يرى بعض الباحثين في مسرحيات شكسبير أنه كان شديد الحذر في اختيار أبطاله خشية أن يثير غضب الملكة اليزابيث الأولى ( 1558-1603) التي كانت ترعى الأدب المسرحي، ويسعى الجميع في نيل رضاها وتجنب غضبها. فقد كانت الملكة شديدة القسوة على خصومها ومن تشكّ في ولائه لها، حتى ولو كان في خدمتها. ومن أمثلة ذلك أن سر والتر رالي الذي كان مُقرّباً منها وكان يصاحبها في نزهاتها الملكية على نهر التيمز، وكانت تناديه بتحبّب وتقلب اسمه من والتر إلى «ووتر» أي ماء، حاسبةً ذلك نكتة إنكليزية، لا تنقصها الحرارة! وكان الرجل فارسا وشاعراً وسياسياً ودبلوماسياَ مُقرّباَ من البلاط الملكي. ولكن ما إن شعرت الملكة بشيء من قلّة الولاء حتى رمت به سجينا في برج لندن «قلعة لندن» ثم أُطلق سراحه بعد حين، وأُعيد سَجنه في البرج نفسه. وهي التي حكمت على عدوّتها اللدود ماري، ملكة اسكتلندا، بالإعدام تحسّباً من قلّة الولاء لها. في هذا العهد ازدهر الأدب المسرحي وكان جميع الشعراء والمسرحيين يسعَون إلى رضاها ويتجنّبون غضبها وبطشها.
في هذا الجوّ نشأ شكسبير، القادم من ستراتفورد أون إيفن ضئيلة الإمكانات في التقدّم والنجاح لفتى لم يُكمل المدرسة ولكنه كان يطلب النجاح الذي لم يكن يحلم بمثله الجامعيون، وهو الذي كان «لا يعرف إلاّ قليلاً من اللاتينية وأقل من ذلك من الإغريقية».
وقد استطاع بعض الباحثين/ المؤرخين من متابعة الفترة التي عاش فيها ذلك البطل في مسرحية شكسبير، فاستطاعوا أو تخيّلوا أنهم استطاعوا تفسير ظهوره في تلك المسرحية، كأن يكون درءا لغضب الملكة أو تقرّباً منها، أو إذا كان ذلك البطل موضع استنكار أو استخفاف أو هجوم من الكاتب المسرحي. من ذلك مسرحية «تيمون الأثيني» وهي من مسرحيات شكسبير غير المعروفة بشكل واسع عند القارئ العربي. وقد نقلتُها إلى اللغة العربية وصدرت في سلسلة «من المسرح العالمي» الكويت 1977 ثم صدرت طبعتها الثانية من بيروت عام 1984 وكانت أول ترجمة إلى العربية.. البطل في هذه المسرحية أثيني واسع الثراء، لكنه غير حكيم في توزيع العطايا والهبات ومساعدة المحتاجين، بما في ذلك المجلس البلدي في مدينة أثينا نفسها. وعندما تتضاءل ثروة تيمون من كثرة ما أغدق من عطايا على أناس ثبت أنهم غير جديرين بالمساعدة، قرّر أن يعتزل الحياة ويحفر له قبرا على شاطئ البحر، ويحضّر رخامة كتب عليها: «هذا قبر تيمون كاره البشر».
لم يستطع الباحثون إصدار تفسير مقنع لوجود مثل هذه الشخصية لمسرحية كتبها شكسبير. هل كان شخصا ًعرفه المسرحي أو سمع عنه أو قرأ عنه من مصادر إغريقية مترجمة؟ ولكن هل تقديم هذه الشخصية فيه نوع من التحذير والنصيحة للملكة أو لكبار القوم من الموسرين أن لا يقدموا العون لمن لا يستحقه؟ هذا ما لم نجد جوابا شافيا عنه.
وفي مسرحية بعنوان «ريتشارد الثالث» يقدم شكسبير شخصية آخر ملوك «آل يورك» الذين قضى عليهم «آل تيودور» والذين منهم الملكة اليزابيث الأولى نفسها. وقد بالغ شكسبير في إظهار حَدبة ريتشارد والتشوّه في ساقه اليسرى وعدم توازي كتفيه. ولا أحسب هذا النوع من السخرية من العيوب الجسدية يستهوي المعاصرين من رواد المسرح، ولكن يبدو أنه كان مقبولاً في القرن السادس عشر، وربما أضحك الملكة نفسها في مقصورتها الفخمة وهي تشاهد المسرحية.
وقد كتب شكسبير عددا من المسرحيات عن ملوك بأسماء هنري من أجداد الملكة اليزابيث، يضفي عليهم جلائل الأعمال والبطولات. وفي هذا ما يكفي من تقرّب للملكة وتجنّب لغضبها.
والملوك الأشرار هم من غير الانكليز دائما، مثل مكبث الأسكتلندي بلد الملكة ماري التي تمقُتُها الملكة اليزابيث الأولى، وأمَرت بإعدامها. وفي تصوير ملك شرير هو غير انكليزي كفاية من تقرّب إلى الملكة الحاكمة.
والملوك غير الإنكليز في مسرحيات شكسبير ليست لهم من المحاسن وصفات النبل ما نجده عند الملوك الانكليز، أو من كان منهم يحمل إسم هنري. الملك أوثِلّو، عُطَيل أو عطاء الله، مغربي حاكم قبرص، يأخذنا بعيدا عن إنجازات الملوك الانكليز. والملك لير لا نعرف من أي البلاد هو، بل نعرف أنه ملك متسرّع متهوِّر قسَّم مملكته قبل أن يودِّع الحياة بين بناته الثلاثة قسمةً لم ينعم بها أحد. وهاملت أمير دنماركي وصحبُه ألمان من الجامعة الألمانية، وقد تسرّعت أمّه بالزواج من أخي زوجها المتوفّى «قبل أن يبرد طعام يوم الجنازة». وهذا تصرّف لا يليق بالأمراء أو الملوك الانكليز!
وربما كان شكسبير، إلى جانب خوفه الدائم من إغضاب الملكة اليزابيث الأولى، شأنه شأن المسرحيين المعاصرين والشعراء، كان يريد إرضاء الملكة على الدوام، ربما أكثر من خوفه من إغضابها. فهو يتحدث عن معركة «الأرمادا» التي قام فيها الأسطول البريطاني بتدمير الأسطول الإسباني فدمّر بذلك قدرة إسبانيا في المنافسة والتجارة. كانت إسبانيا تتحرش بالملكة إليزابيث وترغب في إزاحتها وتولية فيليب مكانها واستعادة انكلترا إلى الكثلكة.
ومن أمثلة اختيار شخصيات أو موضوعات ترضي الملكة، والنظام الحاكم في عهدها، اختيار ما يرضي الشعور العام السائد في القرن السادس عشر ولا يغضب الملكة بالنتيجة. كان المجتمع في القرن السادس عشر في انكلترا يكره اليهود كراهية شديدة، ولو أن عددهم لم يكن كبيراً في ذلك الزمان. نجد كريستوفر مارلو معاصر شكسبير يكتب مسرحية «يهودي مالطا» فتنتشر انتشاراً كبيراً وترفع المؤلف إلى درجة عالية من الشهرة. ثم نجد شكسبير نفسه يكتب مسرحية «تاجر البندقية» يقدم فيه شايلو (شيلوخ) صورة شنيعة للجشع وفرض نسبة عالية من الفائدة على ما يقرضه من مال إلى المحتاجين. كما يصوِّر كراهية اليهودي للعاشق المسيحي ولو أن ابنته هي المعشوقة وهنا إشارة واضحة إلى أن الإنكليزي المسيحي طيب القلب يقدر على الحب حتى تجاه اليهودية. لكن الأب اليهودي يٌمعن في كراهية الشاب المسيحي العاشق. ولكن براعة شكسبير في قلب الحالة الخطرة من احتمال موت العاشق لو استطاع أن يقتطع اليهودي قطعةً من صدر المسيحي عند إخفاقه في سداد ما استدان من المرابي الجشع، هذه البراعة في قلب الموقف الخطر هي التي ما كان المجتمع يريد أن يراه ويسمعه، وقد قدّمه له الشاعر/ المسرحي الكبير.
إذا كان اختيار الشخصيات التاريخية في المسرحيات التاريخية مسألة ليست بها حاجة إلى تفسير أو تسويغ فإن اختيار الشخصيات في المسرحيات الأخرى هي اختيارات متقصّدة من جانب المسرحي كذلك. مسرحية «روميو وجولييت» مثلا ًكانت توصف بأنها كوميديا، وهو ما يُستغرب في الوقت الحاضر، في الأقل حتى ندرك أن كلمة «كوميديا» عند أول استعمالها في العصور الوسطى كانت تفيد حكاية أو قصة عن موضوع جاد أو خطير. فقد كانت قصيدة دانته الكبرى «الكوميديا الإلهية» تفيد هذا المعنى الأصلي، لأنها حكاية عن موضوع جاد وخطير. يريد شكسبير أن يقول في هذه المسرحية إن الحب أكبر من أن يقف بوجهه خلافات بين أسرتين كبيرتين مثل أسرتي العاشقين روميو وجولييت، وإلاّ فالخسارة سوف تقع على الجانبين.