د. سعيد الشهابي منذ سقوط الخلافة العثمانية قبل تسعين عاما بقيت الامة متعطشة لكيان يجمع شملها بعد ان قام الاستعمار الغربي بتمزيق وحدتها وتكريس الحدود المصطنعة التي أطرت الدولة القطرية المستمرة حتى الآن. فكتب المفكرون والادباء حول ضرورة الوحدة، وكلما ظهر مؤشر لشيء منها تصاعدت معنويات الجماهير وهتفت من اجلها. ويستحضر من تبقى من جيل الاربعينات حالة النشوة التي انتشرت في اوصال الامة عندما اعلن عن مشروع الوحدة بين مصر وسورية (1958-1961)، التي لم تستمر سوى ثلاثة اعوام عاصفة انتهت ومعها أحلام الوحدة لدى الكثيرين. كان الامل بان يكون انتهاء الوصاية الاستعمارية على البلدان العربية مدخلا لعصر من التقارب والتآلف، ولكن نصف القرن اللاحق شهد تعمق ظاهرة الاستبداد التي هيمنت على الدولة القطرية وحالت بين شعوبها وتحديد المصير. وانشغلت الحركات المعارضة طوال نصف القرن الاخير بالنصال من اجل الحرية ضمن الدولة القطرية، بينما وجدت النخب المتحكمة في شؤون البلاد والعباد نفسها، وهي الوكيلة الجديدة للاستعمار القديم، متعاونة في ما بينها ليس من منطلق الرغبة في الوحدة بل لتكريس الحدود الجغرافية. فكأن التاريخ يعيد نفسه، اذ أدى سقوط دولة المسلمين في الاندلس قبل اكثر من خمسة قرون الى قيام الممالك الصغيرة وتنامي ظاهرة ‘ملوك الطوائف’، وهي ظاهرة شهدت مصاديق لها في العقود الخمسة الاخيرة. فبعد فشل مشروع الوحدة المصرية السورية طرحت مشاريع لتوحيد البلدان المتجاورة، فاعلن القذافي عزمه عن الاتحاد مع مصر، وطرحت افكار حول وحدة مصرية سودانية. وكان آخر التجارب الوحدوية توحد شطري اليمن قبل عشرين عاما، ولكنها كانت تجربة مريرة ادت الى تصاعد المطالبة بالانفصال بسبب نمط حكم علي عبد الله صالح الاستبدادي. وبالاضافة لمشروع جامعة الدول العربية الذي طرح في الاربعينات، وهو مشروع لا يعبر عن الوحدة التي تدور في الاذهان، طرحت مشاريع تقارب اقليمية، مثل منظمة المؤتمر الاسلامي والاتحاد المغاربي ومجلس التعاون الخليجي. ولم يخف على المراقبين ان منظمة المؤتمر الاسلامي كانت ردا سعوديا على ‘الجامعة العربية’ التي اعتبرتها ذراعا لعبد الناصر تحت شعار الوحدة العربية.
الملاحظ ان التوجهات للتقارب والتعاون في العالم العربي انطلقت في اوقات التوتر السياسي او التهديد الامني، وكانت تعبر في اغلبها عن رغبات الحكام في حماية انظمتهم وليس عن قرار حقيقي بتوحيد شعوب الامة. فالوحدة الحقيقية لا تتحقق الا عندما تتلاشى الحدود ويعطى للشعوب حق تقرير مصيرها، وتقوم الدولة الموحدة على اساس القيم المشتركة، الدينية او الثقافية او السياسية بين الشعوب. اما التحالفات الاقليمية فقد تقوم هنا وهناك ولكنها ليست محكومة بالبقاء والنجاح خصوصا اذا اقيمت بدون ان يعطى للشعوب الحق في مناقشتها قبل اقرارها او رفضها. ويستحيل تحقيق الوحدة في ظل انظمة الاستبداد والقمع المتحكمة في مصائر الشعوب العربية. فهذه الانظمة مستعدة لارتكاب ابشع الجرائم من اجل اضعاف مناوئيها لكي تبقى في الحكم. فبالاضافة للحكم الديكتاتوري وما يتضمنه من قمع واعتقال تعسفي وتعذيب وقتل خارج القانون، اصبح الاعلام الرسمي قادرا على اثارة الفتن بين ابناء الوطن الواحد لاسباب تافهة. فهل يعقل ان يصل الاختلاف حول مباراة بين بلدين الى حد القتل وسحب السفراء كما حدث بين مصر والجزائر قبل عامين؟ هل يمكن تصور قيام نظام عربي بطرد آلاف الفلسطينيين بسبب الاختلاف في موقف سياسي كما حدث في ليبيا قبل خمس سنوات؟ وهل من الاخلاق او الضمير في شيء ان تقطع ارزاق آلاف اليمنيين العاملين في السعودية بسبب موقف اليمن الرافض للحرب الغربية ضد العراق في 1991؟ وهل يجوز ان تتهدد ارزاق اكثر من مليوني مصري يعملون في السعودية بسبب تداعيات ثورة مصر؟ وهل يعقل ان يعمد حاكم لاستبدال شعبه بشعب آخر كما يفعل نظام الحكم في البحرين لان الشعب يطالب باصلاحات سياسية حقيقية؟ هذه النماذج من المواقف والسياسات لا تعبر عن تفكك الامة بقدر ما هو تعبير عن تعمق حالة الاستبداد وظاهرة الحكم الفردي او الحكم العائلي في امة تستحق معاملة افضل كثيرا مما تواجهه في ظل تعملق ظاهرة الدولة القطرية.
الوحدة اذن مطلب مقدس لدى الملايين من ابناء هذه الامة. ولكن هذه الرغبة يجب ان لا تستغل لتمرير مشاريع تبدو في ظاهرها وحدوية ولكنها تستبطن تكريس ظاهرة الاستبداد والديكتاتورية ضمن اتفاقات امنية وعسكرية واقتصادية، بعيدا عما يتطلع اليه مواطنو تلك البلدان. وعندما اعلنت السعودية في قمة الرياض لمجلس التعاون الخليجي في شهر ديسمبر الماضي عن مشروع اتحاد خليجي اصيب الكثيرون بالذهول. وفيما طبلت ابواق الانظمة لهذا المشروع وطرحته كمشروع وحدوي يستحق الدعم، فهم المناضلون في البحرين وكذلك المراقبون الاقليميون ان ذلك المشروع ليس وحدويا بقدر ما هو مشروع امني فرضته ثورة البحرين من جهة وثورات الربيع العربي من جهة اخرى. وشعر الكثيرون انه ليس مشروعا مهيأ للنجاح لاسباب عديدة: اولها انه طرح بسرعة فائقة وبدون اعداد كاف او تخطيط مناسب، وبدا للمراقبين ان الملك السعودي الذي طرحه لم يستوعبه تماما ولم يقرأ مضامينه وتجلياته المستقبلية. مع ذلك حظي المشروع بالتصفيق من اجهزة الاعلام في البلدين التي طرحته بصور مختلفة. فهو تارة ‘تعبير عن ضرورة تاريخية لجمع دول مجلس التعاون’ واخرى انه ‘تطور طبيعي لمشروع مجلس التعاون بعد اكثر من ثلاثة عقود على تأسيسه’ وثالثة انه ‘ضرورة يقتضيها التصدي للتهديدات الايرانية’. ايا كان الامر فان ا حدا لم يهضم فكرة اتحاد خليجي يدرك الجميع انه سيكون لقمة سائغة بايدي السعودية، ولن يحقق اكثر مما حققه مجلس التعاون الخليجي. فاذا كان ذلك المجلس قد استغرق عشرين عاما قبل ان يصل الى اتفاق بشأن التعرفة الجمركية المشتركة، فكيف يستطيع اقامة اتحاد كامل لدوله؟ واذا كان عاجزا عن الدفاع عن حدود دوله برغم ما تمتلكه تلك الدول من امكانات عسكرية انفق عليها مئات المليارات، فما الجديد الذي سيحدث؟ فقد اعتمدت دول المجلس على التحالف الغربي بقيادة امريكا للتعاطي مع ازمة الاجتياح العراقي للكويت، ولم يكن للسعودية اي دور في صد الاجتياح او مواجهته. ولم تنجح السعودية في سياساتها الاقليمية او الدولية طوال العقدين الاخيرين، بل اصبحت تعتمد بشكل كامل على الولايات المتحدة في شؤونها الدفاعية. ولم تتعاف الرياض بعد من صدمة اجتياح الكويت وعجزها الكامل امام ذلك التحدي، وكيف ادى ذلك الى تواجد القوات الامريكية في كافة دول مجلس التعاون وذلك نتيجة شنها الحرب ضد القوات العراقية في الكويت. وكان من نتيجة تلك الحرب تمركز امريكا في المنطقة، الامر الذي اتاح لها لاحقا التدخل العسكري لاسقاط نظام صدام حسين. فما دامت كل من دول مجلس التعاون معتمدة على الدعم العسكري الامريكي الذي يتخذ قواعد له في كل دول المجلس، فما جدوى الاتحاد مع السعودية؟ يضاف الى ذلك انه في غياب الدولة الجامعة لهذه المشيخات، فان اي توحد مع السعودية يعني هيمنة العائلة الحاكمة فيها على المطلقة وذوبان الطرف الآخر. فالسعودية لا تؤمن بالتعاون المؤسس على المساواة، بل على الاستحواذ والهيمنة. وبالرغم من سعة اراضي الجزيرة العربية التي تبلغ مساحتها حوالي مليونين وربع مليون ميل مربع، فان الرياض حتى الآن لم تستطع حسم القضايا الحدودية مع جاراتها الخليجيات. فلديها اولا مشكلة حدودية مع الامارات. وقد رفضت الاعتراف بدولة الامارات بعد قيامها في 1971 بعد الانسحاب البريطاني من الخليج، لان الامارات رفضت ترسيم الحدود والزحف السعودي على اراضيها، ولم يتم تبادل السفراء بينهما الا في 1974. وفي الاعوام الاخيرة تفاقمت المشكلة الحدودية بعد ان وضعت السعودية يديها على حقل الشيبة وبدأت انتاج النفط منه، الامر الذي اغضب الامارات حتى الآن لاعتقادها ان الحقل يقع ضمن حدودها. وبرغم صمت العائلة الحاكمة في البحرين على المسألة الحدودية، فان هناك شعورا بان السعودية قضمت جزءا كبيرا من منطقة حقل ابوسعفة منذ الخمسينات، واعترفت قبل عشرين عاما بحق البحرين في نصف انتاجه النفطي، ولكن بشرط ان تتحكم الرياض في عملية الانتاج والبيع. واستولت السعودية على جزر صغيرة تابعة للبحرين ومن بينها ‘البينة الكبرى’ و’البينة الصغرى’ فيما لاذت حكومة البحرين بالصمت. اما الكويت فما تزال تسعى لترسيم الحدود البحرية والجرف القاري مع السعودية، ولكن الخلاف حول ذلك يحول دون الترسيم. فبعد حرب 1991 بقيت القوات السعودية على الحدود مع الكويت وتمركزت في جزيرة قاروه واحدثت تغيرا على الحدود ما يزال يحول دون ترسيم الحدود البحرية. يضاف الى ذلك شعور حكام دول مجلس التعاون الآخرين بان السعودية فقدت المبادرة في ادارة الملفات السياسية التي تصدت لها، وبالتالي فمن الصعب الدخول معها ضمن اطر اتحادية جادة. فمجلس التعاون الذي يكمل هذا الاسبوع 31 عاما من وجوده، لم يستطع احداث نقلة نوعية في العلاقات بين دوله التي تترنح بفعل الظروف الاقليمية او الداخلية. وبرغم الحديث عن العملة الخليجية الموحدة ما يزال التكامل الاقتصادي غائبا مع تكرر المشاريع الصناعية في دول المجلس. اما التكامل العسكري فقد بقيت قوات درع الجزيرة شاهدة على صعوبة الاتفاق على تطويرها لتكون صمام امام دفاعي للدول. فبعد تشكيل تلك القوات من عشرة آلاف جندي توقف تطويرها بشكل جاد. وعندما طرحت سلطنة عمان في 1992 زيادة عدد قواتها الى مائة الف لم يحظ الاقتراح باهتمام سعودي يذكر. فكيف يمكن توحيد هذه الدول في ظل الاختلاف في الرؤى والاولويات؟ وفيما كان قادة دول مجلس التعاون يجتمعون في الرياض الاسبوع الماضي لمناقشة المشروع السعودية لـ ‘الوحدة’ كان وفد عسكري عماني رفيع المستوى ينسق مع الايرانيين حول القضايا العسكرية. وقد جاء رد دول المجلس على المقترح السعودي بالاتحاد فاترا. فكيف تستطيع الكويت التي مضى على كتابة دستورها وتجربتها الانتخابية خمسون عاما الدخول في اتحاد مع دولة ترفض كتابة دستور دائم لها بدعوى ان القرآن هو الدستور؟ المرأة الكويتية التي مارست قدرا من الحرية بالتصويت والترشح لمجلس الامة، لن تقبل بالانتماء لاتحاد مع السعودية التي لا تسمح حتى الآن للمرأة بسياقة السيارة. ولذلك قال احمد السعدون، رئيس مجلس الامة يوم امس في معرض تعليقه على المشروع السعودي للاتحاد: ‘الأمر الحتمي ان هذا التطوير لا يتحقق الا من خلال انظمة متشابهة منفتحة على شعوبها خاصة في مجال حقوق الإنسان والحريات العامة بما في ذلك حرية التعبير عن الرأي والمشاركة الشعبية في صنع القرار’. وفي حديث سابق في شهر فبراير قال السعدون: ‘لا يمكن أن يكون هناك اتحاد بين دول طبيعة أنظمتها السياسية مختلفة، حيث لا يمكن أن تتحد الكويت – مثلاً – كدولة تتمتع بقدر من حرية التعبير والتمثيل الشعبي وقدر من حق الناس في إدارة شؤونهم، مع دول تعج سجونها بالآلاف من مواطنيها لأنهم عبروا عن آرائهم’، بحسب تعبيره.
ماذا يعني ذلك؟ ان مشروع الاتحاد الخليجي فكرة سعودية فهمها الكثيرون انها تنطلق من رغبة في التوسع وليس في تحقيق الوحدة الحقيقية المنشودة. وهناك عدد من الامور في هذا الجانب: اولها ان الوحدة تنطلق من قاعدة الهرم وليس من قمته، والا اصبحت مفروضة وبالتالي غير متوفرة على شروط النجاح. ثانيها: انها يجب ان تتم بين الشعوب اولا، وذلك بصهرها مع بعضها واذابة الحدود في ما بينها، وفتح المجال امامها للمشاركة السياسية بالانتخاب واختيار الحكومة وادارة الملفات الجوهرية، وهذا غير متحقق في الوضع الخليجي القائم. ثالثها: ان من الضروري لاي مشروع جاد استفتاء المواطنين بشأنه، فما لم يحظ بدعم واسع فلن ينجح، ولن يختلف مصيره عما حدث لمشاريع الوحدة السابقة التي تمت الاشارة اليها. رابعها: ان الاتحاد لا يتحقق الا اذا اطمأنت القلوب والنفوس بان الاتحاد لن يكون مصيدة يصطاد الطرف القوي بها الطرف الاضعف ويصادر وجوده وحقوقه ويحرمه من الشراكة الحقيقية على قدم المساواة. خامسها: ان اي اتحاد يجب ان يخطط له على مدى سنوات، يتم خلالها عرضه للنقاش الشعبي المفتوح، ويعرض لعملية نقد طويلة حتى يستكمل شروط النجاح والتوافق قبل تحويله الى مشروع على ارض الواقع. سادسها: ان الا تحاد لا يتم في ظل الاحتلال، كما هو الحال القائم، حيث القوات السعودية اخترقت الحدود البحرينية وساهمت في قمع ثورة شعبها وهدم مساجد المواطنين في وضح النهار. فلا بد من انسحاب القوات السعودية قبل التفكير في اي مشروع وحدوي، لان ما يسمى الاتحاد في هذا الظرف سيكون ضما عمليا للبحرين وليس اتحادا معها خصوصا في ظل الرفض الشعبي الواسع. سابعها: ان الوحدة لا تقوم الا بين شعوب تمارس حقوقها الديمقراطية وتجتمع مع بعضها ويستحيل ان تنجح في ظل الاستبداد والديكتاتورية والقهر. وفي الوقت الذي يتطلع مواطنو دول مجلس التعاون الخليجي لمستقبل وحدوي يزيل الحدود والفوارق، فانهم يعلمون ان الوقت ما يزال بعيدا لتحقيق اتحاد حقيقي، خصوصا مع استمرار تغييب الحراك الديمقراطي والتمثيل الشعبي، والوجود العسكري الاجنبي الجاثم على صدور المواطنين. ان هناك رغبة جامحة للتوحد لكن ضمن الظروف التي توفر للمشروع فرصا واقعية للنجاح، وليس تحت عناوين تخفي مضامين توسعية واستبدادية اقسى، وتنطوي على التصدي لقوى التحرر ودعاة الديمقراطية وحقوق الانسان والقضاء عليها. ‘ كاتب وصحافي بحريني يقيم في لندن