الكتابة بحماقات العصر

من المؤكد أن العصر الذي نحيا فيه مؤقتا، كي نمارس لاحقا موتنا الأبدي خارجه، لم يعد عصرا بالمفهوم الزمني للكلمة، بل تحول إلى عصر آخر مضاد ذي طبيعة مفهومية خالصة؛ أي إلى بنية صماء محشوة بما يكفي من الاستراتيجيات لإجبارك على تبنيه، باعتباره مفهوما منفصلا عن صيرورته وتوصيفاته المتعارف عليها. ففي قلب هذا الإطار المفهومي الجديد ستكون أنت بالذات جاهزا لتبني إملاءاته ومسلماته، المختزلة في وجوب اقتناعك الضمني بالسلطة العليا التي يمتلكها العقل المركزي في صيغته المعولمة، وقد أمسى بفعل إيغاله المنقطع النظير في شعاب البحث التكنولوجي والتسويقي، واثقا في إمكانية تسخيره لمفاتيح كل تلك الغرف السرية، التي لم يفلح المخيال الأسطوري والخرافي من قبل في اكتشافها. هذا العقل/الكائن هو الآن منهمك في إنشاء فراديس أرضية، ستكون بديله الواقعي والافتراضي لجنته الأولى التي كان قد أكره على مغادرتها.

المفهوم نواة مُرَّةٌ لفاكهة عصر آخر

ولأن عقل الكتابة هو جماع عقولٍ أكثر تركيبا وأكثر تعقيدا من عقل العصر ذي المركزية الكونية، التي يمكن أن نذكر منها على سبيل المثال لا الحصر، عقل الحلم وعقل الحدس وعقل الإدراك وعقل الحواس، إلى جانب عقل الحرف وعقل الطرس، فإنها وتبعا لذلك، تجد في هذا العقل المدجج بأوهامه، مادة مغرية لممارسة حماقاتها العالية عبر تفكيكه وإعادة تفكيكه، خاصة بعد أن أصبح المصدر الأخير لكل أمر أو نهي حضاري أو سياسي.
وبفعل إنجاز هذا العصر/المفهوم لطوفان جارف من البنيات الجديدة التي تنتشي بتبادل مكر المحو في ما بينها. لم يعد ثمة من شيء مكتمل، مادامت المعرفة التقنية قد حولت العالم إلى ورشة أسطورية لتصنيع «لُعب حياتية»، انتقلت بمجال الكمالي إلى مجال الضروري، كما أدت بالتالي إلى إصابة الكائن بإعاقات طفولةٍ تتخذ من المبتكرات العلمية المتوالية لعبا معرضة دائما لأعطابها؛ ولأن خبرة العصر أمست مختزلة في تصنيع العابر والمؤقت والهش، فقد تم تحويل هذه اللُّعب إلى علامات غير قابلة للمقاربة، لا من حيث هي ظاهر ولا من حيث هي باطن، بفعل خلوها من أي محتمل يمكن أن يغري الكتابة بمقاربته، على الرغم من التدخل الضاري لاستراتيجية التسويق، إلى جانب سهرها على أن يكون اندماجه في استهلاك هذه اللعب، بعيدا عن كونه مجرد اندماج في متعة عابرة، بل على النقيض من ذلك، سيكون واجبا مركزيا من واجبات حياته «الحداثيةّ».

أنت تلعب فأنت موجود

إنك من وجهة النظر المفاهيمية للعصر، ملزم باللعب من أجل أن تكون. ولعبك هذا ينبغي أن يكون على درجة كبيرة من احترافية الاندماج المستندة إلى فلسفة عبور لا يحتمل الإقامة، إذ ليس لك أن تظل حاضرا حيث أنت، وليس لك أن تستنفد ما هو متضمن في الشيء، مادام هذا الشيء هو ذاته مستنفدا سلفا. بمعنى أنك مطالب دائما بتغيير وجهة السير، من دون أن تبدي أي تعلق فكري أو حسي بما سبق أن كنت فيه.
وعي العصر- وقد غدا مفهوما- باحتمال تعرض خطاباتِه لنسبة معينة من الممانعة، جنح به إلى توظيف الأقنعة التنكرية المستعارة من واجهات الحداثة، بغاية إضفاء مسحة إغرائية على هذه الخطابات كي تخفف من حدة أي مقاومة يحدث أن يبديها «الحرس القديم» في أفق إدماجهم اللامشروط داخل طقوس اللعب، حيث يمكن اعتبار توظيف هذه الأقنعة شكلا من أشكال خبرته الكبيرة، بعلم إدارة الحرب الدائمة بين الحداثة ومرادفاتها المنزاحة عن مقاصدها، ثم بين هذه وأضدادها. لذلك كان من الطبيعي وبموازاة ذلك، أن تتعدد مرجعياتها ومسالكها المؤدية إلى آفاقها المختلفة، وهو ما ساهم في تعدد أنواع وأشكال الحروب القائمة بينها، خاصة منها الحداثات المنزاحة عن حدها البشري، التي لم تعد مستعدة للتظاهر، ولو بالحد الأدنى من قيم التواصل والحوار والتفاهم. وهي القيم التي يسلم العصر ذو الحداثات المتعددة باستحالة تحققها، مما جعله يعتمدها لازمة دائمة التكرار في أدبياته وخطاباته الإعلامية والثقافية، من أجل تكريس الإيهام بحضورها كأولوية، وكمنجز حقيقي لتوجه الحداثة الثقافية والفكرية. هكذا وبإحكام العصر/المفهوم قبضته على أعناق الخطاب، كما على أعناق الحروف، وبحضوره في بينيات التنويعات اللامحدودة لإيقاعات الحداثة، سينجح العصر في شحن الكثير من الأنساق الماضوية بطاقات مستمدة من آلياته، كي تنتصب حية ترزق بعناد لا يتسرب إليه الوهن، وقد ارتدت جبة مستقبل عصي على التجاهل والتناسي.

شرعية إنزال الأذى

في قلب الدوار الحضاري يتحقق على سبيل المثال لا الحصر، التشريع العقلاني لشطط تنزيل الأذى. والأذى في هذا السياق يستمد شرعيته من الصيغ الجديدة التي يتمظهر عليها التصنيع القبلي والموجه لما يوحي بوجوب قتله وتعميم حالات الخوف منه، كراهيته والتسليم بوجوب الاقتصاص منه وإفنائه إن أمكن. إنزال الأذى بمواقع الشبهة وساكنيها يحتاج كما تقتضيه خصوصية العصر إلى طقوس احتفالية، لا مكان فيها لأي تجل من تجليات العقل. ذلك أن تغييب العقل في طقس إنزال الأذى، هو العتبة التي تُستدرج إليها جحافل الأتباع والمشايعين والأوصياء، الذين يتحولون إلى كتلة واحدة وموحدة، مستعدة لتناسي انفصالاتها الجزئية والكلية، من أجل دعم قرار إنزال الأذى بالشبهة المستحدثة. لكن في الجهة المقابلة للطقس، تنهض الكتابة كي تشرع هي أيضا في إنزال أذاها المضاد على مراسيم الطقس، عبر تفكيك مأساويته الاحتفالية، تماما كما تمسك أنياب ذئب متوحد بحنجرة الإعصار.

غضبٌ مكيفٌ بفضيلة الإذعان

لكن وبقليل من الإنصات المرهف إلى إيقاع العصر، سيتبين أن الغضب وباعتباره الحفيد المنحدر من سلالة العصور البائدة، ليس الآن أكثر من نغمة نشاز، بعد أن أمسى في ظل السلط الحديثة، مطالبا بالتقهقر الكلي إلى خلفية المشهد، لأن العصر وبحداثاته المعطوبة، أبدله بغضب مغاير مكيف بفضيلة الإذعان، الذي يعتبر تصريحا ضمنيا أو مضمرا بإخلاء المكان، وتقديمه هدية سائغة للاستباحة، فيما استبدلته القصيدة بطرد الدواب من حظائرها بأناقة خالية من أي صخب أو ضجيج. وبموازاة ذلك، سيعلي العصر من شأن شعار «المواجهة» الذي أصبح له تأثيره السحري على تحشيد الجمع ضد مواقع «الشبهة»، علما بأن المواجهة هنا توفر مناصب شغل جديدة، تستهدف «المشبوهين» بالقتل إن اقتضى الأمر، من أجل إجهاض ما يحدثونه من هزات تؤثر سلبا على جمالية الحداثات التي يسهر العصر/المفهوم على رعايتها، بعد أن حولها إلى سلطة تداولية غير قابلة للطعن أو التشكيك. علما بأن المواجهة هي المعتمدة أساسا في إنجاز مهمة تأجيج المشهد الذي يتقاطع فيه البعد الاستنفاري مع البعد التأليبي والاحترازي، انسجاما مع مقتضيات الطقس الهادفة إلى تعطيل حركية العقل، من أجل تصعيد ردود أفعال انفعالية، بها فقط تتحقق فرجة الإقصاء.

الكتابة ومتعة إحداث الشرخ

ذلك هو ما يغري الكتابة بإحداث الشرخ في وجه الصورة، كي تنتبه إلى خطل اعتدادها وزهوها المغلوط، وكي يتسرب الهواء المنحبس من باطنها، عساها تتمكن من التنفس قليلا وتتحقق لديها إمكانية الصراخ، بحناجر القتلى الذين هم في عرف الإبادة المقترحة علينا من قبل العصر، موتى بالقوة والفعل. موتى تسربوا بصورة غير شرعية إلى قلب الحياة، لذلك فإن طردهم سحلا، يستند إلى قانون إرجاعهم إلى أصلهم؛ أي إلى طبيعتهم الأولى. والقتل بهذا المفهوم ليس قتلا في عرف العصر، إنه فقط نوع من إعادة الأمور إلى نصابها، أي إرجاع الموتى إلى العدم الذي منه نزحوا في غفلة عن عين العصر. وذلك ما يؤلب كيد الكتابة له، عبر تحويله هو أيضا إلى مجرد بياضات متلاشية داخل مداراتها. إذاك تنهض العناصر من رقدتها، كي يرتفع شيئا فشيئا إيقاعها المتدفق خارج المفهوم وخارج العصر.

شاعر وكاتب من المغرب

رشيد المومني

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية