بغداد ـ «القدس العربي»: حمّل وزير التخطيط العراقي، محمد تميم، الحكومة والبرلمان السابقين مسؤولية ما وصفه «تضخّم» الإنفاق الحكومي في مشروع قانون الموازنة المالية الاتحادية 2023، الذي أقرّته الحكومة مؤخراً، والذي يذهب أغلبه إلى تغطية مرتبات الموظفين والمتقاعدين والمستفيدين من «الحماية الاجتماعي» مشيراً إلى إضافة نحو (14.4) مليار دولار، لتغطية تلك النفقات.
وذكر خلال جلسة حوارية شارك فيها على هامش أعمال «ملتقى السليمانية السابع» أمس، «كُلفت بإعداد موازنة 2023 و2034 و2025 وكان أمامنا خيارات محدودة وتحديات كبيرة، وابتدأنا بقضية إعداد الموازنة بالذهاب باتجاه تحديد ما هي الأولويات وفق البرنامج الحكومي بشكل واقعي».
إعادة نظر
وأضاف: «عندما ذهبنا إلى الإنفاق، وجدنا أن الإنفاق، قد تضخم بشكل كبير يقابله محدودية في الموارد. وهذا الأمر دفعنا إلى إعادة النظر في أبواب الإنفاق وضرورة تحديد هذه الأبواب بشكل ينسجم مع توجهات الحكومة».
ولفت إلى أن «مبلغ العجز، حوالي 60 تريليون دينار (أكثر من 41 مليار دولار) وجزء من هذا العجز، هو عجز ورقي» فيما أشار إلى إضافة «في هذه الموازنة، 21 ترليون دينار للرواتب، وهذا قرار ليس حكومياً بل قرار البرلمان السباق والحكومتين السابقتين، إضافة إلى قانون الدعم الطارئ لتثبيت المتعاقدين».
وطبقاً له فإن «هذه الحكومة لم تتخذ قراراً واحداً لتعيين شخص واحد حتى إن كان في مكاتب الوزراء والحكومة الجديدة» مجدداً التأكيد أن «إضافة المبالغ التشغيلية للموازنة كانت نتيجة قرارات الحكومات السابقة والبرلمان السابق».
يأتي ذلك في وقتٍ، توقع فيه، الخبير الاقتصادي، منار العبيدي، بلوغ عجز موازنة 2023، 90 تريليون دينار (أكثر من 61.7 مليار دولار) فيما استبعد تحقيق الإيرادات المخطط لها.
وقال إن «الإيرادات المخطط لها في موازنة 2023، تبلغ 136 تريليون دينار (أكثر من 93 مليار دولار) ناتجة عن 101 ترليون بمعدل مشابه لمعدلات السنوات السابقة من مبيعات النفط، 13 تريليون دينار عن نفط كردستان قد لا يتم استلامها، و7 تريليونات دينار عن مبيعات النفط المضافة فوق المعدل الطبيعي قد لا يتم تحقيقها، و17 تريليوناً إيرادات غير نفطية قد لا يحقق منها سوى 7 تريليونات دينار وهو المعدل السنوي للسنوات السابقة».
وأضاف: «الإيرادات المخطط لها 136 تريليوناً قد لا تحقق فعليا أكثر من 108 تريليونات، والعجز المخطط هو 60 تريليون دينار، وقد يصل العجز في حالة عدم تحقيق الإيرادات إلى 90 تريليون دينار».
وبين، أن «نسبة العجز إلى الناتج المحلي في قانون الإدارة المالية يجب أن لا تتجاوز 3٪ أي يجب أن لا تتجاوز 11 تريليون دينار، ونسبة العجز المخطط الحالي إلى الناتج المحلي 16٪، ونسبة العجز التي قد تصل إليها إلى الناتج المحلي، 24٪».
فجوة العجز
وأوضح أن «كل هبوط في سعر النفط بمقدار دولار واحد يكلف الإيرادات 1.5 تريليون دينار (نحو مليار دولار)» لافتاً إلى أن «هبوط سعر النفط إلى معدل الـ60 دولاراً يعني خسارة إيرادات بمقدار 15 تريليون دينار (10 مليارات دولار) مما سيزيد فجوة العجز».
ويشاطر العبيدي في رأيه، أستاذ الاقتصاد في جامعة البصرة، نبيل المرسومي، الذي تحدث عن احتمالية رفع قيمة العجز في الموازنة الاتحادية، نتيجة اعتماد سعر «غير متحفّظ» لبرميل النفط (70 دولاراً) يعدّ الأعلى بين الموازنات الخليجية.
وذكر في «تدوينة» له أمس، إن «انخفض سعر خام برنت إلى 73 دولارا للبرميل بسبب انهيار بنكي (سيليكون فالي وسيغنتشر) الأمريكيين، مما عزز المخاوف بشأن المخاطر التي تواجهها البنوك الأخرى من الزيادات الحادة في أسعار الفائدة من جانب البنك المركزي الأمريكي خلال العام الماضي، والذي أدى الى الانخفاض الحادّ في الطلب على الوقود الناجم عن تقليص حجم شركات التكنولوجيا على نطاق واسع، إلى جانب خفض موظفيها من نفقات السفر، إذ أن العديد من الشركات الناشئة في قطاع التكنولوجيا كان يُنظر إليها على أنها مستهلكة محتملة للنفط والغاز في المستقبل، فقد أدى انهيارها إلى انخفاض التوقعات المتعلقة بنمو الطلب على النفط مستقبلًا، وقد عزز من مخاوف تعثر بنك (كريدي سويس) وهو ثاني اكبر بنك في سويسرا، المخاوف حيال اندلاع أزمة مالية عالمية جديدة كالتي حدث عامي 2007 ـ 2008 وهو ما انعكس سلبيا على الأسهم الاوربية والأمريكية».
وأضاف: «إلى جانب تداعيات أزمة بنك (سيليكون فالي) فإن أسعار النفط تتعرض لضغوط أيضاً، بسبب بوادر على تعافي الاقتصاد الصيني بوتيرة أضعف من المتوقع، بالرغم من رفع قيودها الصارمة المرتبطة بالجائحة فضلا عن التصريحات الأمريكية باحتمال وضع سقف أعلى لسعر النفط السعودي وارتفاع المخزونات النفطية الأمريكية».
وسيكون لهذه التداعيات في أسعار النفط العالمية «تأثير واضح على الموازنة العراقية التي تبنت سعراً غير متحفظ وهو 70 دولارا للبرميل وهو الأعلى بين الموازنات الخليجية».
وأكد المرسومي أن «انخفاض لسعر بيع النفط العراقي بدولار واحد عن السعر المقدر في الموازنة، من شأنه أن يخفض الإيرادات النفطية بنحو 1.660 تريليون دينار، وهو ما سيفاقم عجز الموازنة ويعظم الديون الداخلية والخارجية، خاصة وأن العراق من دون كل الدول النفطية يفتقد إلى صندوق سيادي يمكن أن يكون مصدّا في حالات انخفاض أسعار النفط إلى دون مستوياتها الطبيعية».
ظاهرة «خطيرة»
في السياق أيضاً، رأى محافظ البنك المركزي العراقي، علي العالق، أن الاعتماد على البنك المركزي في تغطية العجز في الموازنة العامة «ظاهرة خطيرة جداً» منوّهاً إلى أن العجز في الموازنة هذا العام يتجاوز 25٪، وهي مسألة كبيرة وخطيرة جداً، في وقت أعطت الحكومة في عام 2017 وعداً إلى صندوق النقد الدولي أن يكون العجز صفراً بحلول عام 2021.
وذكر خلال مشاركته في منتدى السليمانية أمس، أن «الاعتماد على البنك المركزي في تغطية العجز في الموازنة العامة، باتت ظاهرة، وهي خطيرة جداً» مضيفاً أن «اعتماد الحكومات أو بعض الحكومات على البنك المركزي في تمويل العجز، يهدد الاستقرار النقدي».
وأوضح أن «العجز في الموازنة، إذا كان ممولاً من البنك المركزي، هو ضد السياسة النقدية» مشيراً إلى أن هذا الأمر يعني «في الحالة العراقية، أن الحكومة تسحب مرتين من البنك المركزي، الأولى: عندما تبادل الدولار بالدينار، والثانية هي سحب الدينار عبر الاقتراض» ما يؤدي إلى تضخيم الكتلة النقدية والضغط على احتياطيات البنك المركزي. وطبقاً للعلاق فإن «قانون الإدارة المالية حدد عجز الموازنة باقل من 3٪، كما أن الحكومة العراقية أعطت في عام 2017، ضمن برنامج السياسية الاقتصادية المقدم إلى صندوق النقد الدولي وعداً أن يكون العجز صفراً بحلول عام 2021، وفي ذلك الوقت كان العجز 14٪ من الناتج المحلي الإجمالي، فيما يتجاوز عجزها الآن الـ 25٪ بدلاً من أن يكون العجز صفراً، وهي مسألة كبيرة وخطيرة جداً».
واعتبر أن الحل هو «تصحيح الاختلالات في الهيكلية الاقتصادية والسياسة المالية وليس عبر الضغط على البنك المركزي بتمويل عجز الموازنة عن طريق تغيير سعر الصرف أو عن طرق الإقراض». وسبق أن حثّت الممثلة الأممية في العراق، جينين بلاسخارت، البرلمان الاتحادي إلى الاسراع في تشريع قانون الموازنة المالية الاتحادية، محذّرة في الوقت ذاته من تضخّم القطاع العام نتيجة خلّق مزيد من الوظائف.
وقالت خلال استضافتها في منتدى السليمانية، «وافق مجلس الوزراء على الموازنة الاتحادية لعام 2023، وهذا خبر جيد بالفعل. وبطبيعة الحال، لا يزال يتعين على البرلمان إقرارها، وبالطبع، دون موازنة يقرها البرلمان، فإن تنفيذ برنامج الحكومة سيتأخر كثيراً، بما في ذلك تقديم الخدمات العامة».
ورأت أن «الأهم من ذلك، أن ارتفاع أسعار النفط لا يمكنه أن يبقي البلاد واقفة على قدميها، وبالمثل، فإن خلق الوظائف بشكل مستدام لا يمكن تحقيقه من خلال زيادة تضخم القطاع العام» مؤكدة إن «هناك حاجة ماسة إلى إصلاحات اقتصادية ومالية».
وشددت على أن «تتجاوز جهود مكافحة الفساد المنهجي في العراق الأفراد أو الأحداث» موضحة أن «النظام الذي تم تأسيسه بعد عام 2003 ببساطة لا يمكن أن يستمر. إذا ترك كما هو، فسوف يأتي بنتائج عكسية مرة أخرى» حسب قولها.