سليمان الحلبي ومعركة تحرير الصورة

حجم الخط
0

يقترن اسم سليمان الحلبي بصورة البطل العربي المعاصر. هذا هو الحال منذ منتصف القرن العشرين حين نُفض عنه غبار النسيان وتبين أنه «قدّم بفعل واحد، وفي لحظة خاطفة، إجابة شافية على أول تحديات الاستعمار الأوروبي للشرق في عصرنا الحديث» وفق تعبير ألفريد فرج مؤلف مسرحية «سليمان الحلبي» التي صدرت في القاهرة عام 1965 وأعيد طبعها في دمشق عام 2006 مع مقدمة لوزير دفاع سوري سابق.

صورة البطل

تستند صورة البطل العربي إلى حدث تاريخي موثق، ففي 14 يونيو/حزيران 1800، اغتال سليمان الحلبي الجنرال كليبر، قائد الحملة الفرنسية على مصر وبلاد الشام (1798 -1801) تُجمع المصادر الفرنسية على أنه كان طالب علم فقير الحال جاء من حلب ليدرس في جامع الأزهر في القاهرة، حيث فاجأ الجنرال الفرنسي متنكراً بهيئة شحاذ، ثم واجه عقوبة الإعدام على الخازوق بشجاعة استثنائية. إلا أن المصادر العربية لم تصفه بالبطل آنذاك، وإنما تجاهلته أو أدانته بصريح العبارة، لخروجه عن نهج المقاومة الشعبية، التي كانت تعتمد على العصيان المدني. ولما تغير نهج المقاومة غداة الهزيمة العربية أمام الاستعمار الصهيوني، أصبح الحلبي يجسد نموذج الفدائي القادر على قلب ميزان القوى «في لحظة خاطفة» مثله كمثل خلفه السوري جول جمال الذي لُقِب «سليمان الحلبي القرن العشرين» إثر استشهاده أثناء العدوان الثلاثي على مصر عام 1956.
احتل الحلبي مكانة البطل في المخيلة العربية بمساهمة المسرح والتلفزيون، حيث أدى دوره ممثلون قديرون كمحمود ياسين وأحمد مرعي، كما أصبح مصدر إلهام لحركات المقاومة العربية الوطنية منها والإسلامية، ناهيك عن الشوارع التي حملت اسمه في سوريا ومصر والسعودية، والكتب المدرسية التي سجلت بطولته، والأعمال الأدبية أو الفنية التي خلدت ذكراه، والسياسيين الذين يدعون لليوم إلى حذو حذوه.

من أرشيف مجموعة أبو نضارة

الجسد المهزوم

غير أن صورة البطل العربي تُحيل إلى جسد مهزوم. ففي أعقاب مقتل الجنرال كليبر، بدا للفرنسيين أنه لا يمكن لشرقي عاقل أن يقتل فاعل خير أتى ليحرر الشرق من نير الاستبداد العثماني، باسم الثورة وحقوق الإنسان. وعليه تم تشريح جسد القاتل بعد إعدامه للبحث عن سبب سلوكه اللاعقلاني، ونُقل إلى باريس حيث تبين أنه يحمل أعراض داء «التعصب» الذي يتسبب بسيطرة الدين على العقل. ثم عُرض الجسد كنموذج في متحف التاريخ الطبيعي إلى جانب نماذج من الشعوب السمراء، وغيرهم من ذوي السجل الحافل بالإجرام الذين كان الأطباء وعلماء الأنثروبولوجيا يدرسون اختلافهم أو «تخلفهم عن ركب الحضارة». وظل معروضاً للمشاهدة في غير جناح في المتحف منذ بداية القرن التاسع عشر حتى ثمانينيات أو تسعينيات القرن العشرين، إذ بادرت السلطات الفرنسية إلى إخفائه وإزالة آثاره من السجلات المتاحة للعموم. في الأثناء، قامت رواية الاستعمار على نظرية مفادها أن التعصب الذي جاءت به الفتوحات الإسلامية، تسبب باندثار سوريا الإغريقية أو الرومانية. وتبنت السينما الوليدة صورة المتعصب في فيلم قصير للأخوين لوميير بعنوان «اغتيال كليبر» يظهر فيه سليمان الحلبي بهيئة ملتح غدار يطعن في الظهر من أتى لتحريره. ومن نافل القول إن شخصية المتعصب هذه ستحتل مكانة مميزة في مخيلة الغرب، رغم أنها لا تشبه الحلبي الذي واجه الجنرال الفرنسي بلا لحية وطعنه في الصدر، حسب المصادر الفرنسية نفسها.

سياسة المكابرة

في المحصلة، يبدو البطل العربي مثقلاً بالهزيمة: هزيمة الجسد الذي يقبع في متحف الاستعمار منذ قرنين ونيف، وهزيمة الصورة التي جعلته متعصباً يمثل الشرق والإسلام بهيئة الملتحي الغدار، وهزيمة التاريخ الذي جعله بطلاً بعد انتصار الاستعمار الصهيوني. مع ذلك فهو يتمتع اليوم بشعبية واسعة، سواء في المسلسلات التلفزيونية بصفته «رمز كل فتى عربي» أو على شبكات التواصل الاجتماعي، بالإضافة إلى أن الأدبيات العربية لا تتحرج من الاحتفاء ببطولته وجسده المهزوم في آن واحد. ففي حي سليمان الحلبي في مدينة حلب، تشير اللوحات الطرقية إلى أنه محفوظ في «حديقة الحيوانات والنباتات في باريس» في حين يضج الإنترنت بصورة فوتوغرافية لجمجمة سمراء معروضة في متحف تُنسب إلى الحلبي، رغم أن محرك غوغل المختص بالصور ينسبها إلى إنسان بدائي ممن كانوا يعيشون في كهوف الشرق قبل التاريخ. ويمكن الحديث هنا عن سياسة المكابرة، لأن الأدبيات العربية تميل إلى تقديم الهزيمة الموصوفة وكأنها إدانة دامغة لسلوك الاستعمار وازدواجية المعايير الغربية، في ما يتعلق بحقوق الإنسان. ولما كانت سياسة المكابرة تهدف إلى إدانة الاستعمار أكثر من إحقاق الحق، ينشغل أنصار البطل بالتأكيد على مظلوميته والمغالاة فيها. هكذا يصبح هيكل البطل معروضاً إلى جانب هياكل حيوانية بغرض التشفي، وجمجمته محاذية لجمجمة الفيلسوف رينيه ديكارت، بغرض إظهار الفارق بين العقل ونقيضه، دون أن يكلف أحد نفسه عناء البحث عن الحقيقة، ناهيك عن مقاضاة السلطات الفرنسية لانتهاكها حق الإنسان في الدفن.

من أرشيف مجموعة أبو نضارة

الخروج من الهزيمة

والحال أن سياسة المكابرة هذه لم تفضِ إلا لتعزيز الشعور بالعجز والمظلومية تجاه الغرب، الذي نصب نفسه رئيساً لمجمع الآلهة، رغم سجله الحافل بالاستعمار وازدواجية المعايير. فسليمان الحلبي يقيم إلى اليوم في متحف التاريخ الطبيعي في باريس في انتهاك صارخ للشرائع الأرضية والسماوية. كما يقيم المتعصب في المخيلة الجمعية بلحيته المشبوهة وسلوكه اللاعقلاني، لدرجة أنه أصبح الممثل الأبرز للشعوب العربية على شاشات العالم. بعبارة أخرى، يبدو البطل العربي أكثر هزيمة كل يوم في الجسد والصورة، وربما آن الأوان للاعتراف بالهزيمة والعمل على الخروج منها، الأمر الذي يتطلب فعلياً القيام بمهمتين متزامنتين، الأولى هي السعي لتكريم جسد الحلبي من خلال إلزام فرنسا بإخراجه من ممتلكاتها العامة ودفنه كإنسان.
يمكن الاستناد هنا إلى عدة سوابق منها دفن الجزائر مؤخراً رفات مواطنيها، التي كانت محفوظة في المتحف ذاته، وتم استعادتها بفضل حملة مدنية أطلقها جزائريون بالتعاون مع فرنسيين مناهضين للاستعمار. وتجدر الإشارة إلى أنه حتى الآن لم تطالب أي جهة عربية، رسمية كانت أم مدنية، باستعادة جسد الحلبي، باستثناء قلة من مثقفين تعلو أصواتهم في الصحف من حين لآخر، إضافة إلى منظمة سرية تحمل اسم «منظمة العمل الثوري ـ جبهة المقاومة العربية ـ مجموعة الشهيد سليمان الحلبي» نشرت بياناً في أبريل/نيسان 1990 أمهلت فيه فرنسا شهراً واحداً لإعادة الجسد إلى أرض عربية. أما المهمة الثانية، فهي السعي لتحرير صورة العربي من المتعصب الذي يلازمها، مع العلم أن الحلبي يمثل النموذج المرجعي لتلك الصورة التي تكرست بعد فشل جيش الجنرال كليبر في «تحرير الشرق من الاستبداد». وتكمن صعوبة هذه المهمة في أن من يحارب نموذج المتعصب الموروث عن الاستعمار قد يبدو في نظر الغرب متعصباً من سلالة الملتحي الغدار إذا ما كان مسلماً أو عربياً، لذلك من الضروري ابتكار لغة قادرة على تجاوز سوء التفاهم في التاريخ، كما في الحاضر بعيداً عن المكابرة والمظلومية.
من جهتنا كسينمائيين سوريين، نرى أنفسنا مضطرين للانخراط في معركة تحرير الصورة التي لا تقل الحاحاً عن معركة تحرير الأرض. وبما أن الصورة هنا تستمد شرعيتها من الجسد الذي مثلته عبر التاريخ، فقد وثقنا قصة هذا الجسد منذ وصوله إلى باريس حيث تم تكريسه نموذجاً للتعصب وممثلاً عن سوريا المندثرة. ثم وجهنا رسالة إلى الرئيس الفرنسي ندعوه فيها إلى منح سليمان الحلبي الجنسية الفرنسية عوضاً عن السورية التي منحته إياها سلطات الاستعمار دون سند، وذلك رغبة منا بإعادة المتعصب إلى أصله الفرنسي والحلبي إلى فصله العربي. أخيراً لا آخراً، نطلق اليوم حملة في فرنسا لمطالبة متحف التاريخ الطبيعي بدفن جسد الحلبي اعترافاً بإنسانيته كشرط مسبق ريثما تتحمل السلطات السياسية مسؤولياتها. على أمل أن يُقبل المواطنون الفرنسيون على توقيع العريضة التي طرحناها لمنحهم فرصة المساهمة في معركة تحرير صورتنا وصورتهم. لذا وجب التنويه.

أبو نضارة*:مجموعة سينمائيين سوريين

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية