجيا، فقد انزوت الاختلافات الكبرى بين الاحزاب مفسحة الطريق لدولة الرفاه الاجتماعي، فتجد على سبيل المثال في بريطانيا اليوم الصراع بين حزب العمال، بما يمثله من توجه يساري معتدل، مع حزب المحافظين بما يمثله من توجه يميني معتدل، على اساس البرنامج الخدماتي الذي يقدمه كل حزب إذا ما فاز في الانتخابات، ولا يهتم المواطن كثيرا باللغو الايديولوجي للاحزاب، لانه توصل الى فهم مفاده أن وظيفة السياسي هي كونه رجل خدمة عامة واجبه تقديم الافضل للمجتمع، وهذا هو الحال في اكثر دول العالم، إلا دول عالمنا العربي، فما زال سياسيونا يرتدون قناع دون كيشوت ويبحثون عن طواحين هواء حقيقية أو متخيلة لمحاربتها، يسحبون وراءهم تابعهم سانشو المسكين، الذي هو شعبهم، على حماره الهزيل ليلقوا بهم في اتون معارك ليس لها اول ولا آخر.
والسياسة في مجتمعاتنا مازالت تحتفي بالكلام والشعارات الكبرى، عبر سرديات يغلفها عدم الفهم والغموض، يتلقاها رجل الشارع فيحتفي بها وتدخل مخياله الاجتماعي محورة ومتأقلمة مع ما استقر في النفوس من ثقافة شعبية، فكم سالت دماء تحت راية (يا عمال العالم اتحدوا) ومثلها أو ربما اكثر تحت راية (الامة العربية الواحدة) وحتى الشعارات التي تحاول ان تتماس مع واقع الطبقات الفقيرة من المجتمع، كانت تسوق على شكل احلام هلامية لا يستطيع أحد الإمساك بها مثل (وطن حر وشعب سعيد) ولا أحد يسأل كيف سيكون الشعب سعيدا؟
وعندما تنجز انظمتنا أو حكوماتنا، التي يقف على رأسها عادة (قائد ملهم) بعض مستحقات المجتمع، عليها تسويق هذه الامور على انها معجزات، وان فكر (القائد) او (الزعيم الاوحد) هو من انجز هذه المعجزات، كما حصل في محاولة تحديث وتصنيع المجتمع في مصر الناصرية في الستينات، أو بعض الرخاء الاجتماعي في مستوى الخدمات في عراق السبعينات، على أثر الوفرة النفطية، أو الرفاه الذي ساد في دول الخليج لكونها دولا ريعية قائمة على ثروات طبيعة نبعت من الارض، من دون حساب او تخطيط او تعب، مع العلم أن كل ماقامت به الحكومات والانظمة يعد من اولويات واجباتها، بل أنها تعتبر مقصرة اذا لم تقم به، بل انها مقصرة حقا اذا ما قسنا الامر بما توفر لها من امكانات وما حققته من انجازات على ارض الواقع.
ولكن هنالك بعض التجارب التي ربما بدت مختلفة ويجب الاشارة لها، فقد قرأت حركات الاسلام السياسي في مصر مثلا ابتعاد النخب السياسية القومية او اليسارية عن الهم الحقيقي للمجتمع، وانغلقت على لغو النخب الذي لا يسمن ولا يغني من جوع، فدخلت حركات الاسلام السياسي بشكل كاسح لتسد الفراغ الذي خلفته الحكومة والمعارضة، لتتمدد في المجتمع، فقد قامت حركة الاخوان المسلمين منذ السبعينات، بعد ان تجاوزوا الصدام مع النظام بالاشتغال على اسلمة المجتمع عبر الاشتغال على هموم الإنسان البسيط من قاع المجتمع، وتم ذلك باقامة شبكة خدمات اجتماعية تكون عادة مرتبطة بالمساجد التي يديرونها، حيث تقدم عبر هذه الشبكات خدمات التعليم والصحة والتكافل الاجتماعي ورعاية المعوزين، وكل ذلك يقدم مع جرعات من أسلمة المجتمع حتى وصل الحال في يناير 2011 الى ما شهدناه من سيطرة الاسلام السياسي على الشارع المصري. لكن حركة الاخوان وبعد ان تمكنت من بسط نفوذها على الحكومة والبرلمان سقطت بعد اقل من سنة في امتحان توفير احتياجات المجتمع الحقيقية. ومن المهم ان نشير الى أن تجربة الاسلام السياسي في عموم دول العالم العربي اخرجت مجتمعاتها من حفرة شعارات صغيرة كانت تطلقها الحركات اليسارية والقومية والوطنية لترميهم في بئر الشعارات الكبيرة الممثلة بـ(الامة الاسلامية) العابرة للقارات.
لقد روي عن شخصية غريبة في عراق الخمسينات من القرن الماضي، عندما كانت فورة الصراعات الايديولوجية محتدمة بين التيار اليساري والتيار القومي، كان هذا الرجل الغريب الاطوار صاحب دكان في شارع الرشيد قلب مدينة بغداد والشارع الذي تسير فيه كل المظاهرات والاحتجاجات، وكان صاحب الدكان من المهوسين بالمظاهرات والهتافات، وكلما مرت مظاهرة في الشارع يسارع الى اغلاق دكانه ليشارك فيها، من دون تمييز لاتجاهها السياسي، وكان يصر على ان يُحمل على الاكتاف ليهتف بصوته الجهوري (فلسطين للعرب) الشعار الرئيس لتلك المرحلة، وعلى عادة الباعة في تلك الايام كان يضع كيس نقوده في وسط دشداشته بعد ربط حزام جلدي عريض على وسطه، وكان يقوم بالتأكد من وجود كيس نقوده في المظاهرات بين هتاف وهتاف، وفي احدى المرات وهو مشغول بالهتاف (فلسطين) فيرد الجمهور بصوت مدو (للعرب)، واذا به يتلمس كيس النقود فلا يجده فقد سرق منه في الزحمة وهو محمول على الاكتاف، فكاد يجن وبدأ بالصراخ (كيس النقود) فيأتيه صوت الجماهير مدويا (للعرب)… (كيسي) ..(للعرب) ومن وقتها ترك صاحب الدكان هذا الهوس بالمظاهرات وانشغل بدكانه، واقسم انه لن يقربها بعد الان، لكن مجتمعاتنا ماتزال تهتف ولا تعرف من سرق كيس نقودها.
٭ كاتب عراقي
صادق الطائي