مراجعة للتقارير الدولية: انتهاكات حقوق الإنسان في أوكرانيا

عبد الحميد صيام
حجم الخط
1

نيويورك-(الأمم المتحدة) ـ «القدس العربي»: أنشأ مجلس حقوق الإنسان فريقا مستقلا لرصد حالة حقوق الإنسان في أوكرانيا والإبلاغ عنها منذ آذار/مارس 2014 بعدما حدث من ضم القرم إلى روسيا. وقد تتابعت التقارير حول الانتهاكات المتواصلة لحقوق الإنسان وخاصة في منطقة دونباس ذات الأغلبية الروسية. فقد صوت البرلمان الأوكراني بتاريخ 21 أيار/مايو عام 2015 على قرار يدعو لتعليق اتفاقيات حقوق الإنسان في منطقة دونباس الشرقية.

ودعا مجلس حقوق الإنسان في قراره إلى الاهتمام بما يجري في منطقة القرم والمناطق الجنوبية من أوكرانيا. وكلف الفريق بتقديم اقتراحات وتوصيات للحكومة والجهات الفاعلة الأخرى لمعالجة مخاوف حقوق الإنسان.
هكذا بدأت الأمم المتحدة تتابع مسألة الانتهاكات، التي كانت ترتكب قبل 8 سنوات من إعلان موسكو الحرب على أوكرانيا والتي سمتها «العملية العسكرية الخاصة». وبدون أن نراجع الصورة الكاملة لحالة حقوق الإنسان في أوكرانيا منذ عام 2014 لنعرف ماذا كان يجري في كل الأراضي الأوكرانية من انتهاكات واسعة ليس فقط في القرم بل وفي منطقة دونباس، حيث كانت تتعرض الجاليات الروسية لاضطهاد وتمييز وعنصرية، لا يمكن للصورة أن تكتمل. إن إهمال التقارير المتلاحقة عن انتهاكات حقوق الإنسان في منطقة دونباس وتقاعس لجنة الاتصال المكلفة بتنفيذ اتفاقية مينسك الثانية الموقعة بين الطرفين في 12 شباط /فبراير 2015 بحضور ممثلين عن ألمانيا وفرنسا، هو الذي فاقم التوتر وأدى، على الأقل جزئيا، بانفجار الأزمة يوم 24 شباط/فبرير 2022. وللعلم فقد تبنى مجلس الأمن القرار 2022 (2015) يوم 27 شباط/فبراير اتفاقية مينسك وطالب بتنفيذها. ومرة أخرى لو التزم أعضاء مجلس الأمن بتنفيذ القرار المذكور لربما تجنبت أوكرانيا وروسيا هذه المواجهات التي «ملأت الدنيا وشغلت الناس» منذ اندلاعها.
ولكن هذه المراجعة ستركز على انتهاكات حقوق الإنسان خلال السنة الأولى من الحرب الروسية في أوكرانيا وتستند إلى التقارير الرسمية الصادرة من الأمم المتحدة أو منظمات حقوق الإنسان الدولية الأخرى أو كلمات المسؤولين الأمميين والمتعلقة بالوضع الإنساني للشعب الأوكراني.

حول أخلاق الحروب

في الحروب تنتهك حقوق الإنسان. هذه قاعدة لا يشذ عنها أحد. لا حرب يتلزم فيها أطراف النزاع بأخلاق القتال رغم أن المجتمع الدولي بدأ وضع بعض ضوابط الحرب وهو ما يسمى «أخلاقيات الحرب» والتي نظمت في العديد من الاتفاقيات الدولية والبروتوكولات الملحقة بها. وأشهر هذه الاتفاقيات هي اتفاقيات جنيف الأربع لعام 1949 والتي طورت اتفاقيات سابقة عليها وأصبحت هذه الاتفاقيات العمود الفقري للقانون الدولي الإنساني.
اتفاقية جنيف الأولى تتعلق بجرحى الحرب والثانية بجرحى السفن الحربية التي قد تتحطم ويتم إغراقها في المواجهات البحرية، والثالثة حول أسرى الحرب والرابعة حول معاملة المدنيين في زمن الحرب. والاتفاقيتان الثالثة والرابعة هما أكثر الاتفاقيات المعنية بالوضع في أوكرانيا.
وتشمل تقارير الأمم المتحدة حول حالة حقوق الإنسان في أوكرانيا سلة من الانتهاكات تشمل: مهاجمة البيوت والمدارس والمستشفيات والمولدات الكهربائية والبنى التحتية، واستخدام القنابل العنقودية المحرمة دوليا، واستهداف المدنيين واستخدامهم دروعا بشرية، والاختفاء القسري، وانتهاك كرامة أسرى الحرب، وتدمير القرى والمناطق السكنية وتدمير المعالم الثقافية والعنف الجنسي، والتعذيب، وخطف الأطفال أو الإتجار بهم وغير ذلك الكثير.
لقد صوت مجلس حقوق الإنسان بأغلبية ساحقة يوم 4 آذار/مارس 2022 على قرار لتشكيل لجنة تحقيق في انتهاكات ارتكبت عقب الغزو الروسي على أوكرانيا بتاريخ 24 شباط/فبراير 2022. وصوت 32 عضوا من أصل 47 عضوا في المجلس لإجراء تحقيق على أعلى مستوى ممكن في أي انتهاكات حقوقية مزعومة، مع مراعاة تحميل الجناة المسؤولية. ولم تصوّت غير دولتين هما روسيا وإريتريا، ضد الخطوة، فيما امتنع الأعضاء الثلاثة عشر الباقون عن التصويت، بما في ذلك الصين وفنزويلا وكوبا.

الوضع الإنساني والانتهاكات المتواصلة

حول الوضع الإنساني في البلاد، دعني أقتبس أولا من كلمة الأمين العام، أنطونيو غوتيريش، التي ألقاها في جلسة مجلس الأمن يوم 24 شباط/فبراير بمناسبة مرور عام على بدء الحرب: «الحياة جحيم حي لشعب أوكرانيا ويحتاج حوالي 17.6 مليون شخص، أي ما يقرب من 40 في المئة من سكان البلاد، إلى المساعدة الإنسانية والحماية. قضت الأزمة على 30 في المئة من وظائف ما قبل الحرب. ويقدر برنامج الأغذية العالمي أن ما يقرب من 40 في المئة من الأوكرانيين غير قادرين على تحمل تكاليف الغذاء الكافي أو الحصول عليه. لقد تسببت الحرب في أزمة نزوح لم تشهدها أوروبا منذ عقود، وتم تسجيل أكثر من 8 ملايين لاجئ أوكراني في جميع أنحاء أوروبا، بالإضافة إلى ما يقدر بنحو 5.4 مليون شخص نزحوا داخليًا. وهناك ما يقرب من 10 ملايين شخص، منهم 7.8 مليون طفل، معرضون لخطر الإصابة بداء الاكتئاب والاضطراب النفسي اللاحق للصدمة الحادة. ولا نخطئ، فإن الاتحاد الروسي يعاني أيضًا من عواقب مميتة».
التقرير الأول صدر عن فريق التحقيق عن الستة أشهر الأولى بتاريخ 22 ايلول/سبتمبر جاء فيه أن الفريق وثق بدون أدنى شك، حالات من القتل خارج نطاق القانون في مدن وبلدات أوكرانية منها كييف وشيرنيعف وسومي بين 24 شباط/فبراير و 6 نيسان/ أبريل 2022 مقتل 441 مدنيا من بينهم 72 إمراة و20 ولدا و8 فتيات، كما تم توثيق 198 حالة قتل في هذه المناطق بالإضافة إلى 100 حالة قتل خارج نطاق القانون في كل من خاركيف وخيرسون مفصلة في التقرير. ويقول التقرير إن هذه الجرائم غالبا ما تشكل «جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية».
كما يوثق التقرير قيام دبابات وعربات مدرعة بإطلاق قذائف مميتة على مناطق سكنية، ومبان ما أدى إلى مقتل العديد من المدنيين.
وجاء في كلمة المفوض السامي لحقوق الإنسان، فولكر تورك يوم الإثنين 6 آذار/مارس في افتتاح الدورة الحالية لمجلس حقوق الإنسان حول الأوضاع الإنسانية في أوكرانيا: «يواصل فريقي على الأرض توثيق انتهاكات القانون الدولي لحقوق الإنسان والقانون الإنساني الدولي التي تؤثر على المدنيين والمقاتلين على حد سواء، بما في ذلك الاحتجاز التعسفي والاختفاء القسري والتعذيب وسوء المعاملة والعنف الجنسي المرتبط بالنزاع. كما أن الضربات الصاروخية على البنية التحتية الحيوية، بما في ذلك منشآت الطاقة ومحطات الطاقة الكهرومائية، تعرض ملايين المدنيين. أكثر من 10 ملايين مستهلك- بما في ذلك العائلات والشركات والمستشفيات والمدارس- يواجهون انقطاعات في الكهرباء، والملايين محرومون من الإمداد المنتظم بالمياه والتدفئة».
وجاء في التقرير أن 90.3 في المئة من الإصابات في صفوف المدنيين نتجت عن أسلحة متفجرة ذات آثار واسعة النطاق- بما في ذلك قذائف المدفعية وصواريخ كروز والصواريخ الباليستية والغارات الجوية. ووقعت معظم هذه الغارات في مناطق مأهولة بالسكان، كما سجلت البعثة سقوط 632 ضحية مدنية – 219 قتيلا و413 جريحا – بسبب الألغام والمتفجرات من مخلفات الحرب.
ومن الأمثلة الواردة في تقرير تقصي الحقائق الذي يوثق ما يجري في أوكرانيا، ما ورد عن مدينة بوتشا: «كانت مدينة بوتشا من أكثر المدن تضرراً، حيث وثقنا مقتل 73 مدنياً (54 رجلاً و 16 امرأة وصبيين وفتاة واحدة). وعلى امتداد 150 مترا من شارع يابلونسكا، قُتل 14 مدنيا (10 رجال و 3 نساء وفتاة واحدة) بالرصاص وتركوا حيث سقطوا. إن مكتب المفوض بصدد إثبات 105 حالات قتل مزعومة أخرى للمدنيين في بوتشا».
وقد بين آخر تقرير لمجلس حقوق الإنسان حول حالة حقوق الإنسان في أوكرانيا والذي نشر يوم 21 شباط /فبراير 2023 بمناسة الذكرى السنوية الأولى للحرب بأن عدد القتلى من المدنيين الذين تم التأكد تماما من مصرعهم بلغ 8.006 و13.287 جريحًا، وقتل على الأقل 487 طفلاً وجُرح 954 آخرين، خلال الإثني عشر شهرا الماضية، بالإضافة إلى العديد من الأرواح التي قضت في السابق في سياق النزاع في شرق أوكرانيا. وهذه هي الخسائر في صفوف المدنيين التي تمكن فريق المجلس من التأكد منها. ولا يزال العديد من التقارير عن الضحايا المدنيين ينتظر التأكيد في مناطق أخرى من أوكرانيا، لا سيما في مواقع مثل ماريوبول (منطقة دونيتسك) وليسيتشانسك وبوباسنا وسيفيرودونيتسك (منطقة لوهانسك).
بالإضافة إلى ذلك، تلقت المفوضية معلومات بشأن وقوع 160 ضحية مدنية، من بينهم 30 قتيلاً و130 جريحًا في الاتحاد الروسي. ونظرا إلى عدم توفّر أيّ معلومات تثبت هذه الأرقام حتى اليوم، لم تدخل في مجموع الضحايا الإجمالية في التقارير المنشورة.
لقد تأثّر الجميع من دون أي استثناء، من كبار وصغار. فقد توقف تعليم الطلاب أو تعطّل بسبب الاعتداءات على المرافق التعليمية، فيما واجه كبار السن والأشخاص ذوو الإعاقة تحديات هائلة، فاستحال عليهم في بعض الحالات الوصول إلى الملاجئ أو اضطروا إلى قضاء فترات طويلة في الأقبية في ظلّ ظروف تؤثر على صحتهم. معظم الذين مكثوا في المناطق المتضررة من النزاع هم من كبار السن، الذين غالبًا ما يحجمون عن مغادرة المناطق الخطرة أو يكونون غير قادرين على مغادرتها.

الحرب وأثرها على الأطفال

من جهتها تابعت منظمة الأمم المتحدة للطفولة «يونيسف» أوضاع الأطفال خلال الإثني عشر شهرا من الحرب في أوكرانيا وتوصلت إلى نتيجة مفادها أن حياة الأطفال لم يسلم جانب واحد منها دون أن يتأثر بالحرب. إذ سقط مئات الأطفال بين قتيل وجريح، وأجبر الآلاف على ترك منازلهم وفقدوا متابعتهم للتعليم الأساسي وحرموا من فوائد البيئة الآمنة.
وقالت المديرة التنفيذية لليونيسف، كاثرين راسل، في بيان لها حول معاناة الأطفال في أوكرانيا في الذكرى السنوية للحرب: «عاش أطفال أوكرانيا عاما من الرعب. ينام ملايين الأطفال وهم يعانون من البرد والخوف، ويستيقظون على أمل انتهاء هذه الحرب الوحشية. قُتل الأطفال وأصيبوا بالجروح، وفقد الكثيرون ذويهم وإخوتهم، ومنازلهم ومدارسهم وملاعبهم. لا ينبغي أن يتحمل أي طفل هذا النوع من المعاناة».
أدت الأزمة الاقتصادية- إلى جانب أزمة الطاقة الناجمة عن الحرب- إلى تدهور رفاه الأطفال والأسر، حيث أبلغ عدد كبير من الأسر عن خسارة كبيرة في الدخل. ووفقا لمسح أجرته اليونيسف مؤخرا، أفاد 80 في المئة من المستجيبين بتدهور وضعهم الاقتصادي. ويشير المسح إلى تضاعف نسبة الأطفال الذين يعيشون في فقر من 43 في المئة إلى 82 في المئة. ويعتبر الوضع خطيرا بشكل خاص بالنسبة لـ 5.9 مليون شخص من النازحين حاليا داخل أوكرانيا. كما أثرت الحرب تأثيرا مدمرا على الصحة العقلية للأطفال ورفاههم، إذ يقدر أن 1.5 مليون طفل معرضون لخطر الإصابة بالاكتئاب والقلق واضطراب ما بعد الصدمة وغير ذلك من مشكلات الصحة النفسية، مع آثار وتداعيات محتملة على المدى الطويل. كما يفتقد آلاف الأطفال الفارين من الصراع في جميع أنحاء البلاد إلى لقاحات مهمة لحمايتهم من شلل الأطفال والحصبة والدفتيريا وغيرها من الأمراض التي تهدد الحياة.

العالم يتأثر

لقد ترددت أصداء هذه الحرب العبثية في جميع أنحاء العالم. فأدى ارتفاع تكاليف الغذاء والوقود الناتج عنها، إلى تعميق البؤس على نطاق عالمي، لا سيما بين الدول الأكثر ضعفًا خاصة وأن تلك الدول لم تتعاف بعد من جائحة الكورونا.
وكما قال مارتن غريفيثس، منسق الأمم المتحدة للشؤون الإنسانية، إن العالم يواجه أكبر أزمة غذاء في التاريخ الحديث، وإن المجاعة تطرق العديد من الأبواب، فيما تتعرض حقوق الإنسان، وخاصة حقوق المرأة، للهجوم الوحشي في العديد من الأماكن، مما يؤدي إلى معاقبة مجتمعات بأكملها».
إن الحل الأمثل في رأي المفوض السامي لحقوق الإنسان فولكر تورك: «يجب أن تتوقف هذه الحرب-التي تُعد إهانة صارخة لميثاق الأمم المتحدة والقانون الدولي بأسره والذي بُني لحماية البشر في كل مكان- ويجب وضع حد للخسائر البشرية الهائلة الآن».

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية