الناصرة ـ «القدس العربي»: يتزايد عدد المسؤولين والمسؤولين السابقين والمراقبين والمحللين في إسرائيل التحذير من أنها تقف على حافة الهاوية وتقترب من لحظة الغليان وبعضهم يقول «الانفجار» ويتحدث عن حالة احتراب داخلي أو حرب أهلية خاصة بعدما وضعت قدمها الأولى فيما يعرف بالأزمة الدستورية، التي تعني صدور أوامر متناقضة من الحكومة ومن المحكمة العليا للدوائر والمؤسسات الحكومية. ورغم القلق الإسرائيلي البالغ من دخول البلاد نتيجة هذا الانقسام لحالة احتراب أهلي ومسار تدمير ذاتي وربما بسببه، ومحاولة تجاهل الاحتجاجات وعدم الاكتراث بها وترميم هيبته، يخطط رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو للقيام بزيارة دبلوماسية إلى لندن الخميس المقبل بعد زيارتين في أسبوعين لروما وبرلين استدعت موجة انتقادات له ولزوجته سارة التي تحرص على مرافقته والتصرف بشكل عادي وسط تجاهل مريع للحرائق المنتشرة في إسرائيل. وكان رئيس إسرائيل يتسحاق هرتسوغ قد طرح تسويته الثانية لإخراج الدولة اليهودية من مأزق عميق وخطير غير مسبوق منذ قامت عقب نكبة 1948 لكن الائتلاف الحاكم سارع لرفضها وتوجيه أصابع الاتهام له بأنه منحاز للمعارضة ولمعسكر اليسار.
ويستند المحذرون من خطورة الانقسام كونه أعمق وأكبر وأخطر من نقاش على فصل سلطات وعلى مكانة المحكمة العليا فحسب، بل هو نتيجة انقسام عميق بين يهود غربيين وشرقيين وبين النخب، بين القيادة الرسمية الحالية للدولة وبين قيادات الدولة العميقة، بين متدينين وبين علمانيين، علاوة على الخلاف مع تيارات من المستوطنين ممن يدفعون لضم الضفة الغربية وبناء دولة يهودية من البحر للنهر وهذا ما تعتبره أوساط إسرائيلية واسعة تهديدا وجوديا لأن الضمّ يعني الإجهاز على إسرائيل كدولة يهودية وديمقراطية.
هرتسوغ من هذه الناحية وجد نفسه يصب الزيت على النار الإسرائيلية الداخلية بدلا من الماء. فقد قال رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو وقادة الائتلاف الحاكم أن هرتسوغ قد أخطأ وفوت فرصة تاريخية لإحراز تسوية يتوافق عليها الطرفان، بل ذهب بعضهم لقول ما معناه بالعربية إن هرتسوغ «عماها بدلا من أن يكحّلها». وتضمن المقترح الذي طرحه هرتسوغ عدم منح الائتلاف الحكومي أغلبية في لجنة تعيين القضاة، حيث ستضم اللجنة 11 عضوا، 5 فقط للائتلاف ما يعني منع الطبقة السياسية من تعيين القضاة وهذا أمر تعتبره المعارضة أخطر مشاريع «الانقلاب القضائي».
أغلبية الإسرائيليين ضد حكومتهم
كما ينص مقترح هرتسوغ على سن «قوانين أساس» في أربع قراءات (بدلا من ثلاث) وبأغلبية 80 صوتا بدلا من 61. وبموجب مقترحه، لن تكون المحكمة العليا قادرة على إجراء مراجعة قضائية دستورية لقوانين الأساس، وستكون قادرة فقط على إلغاء القوانين العادية وفي المجمل تكفل تسوية هرتسوغ التفصيلية الإبقاء على فصل السلطات الثلاث وحماية مكانة محكمة العدل العليا مع بعض الإصلاحات التي تحد من هيمنة السلطة القضائية خاصة المحكمة العليا. وفي ظل إعلان المعارضة عن تأييدها للتسوية المقترحة من قبل هرتسوغ تواصل قيادة الائتلاف الحاكم الطعن فيها وتمضي في تشريع المزيد من القوانين التي ستغير جوهر النظام السياسي الإسرائيلي وتزيد من الاعتداءات على حقوق الفلسطينيين في طرفي الخط الأخضر بعدة مستويات واتجاهات.
انقسام الإسرائيليين
وأظهر استطلاع الجمعة، أن النسبة الأعلى تؤيد مقترح الخطة القضائية الذي طرحه الرئيس الإسرائيلي، يتسحاق هرتسوغ، كبديل لخطة الحكومة لإضعاف جهاز القضاء. ووفقا للاستطلاع أيضا، فإن قوة أحزاب الائتلاف اليميني في الكنيست ستتراجع إلى أقل من 60 مقعدا في حال إجراء انتخابات الآن. وعبر 42 في المئة عن تأييدهم لمقترح هرتسوغ، حسب الاستطلاع الذي نشرته صحيفة «معاريف» فيما عارضه 34 في المئة، وقال 24 في المئة إن لا رأي لديهم حول الموضوع. وأيد 69 في المئة من ناخبي أحزاب المعارضة مقترح هرتسوغ، بينما عارضه 65 في المئة من ناخبي أحزاب الائتلاف، وأيد 15 في المئة من ناخبي أحزاب الائتلاف المقترح.
شبح الحرب الأهلية
على خلفية ذلك تتصاعد المظاهرات والاحتجاجات وتزداد لغة التخاطب المعتمدة في إسرائيل اليوم كراهية واستعداء بشكل غير مسبوق، ما يدفع أوساطا إسرائيلية للتحذير من وقوع ما يحمد عقاه وبعضهم يخشى من سهولة الانزلاق لحرب أهلية تبدأ وتنشر نارها لسرعة كبيرة نتيجة وقوع سفك دم أو جريمة قتل. في إطار «يوم تصعيد الكفاح ضد الديكتاتورية» تتواصل التظاهرات وإغلاق الشوارع في مختلف أنحاء إسرائيل ضد خطة الإصلاحات القضائية التي تعتبرها المعارضة انقلابا على النظام تفضي بالضرورة إلى نظام دكتاتوري. خرج مئات الآلاف من الإسرائيليين المتظاهرين في نهاية الأسبوع الماضي إلى الشوارع في جميع أنحاء البلاد. وفي إطار «يوم تصعيد الكفاح ضد الديكتاتورية» قاموا بإغلاق طرق والاحتجاج على مضيّ الحكومة قدماً في العملية التشريعية المثيرة للجدل، لإصلاح النظام القضائي جذرياً، وتقييد صلاحيات المحكمة العليا.
زيادة الاعتقالات
وقال العديد من المتظاهرين إنهم قرروا الخروج إلى التظاهر لأن الحكومة لم تُظهر أيّ علامات تدل على إبطاء جهودها التشريعية، وفي إثر قيامها برفض اقتراح بديل من الإصلاح القضائي، طرحه هرتسوغ. وقال بيان صادر عن الناطق بلسان الشرطة الإسرائيلية إنها اعتقلت ما لا يقلّ عن 21 شخصاً في عدة مواقع، بينهم سائقان متهمان برشّ الفلفل على متظاهرين قطعوا الطريق. وفي تل أبيب، قامت شرطة الخيالة مرتين بإجلاء متظاهرين اقتحموا المتاريس على طريق أيالون السريع وأغلقوه لمدة نصف ساعة على الأقل رغم استخدام قنابل غازية وصوتية.
كما اعتقلت الشرطة متظاهريْن في مدينة حيفا، وقالت إنهم اعتُقلوا لتدخُّلهم في جهود الشرطة للحفاظ على النظام للاشتباه في اعتدائهم على أحد المتظاهرين. وفي حين أن معظم الاحتجاجات كانت سلمية إلى حد كبير، تم القبض على شخصين بتهمة رشّ المتظاهرين الذين أغلقوا الطريق أمام مركبتيهما في تل أبيب برذاذ الفلفل. وعقب هذا الحادث، ندّد رئيس حزب «يوجد مستقبل» وزعيم المعارضة عضو الكنيست يائير لابيد بما وصفه بأنه تصاعُد العنف ضد المتظاهرين، وألقى باللوم على الحكومة.
إخوة في السلاح
وكتب لابيد في تغريدة نشرها في حسابه الخاص على موقع «تويتر»: «إن العنف ضد المتظاهرين آخذ بالازدياد والمسؤولية عن ذلك تقع على عاتق حكومة إسرائيل. أدعو المسؤولين في الحكومة إلى التوقف عن التحريض على المتظاهرين. إنهم متظاهرون إسرائيليون رائعون، وأنتم مسؤولون عن سلامتهم» وخرجت احتجاجات أيضاً أمام القنصلية الأمريكية والسفارة البريطانية في تل أبيب، حيث حثّ المتظاهرون الإدارة الأمريكية والحكومة البريطانية على الضغط على الحكومة الإسرائيلية.
وقادت احتجاجات الأيام الأخيرة مجموعة من جنود الاحتياط في الجيش الإسرائيلي، المعروفين باسم «الإخوة في السلاح» كما قامت مجموعة من قدامى المحاربين في سلاح البحر بإغلاق مدخل ميناء حيفا. وأنشأت مجموعة أُخرى «مركز تجنيد للجيش» خارج مبنى البلدية في مدينة بني براك لليهود الحريديم وقالت: «جئنا لننقل عبء التجنيد إلى السكان اليهود المتشددين، لأنه إذا قامت الديكتاتورية عندنا، فسيتعين علينا المجيء إلى هنا للتجنيد. نكرر أنه من دون ديمقراطية، لا يوجد جيش الشعب».
وكان منظّمو احتجاجات أكدوا في بيان صادر عنهم أن هذه الاحتجاجات تشكّل الفرصة الوحيدة لوقف انقلاب النظام، بعد أن سارع نتنياهو وأعضاء ائتلافه إلى رفض اقتراح هرتسوغ، واشتمل على إطار عمل متفق عليه، بديل من حزمة التشريعات المثيرة للجدل التي تطرحها الحكومة.
هل يكسر نتنياهو إسرائيل؟
وفيما يشبه قرع الجرس بأعلى صوت حذّر رئيس الشاباك السابق نداف أرغمان في مقابلة مع القناة العبرية 12 من أن الاستمرار في إجراء الإصلاحات القضائية من قبل حكومة نتنياهو سيقود لنظام دكتاتوري يقوّد المؤسسة الأمنية، مؤكدا أن نتنياهو يتصرف كمن فقد الفرامل والضوابط. وهذا ما فعله عدد من قادة المؤسسة الأمنية السابقة ممن بدأوا يتظاهرون مقابل بيوت الوزراء الإسرائيليين ويحذرون من المنزلق الأمني الخطير الذي من شأنه دفع إسرائيل لمسار التدمير الذاتي من دون أي مساعدة من عدو خارجي ومن أبرز هؤلاء رئيس الاستخبارات العسكرية الأسبق الجنرال في الاحتياط عاموس يادلين في حديث للقناة العبرية 13. وتبعته بذلك دوريت بينيش رئيسة سابقة للمحكمة الإسرائيلية العليا التي أكدت أن الاستمرار في هذا الانقلاب الدستوري وحملات الحكومة على مستشارتها القضائية سيفضي للهاوية وسيفتح الباب أمام مقاضاة ضباط إسرائيليين في محكمة الجنايات الدولية. يذكر أن صحيفة «ايكونومست» الاقتصادية البارزة كانت قد كرّست صدر صفحتها الأولى يوم الجمعة تحت بشأن الصراع الإسرائيلي الداخلي تحت عنوان درامي يتساءل: هل يكسر نتنياهو إسرائيل؟