القاهرة ـ «القدس العربي»: دعت منظمة «هيومن رايتس ووتش» الحكومة المصرية لإلغاء المهلة النهائية المحددة لتسجيل الجمعيات الأهلية التي تنتهي يوم 11 أبريل/نيسان المقبل، بموجب «قانون تنظيم ممارسة العمل الأهلي» الصادر عام 2019. كما طالبتها، بتعديل القانون لـ«ضمان قدرة المنظمات غير الحكومية على العمل بحرية، ومن دون تدخل مُقحم أو مضايقة من الحكومة».
وحسب تقرير للمنظمة حمل عنوان «أوقفوا تضييق الخناق على الجمعيات والمؤسسات الأهلية» فإن «القانون يسمح للسلطات بإغلاق وتجميد أصول أي جمعية تستمر في العمل من دون تسجيل». وفيما اعتبر أن على السلطات «تعديل القانون بسرعة ليتسق مع الحقوق التي يكفلها دستور مصر والتزاماتها الحقوقية الدولية» قال إنه «لا ينبغي إجبار الجمعيات التي سجلت نفسها كشركات محاماة أو كيانات أخرى قانونية، على التسجيل بموجب قانون 2019».
قمع وتنكيل
ووفقا لآدم كوغل، نائب مديرة قسم الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في «رايتس ووتش» فإن» السلطات تجبر الجمعيات على الاختيار بين العمل في ظل ظروف تجعل العمل المستقل مستحيلا، أو مواجهة الإغلاق الفوري».
وأضاف: «تقييد الجمعيات المستقلة وإسكاتها يقضيان على فضاء المناقشات النقدية، ويُعرقلان الجهود الرامية إلى ضمان مساءلة الحكومة، وهو أمر يُضر بمصر».
وزاد: «تستغل السلطات الموعد النهائي في أبريل/نيسان لتبرير موجة أخرى من الملاحقات القضائية التعسفية والمضايقة التي تستهدف المنظمات المستقلة والنشطاء الذين يرفضون رؤية جمعياتهم مقيدة بقوانين صارمة تتعارض مع الدستور والحقوق الأساسية».
وطالبت المنظمة، في بيانها، السلطات بـ«إيقاف قمعها الطويل الأمد ضد الجمعيات المستقلة ووضع حد للتكتيكات التعسفية، بما في ذلك المضايقات من جانب الأجهزة الأمنية والمحاكمات المسيّسة، التي تهدف إلى قمع الفضاء المدني والنشاط الحقوقي».
واعتبرت أنه «يتعيّن على الشركاء الدوليين لمصر، ومن بينهم الولايات المتحدة ودول الاتحاد الأوروبي ووكالات وبلدان الاتحاد الأفريقي وصندوق النقد الدولي والبنك الدولي، الضغط على الحكومة المصرية لإجراء تعديلات وتحسينات مجدية لقانون الجمعيات لعام 2019 وإنهاء الهجوم على الفضاء المدني».
وفيما بينت أن قانون 2019 لا يسمح بأي نوع من العمل الأهلي دون تسجيل» أشارت إلى أنه يُعرّف العمل الأهلي على أنه «كل عمل لا يهدف إلى الربح ويمارس بغرض تنمية المجتمع».
وأوضحت أن «عملية التسجيل، المعقدة والمرهقة بلا داع، لا تُنجَز إلا عندما تنشر وزارة التضامن الاجتماعي على موقعها الإلكتروني موافقتها واللوائح الداخلية الناظمة للجمعيات».
ولفتت إلى أنه «يسري شرط التسجيل على جميع المنظمات المصرية أو الأجنبية الجديدة أو القائمة التي تضطلع بعمل أهلي، حتى لو كانت مسجلة بالفعل بموجب القوانين السابقة المتصلة بالمنظمات غير الحكومية أو قوانين أخرى».
وفي حين أكد تقرير المنظمة أن التعريف الواسع للعمل الأهلي في قانون 2019 يهدف إلى «حظر أي مشاركة أو نشاط مدني مستقل لا تأذن به أو تشرف عليه الحكومة» أشار كذلك إلى أنه «على مدار العقدين الماضيين، تم تسجيل العديد من الجمعيات كشركات محاماة ومنظمات بحثية وشركات استشارية لتفادي القوانين التقييدية للغاية التي تحكم عمل الجمعيات» مضيفا أنه «بموجب قانون 2019، لم تعد خيارات التسجيل البديلة هذه ممكنة». وحسب التقرير «يطلب القانون من جميع السلطات، بما في ذلك الأجهزة الأمنية، تحديد أي جمعية غير مسجلة والإبلاغ عنها، وهذا يضمن سيطرة قطاع الأمن على الفضاء المدني في مصر بالكامل، ويجعل العاملين في هذه الجمعيات يواجهون الملاحقة القانونية وغرامات ضخمة، وحتى السجن، إذا حُوكموا بموجب قوانين تعسفية إضافية تقيّد حرية تكوين الجمعيات».
وحتى إذا تمكنت جمعية من التسجيل يفرض القانون «قيودا شديدة على أنشطتها، ما يقضي على استقلال الجمعيات، ويجعل منها جهات مساعدة للكيانات الرسمية».
كما يطلب القانون «موافقة مسبقة من الحكومة على الدراسات الاستقصائية أو البحوث الميدانية» ويحظر التعاون مع أي «جهة أجنبية داخل أو خارج البلاد» أو إرسال أموال إلى جهات وأفراد خارج مصر، أو إنشاء فروع أو فتح مكاتب في الخارج، من دون موافقة وزارة التضامن الاجتماعي.
فضلا عن أن «العديد من الأنشطة محظورة بالكامل، مثل الأنشطة السياسية» رغم أن «القانون ولوائحه التنفيذية ليس فيها تعريف لما هو المقصود بالنشاط السياسي».
ويحظر القانون أيضاً العمل الذي يُزعم أنه «يُقوّض مفاهيم غامضة وذات صياغة فضفاضة مثل الأمن القومي أو النظام العام أو الآداب العامة» تبعا للتقرير، الذي أضاف أن «القانون لا يُعرّف، ولا لوائحه، هذه المفاهيم التي لطالما استخدمتها السلطات المصرية روتينيا لتجريم الأنشطة التي تندرج ضمن الحقوق المحمية في الدستور المصري والقانون الدولي لحقوق الإنسان، مثل الاحتجاجات السلمية والسلوك الجنسي بالتراضي والنشاط الفني».
وبينت المنظمة أنه حتى أكتوبر/تشرين الأول 2022، تمكنت فقط 32 ألف جمعية ومؤسسة أهلية من أصل 52 ألفا و500 جمعية تعمل في البلاد، من التسجيل.
وأضافت أنه منذ 2014 «قلّصت حكومة الرئيس عبد الفتاح السيسي الفضاء المدني بشدة، وهاجمت المدافعين الحقوقيين والنشطاء المستقلين مستخدمةً الاعتقالات غير المبررة، والحبس الاحتياطي المطول قبل المحاكمة، والمحاكمات، وحظر السفر، وتجميد الأصول، والإضافة إلى قائمة الإرهاب بعد إجراءات قضائية تعسفية ومعيبة» كما «استخدمت السلطات شبكة من القوانين الصارمة التي تقضي فعليا على الحريات الأساسية».
قضية التمويل الأجنبي
وتناول التقرير القضية 173 لعام 2011، والمعروفة باسم «قضية التمويل الأجنبي» التي جاءت استنادا إلى «مزاعم أمنية تنفي جوهر حرية تكوين الجمعيات».
وبين أنه «لا تزال العشرات من الجمعيات المصرية والمدافعين الحقوقيين يواجهون الملاحقات القضائية بسبب تلقي الأموال الأجنبية».
وزاد: «أسقط قاضي تحقيق التهم الموجهة إلى حفنة من النشطاء، وتمكنوا من السفر إلى الخارج في الأشهر الأخيرة، لكن لا تزال أصولهم مجمدة، وأُجبِرت جمعيات عديدة على العمل من خارج مصر، والتمس موظفوها اللجوء أو يعيشون في المنفى». وفي 10 يناير/كانون الثاني 2022، أعلنت «الشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان» إيقاف أنشطتها بعد حوالى 18 عاما، معللةّ ذلك بعدم رغبتها في الامتثال للقيود الشديدة في القانون، وذلك على ما يبدو بعد تلقيها رسالة غير رسمية مفادها أن العمل على حرية التعبير وظروف السجون ممنوع.
وحسب التقرير «امتدت حملة القمع في مصر ضد المجتمع المدني إلى المؤسسات الخيرية أيضا، وفي السنوات الأخيرة حلت السلطات أكثر من ألفي جمعية خيرية، وصادرت أصولها بتهم أن لها صلات بجماعة (الإخوان المسلمين) المحظورة».