الصين تسعى نحو قواعد عسكرية في مناطق استراتيجية من بحار العالم والبنتاغون يعرقل

حسين مجدوبي
حجم الخط
1

لندن ـ «القدس العربي»: ريادة دولة للعالم يترجم جيوسياسيا بتحولها إلى القوة الاقتصادية المتحكمة في الأسواق المالية ومستقبلها، والمرجع الأخير لحل الكثير من النزاعات العالمية خاصة الشائكة منها، ويترجم هذا عمليا وميدانيا عبر قوة عسكرية منتشرة في العالم. كل هذه الصفات تنطبق على الولايات المتحدة، لكنها بدأت تفقدها تدريجيا لصالح دولة أخرى وهي الصين أو ستتقاسمها مجبرة على الأقل خلال الثلاثة عقود المقبلة.

وشكل إشراف الصين على اتفاقية استئناف العلاقات بين العربية السعودية وإيران 10 اذار/مارس الجاري، منعطفا بالنسبة للكثيرين لأنه عنوان من عناوين الريادة الصينية، وذلك بنجاحها في إقرار السلام بين بلدين لديهما تأثيرات هائلة لاسيما التأثير الديني كمحرك للصراع الاجتماعي والسياسي. وتزامن هذا مع استمرار تقدم الصين اقتصاديا ولحاقها بالمنافس الأول، الولايات المتحدة. لكن كل هذا يبقى قاصرا ودون تأثير كبير إذا لم يتم تعزيزه بقوة عسكرية تتضمن ميزتين، الأولى التقدم العسكري القائم على أسلحة نوعية، والثاني هو سرعة الانتشار في مختلف مناطق العالم، وهذا يعني التوفر على قواعد عسكرية لأن السيطرة على البحار ما زالت تمنح صفة الإمبراطورية لكل دولة تريد ريادة العالم.
في هذا الصدد، تتوفر الصين على ثاني ميزانية عسكرية في العالم 224 مليار دولار ، وهي في الواقع الأولى في حالة مقارنة المصاريف مع الولايات المتحدة البالغة 857 مليار دولار لسنة 2023. إن أجور الجنود الصينيين وصيانة العتاد العسكرية وأسعار السلاح تبقى بشكل كبير دون المصاريف الباهظة للبنتاغون.
وبعد بناء قوة عسكرية متينة وخاصة البحرية لاسيما بعدما تفوقت في عدد القطع الحربية على الولايات المتحدة، بدأت الصين تترجم قوتها إلى عاملين، الأول وهو البحث عن قواعد عسكرية في الخارج، وثانيا إجراء مناورات عسكرية متعددة مع الدول التي تدخل ضمن الحلفاء والشركاء وعلى رأسها روسيا وإيران للتنسيق والاستعداد لمختلف السيناريوهات الطارئة مستقبلا.
وعلاقة بالعامل الثاني، كثفت الصين خلال الخمس سنوات الماضية من المناورات العسكرية البحرية التي تشمل أربع مناطق رئيسية وهي: بحر الصين، أي المناورات في المحيط الهادي رفقة البحرية الروسية أساسا، ثم المناورات مع دول أخرى مثل إيران في منطقة المحيط الهندي وبحر العرب والبحر الأبيض المتوسط وكذلك في مياه المحيط الأطلسي.  وخلال هذه الأيام، تجري مناورات «حزام الأمن البحري» بين الصين وروسيا وإيران، وهي الدول الثلاث التي تقود عملية الحد من النفوذ الغربي. ويبدو أن هذه المناورات الأخيرة بدأت توحي بأن بحر عمان بل والخليج العربي قد يتحول إلى بحر صيني-إيراني بدعم روسي مع طرد تدريجي للبحرية الأمريكية.
وعلاقة بنقطة البحث عن قواعد عسكرية في الخارج، فقد بدأت الصين تبحث بالفعل عن قواعد عسكرية في مختلف بحار العالم. وعمليا، حصلت على أول قاعدة أجنبية لها خارج الأراضي الصينية سنة 2017 في جيبوتي على بعد أميال فقط من قاعدة «كامب ليمونيير» الأمريكية والأكبر من نوعها في أفريقيا. والقاعدة الصينية هي قاعدة عسكرية استراتيجية، نظرا لقربها من الدول التي توفر للصين نسبة هامة من موارد الطاقة، ثم دورها في حماية التجارة الدولية الخاصة بطريق الحرير. وترغب الصين في قواعد أخرى، وهو ما بدأ يخلق قلقا حقيقيا لدى الغرب وخاصة الولايات المتحدة.
في هذا الصدد، تابع العالم باهتمام كبير انتفاضة أستراليا والولايات المتحدة ضد حكومة جزر سلمون التي وقعت اتفاقية دفاع وأمن مع الصين السنة الماضية. وكانت مجلة «ذي إيكونوميست» قد كتبت وقتها أن اختيار الصين لهذه الجزر يعتبر ذكيا، فهي جزر ساهمت في دحر الجيش الياباني في الحرب العالمية الثانية لأن القوات الأمريكية قطعت الدعم اللوجيستي عن اليابانيين. ومن جهة أخرى، تموقع الصين في هذا البلد الذي هو عبارة عن جزر، سيجعل بكين تحوز منطقة استراتيجية لتهديد المصالح الأمريكية والأسترالية في حالة وقوع أي نزاع حربي. وكان قرار الصين دافعا لكل من بريطانيا والولايات المتحدة وأستراليا إعلان تأسيس حلف يوكوس البحري لمواجهة بكين، ومن ضمن عناوينه، تزويد البلدين لأستراليا بغواصات نووية. واستبعدت واشنطن باقي الدول الغربية مثل فرنسا وألمانيا من هذا الحلف بسبب ترددها في مواجهة ما يفترض «الهيمنة الصينية المقبلة على العالم».
في الوقت ذاته، تقوم الصين بتطوير ميناء في باكستان ليكون استراتيجيا في استقبال مختلف السفن الصينية خاصة العسكرية منها. ويدخل هذا ضمن التحالف الصيني-الباكستاني المتين. ويبقى القلق الكبير للغرب هو إذا نجحت الصين في التوفر على قاعدة عسكرية على الشاطئ الأفريقي الأطلسي. وتعتبر دولة غينيا إيكواتوريال مرشحة لاحتضان هذه القاعدة، كما تركز بكين كثيرا على موريتانيا بسبب قربها من الجانب الشمالي للمحيط الأطلسي، الدول الغربية. وإذا نجحت الصين في مسعاها، وقتها ستكون قد حققت قفزة نوعية في انتشارها البحري الحربي، إذ ستكون لديها قواعد منتشرة في مناطق استراتيجية لرسو سفنها الحربية وتنفيذ عمليات الانقاذ أو ربما الهجوم. وكانت واشنطن قد أرسلت مبعوثين إلى بعض الدول ومنها غينيا إيكواتوريال، حيث بحث نائب مستشار مجلس الأمن القومي جون فيني خلال الشهور الماضية مع مسؤولي هذا البلد ضرورة الإحجام عن تقديم أي قاعدة عسكرية للصين.
ومن ضمن التصريحات المثيرة التي تبرز قلق البنتاغون من توجه الصين، كان الجنرال ستيفن تاونسند، قائد القيادة الأمريكية في أفريقيا قد صرح منذ شهور في الكونغرس الأمريكي «إن التهديد الأكثر أهمية الذي مصدره الصين قد يكون قاعدة بحرية مفيدة عسكريا على الساحل الأطلسي لأفريقيا. أعني بالمفيدة العسكرية أكثر من مجرد مكان للحصول على الوقود والإمدادات. أنا أتحدث عن موانئ حيث سيتم إعادة تسليحهم بالذخيرة وتجديد السفن الحربية».
يدرك البنتاغون أن كل دولة تريد الريادة تعمل على التوفر على قواعد عسكرية في نقاط استراتيجية من بحار العالم. وقد بدأت الصين في هذا الشأن، فهي تتوفر على أكبر نسبة من السفن الحربية تجوب بحار العالم وتحتاج إلى قواعد، وهي المعركة التي تدور حاليا. فمن جهة تتفاوض الصين مع عدد من دول العالم للحصول على القواعد العسكرية، ومن جهة أخرى يضغط الغرب وخاصة البنتاغون لمنع ذلك.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية