تجدد التحريض الإسرائيلي على شهر الرحمة والغفران: التوّترات والشرور منبعها التهويد والاستيطان

وديع عواودة
حجم الخط
1

الناصرة ـ «القدس العربي»: منذ سنوات تطال ماكنة الدعاية الإسرائيلية شهر رمضان الفضيل فتشيطنه وتحوله من شهر البركات والرحمة لشهر «الإرهاب» والتصعيد والتوتر والصدام، وسط محاولة سافرة لقلب الحقيقة. فالتوتر وسفك الدماء هو نتيجة الاحتلال والاستيطان. وقائمة الضحايا لا تكذب، فمنذ بدء العام قتلت قوات الاحتلال 80 فلسطينيا مقابل مقتل 15 إسرائيليا. ولكن الأهم وبما يتعدى معادلات الدم فهل هناك من لديه نصف عقل ويقبل فعلا الحديث عن السلام والوئام في رمضان وبقية شهور العام وهناك شعب محتل وشعب آخر تحت الاحتلال؟ هل يعقل أن يكون هناك سلام بين راكب ومركوب؟ يتساءل الفلسطينيون فما بالك والحديث يدور عن تصعيد المداهمات والاعتقالات وجرائم القتل من قبل جيش الاحتلال ومن قبل المستوطنين وعن انتهاكات متصاعدة للحرم القدسي الشريف وسط مخططات مكشوفة لتقاسم الأقصى في المكان والزمان على غرار الحرم الإبراهيمي في الخليل؟ يجري ذلك هذا العام مع حكومة نتنياهو السادسة التي تعتبر أكثر حكومة يمينية من بين الحكومات الإسرائيلية، كما حصل أيضا مع سابقتها حكومة «الوسط-يسار» برئاسة بينيت ولابيد، كما تدلل المعطيات حول آلاف المستوطنين ممن يقتحمون الحرم القدسي تحت حماية قوات الاحتلال. بل يشارك وزراء في هذه الانتهاكات ويخطط وزير الأمن القومي المستوطن المتطرف إيتمار بن غفير المدان بالإرهاب في محاكم إسرائيلية لاقتحام جديد كما فعل قبل نحو ثلاثة شهور. ولا يكتفي المعتدون بالانتهاكات والاعتداءات الفعلية بل تضاف لها تصريحات استفزازية تنطوي على نوع من دس الإصابع بعيون الفلسطينيين كالدعوة لمحو حوارة والزعم أنه لا يوجد شعب فلسطيني علاوة على التهديدات بهدم مئات الشقق السكنية في مدينة القدس التي لا تنجو مقدساتها المسيحية من هذه الاعتداءات المتتالية في النهار والليل وتبلغ حد محاولة إحراق الكنائس من دون مكافحة السلطات الإسرائيلية هذه الجماعات اليهودية الغيبية المتشددة والعنصرية.

رسميا وعلى مستوى التصريحات الإعلامية لا تتوقف المستويات السياسية والأمنية عن التشدق بالحديث عن حرية العبادة واحترام مشاعر المسلمين في رمضان، لكن على الأرض يستكثر جنود الاحتلال جلوس الشباب الفلسطينيين في مداخل وأبواب البلدة القديمة في القدس بل ويجري التحرش بهم والاعتداء عليهم.
قبل بضعة أسابيع، قرّر الوزير بن غفير ورئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو تشكيل فريق لمعالجة «التحريض على الإرهاب» برئاسة الوزير بن غفير. عرضَ أعضاء الفريق للوزير خطّة عملهم، ومن ضمنها تغيير التشريعات الموجودة حاليًا قيد العمل والمناقشات، وأشاروا إلى أهميّة التعاون بين جميع الجهات. وفي هذا المضمار قال الوزير بن غفير الذي تنعته المعارضة بـ «وزير التيكتوك» لانشغاله المرضي بنشر منشورات في منتديات التواصل الاجتماعي والتصرف برعونة، إنه في هذه الأيّام، ومع قدوم شهر رمضان، تزداد أهميّة التصدّي «للتحريض وقمع الإرهاب» وتابع مهددا «لن نقبل ولا بأيّ شكل من الأشكال أيّ تشجيع على العنف والعمليّات الإرهابيّة، في أيّ مكان وأي زمان».

القوات الإسرائيلية تستعد لشهر رمضان

وتبعته شرطة الاحتلال التي قالت إنها ستنشر المزيد من الضباط حول المدينة القديمة وقت صلاة الجمعة خلال الشهر الكريم، وحذرت من تحريض الجماعات المسلحة على العنف وأن الجيش الإسرائيلي يعتقل المحرضين بشكل استباقي. وفقا لصحيفة «هآرتس» قال مسؤولون عسكريون خلال اجتماع مع وزير الأمن يوآف غالانت إن الاضطرابات الإسرائيلية المستمرة في الداخل، وتراجع شعبية السلطة الفلسطينية، وتصاعد الهجمات القومية اليهودية، وأفعال وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير جميعها تساهم في الأوضاع شديدة التقلب في الضفة الغربية. وضمن هذه التحرشات الإسرائيلية حذرت شرطة الاحتلال من «الأشخاص الذين يحاولون استغلال الأعياد لنشر التحريض على وسائل التواصل الاجتماعي والإشاعات الكاذبة والمعلومات المضللة، لا سيما فيما يتعلق بالأماكن المقدسة». كما في العام الماضي عادت شرطة الاحتلال مجددا لتسوق أكاذيب وقلب الحقائق بالقول إن الفصائل والعناصر المسلحة استخدمت في الماضي شهر رمضان للتحريض على أعمال شغب في القدس وتساندها وسائل إعلام عبرية تشارك في شيطنة رمضان وجعله «شهر الإرهاب» وفي التحريض على الشعب الفلسطيني بطرق مختلفة.

من يحرّض على من؟

في هذا المضمار رصدت وكالة الأنباء والمعلومات الفلسطينية «وفا» التحريض والعنصرية في وسائل الإعلام الإسرائيلية في الفترة ما بين 12 آذار/مارس الجاري وحتى 19 منه. وتُقدم «وفا» في تقريرها رصدًا وتوثيقًا للخطاب التحريضي والعنصري في الإعلام الإسرائيلي المرئي، والمكتوب، والمسموع، وبعض الصفحات على مواقع التواصل الاجتماعي لشخصيّات سياسيّة واعتباريّة في المجتمع الإسرائيلي. وضمن سياسة الإعلام الإسرائيلي في تسليط الضوء على ما يسميه «فقدان السيادة» نشرت صحف «مكور ريشون» و«يسرائيل هيوم» مقالات سلطت الضوء فيها على تنفيذ عدة مشاريع في منطقة سبسطية، وعلى محاولات الفلسطينيين «تخريب كهوف الدفن» من فترة «الهيكل الثاني».

نفقد السامرة القديمة

وتحت عنوان «نحن نفقد السامرة القديمة: السلطة الفلسطينية تقوم بتعبيد شارع في سبسطية» كتبت «مكور ريشون» «يتصاعد تدمير السلطة الفلسطينية لموقع السامرة القديم، إذ أعلنت بلدية سبسطية على صفحتها في فيسبوك أنها مهدت طريقا دائرية داخل أراضي السامرة القديمة». وادعت «أن أعمال شق الطريق التي اخترقت قلب الموقع الأثري والتاريخي بمساحة تمتد من المنطقة (بي) وتستمر 400 مترٍ في المنطقة دمرت جدارا من فترة الرومان، وتم اقتحام ونهب وتخريب كهوف الدفن من فترة الهيكل الثاني، كما ألقى (نشطاء السلطة الفلسطينية) جثث الخنازير في المقابر القديمة في محاولة لمنع علماء الآثار الإسرائيليين من الدخول لفحص أبعاد الدمار». ونقلت عما يسمى «حراس الأبدية»: «نحن نخسر السامرة القديمة. التدمير بدأ منذ أكثر من شهر دون أي رد فعل حقيقي، ودون توقيف أي من منفذي التدمير من السلطة وبلدية سبسطية، والآن أيضا تدنيس القبور. يجب أن ترد الحكومة الإسرائيلية على الفور وبشدة».
وفي مقالة صحيفة «يسرائيل هيوم» التي تعتبر بوقا لرئيس حكومة الاحتلال نتنياهو تحت عنوان «الخطة التي ستوقف الضرر الفلسطيني لسبسطية بعد الهدم الفلسطيني: مخطط لترميم الموقع الأثري» تطرقت إلى المخطط الإسرائيلي «لترميم الموقع الأثري في سبسطية، الذي تقع فيه عاصمة مملكة إسرائيل، وفتحه أمام السياح الإسرائيليين». ونقلت الصحيفة عن رئيس مجلس شومرون الاستيطاني: «إذا لم نقم بذلك سريعًا، سيتم محو الموقع». وقالت الصحيفة «ضرر ممنهج أحدثته السلطة الوطنية الفلسطينية في سبسطية، يقابله مخطط يهدف إلى تنظيم الموقع بعد سنوات عديدة وفتحه لدخول السياح الإسرائيليين بشكل منظم. تقدر الكلفة الأولية بحوالي 6 مليون شيكل، والتي سيتم تمويلها من قبل وزارة حماية البيئة ووزارة التراث».

«السلطة تدمّر
الموجودات الأثرية»

وضمن التحريض على السلطة الفلسطينية نقلت الصحيفة تصريحات لوزيرين في حكومة الاحتلال أن «السلطة تعمل بشكل منهجي على تدمير البقايا الأثرية التي تؤكد ارتباط شعب إسرائيل ببلدهم. ما حدث هنا هو إذلال وخراب السامرة القديمة عاصمة مملكة إسرائيل. إذا لم نصل إلى رشدنا ونستيقظ ونصدر قرار الحكومة ونبدأ في حماية هذا المكان فقد يتم محوه». وفي موضوع آخر يتعلق بقرارات الوزير المتطرف إيتمار بن غفير، كتبت صحيفتا «معاريف» و«يسرائيل هيوم» مقالات في محاولة لتسويق سياسة بن غفير وتأكيد نجاعة سياسته وحكمة قراراته. وعلقت «يسرائيل هيوم» على اجتماع بين بن غفير وقيادة الشرطة، وكتبت بالتزامن مع رمضان: «نقاش حاد بين بن غفير وقيادة الشرطة، أبدى خلاله الوزير استياءه من نية الشرطة تقليل عناصرها فترة شهر رمضان بهدف عدم إشعال المنطقة». ونقلت عن مصادر في الشرطة: «سياستنا في رمضان ليست جديدة ومعمول بها منذ سنوات».

شيطنة الأسرى

بن غفير أبدى استياءه وغضبه من التعليمات، مشيرًا إلى «أن من غير المعقول عدم تطبيق القانون في مدينة بني براك في فترة عيد الفصح، أو عدم تطبيق القانون مع السائقين السكارى في عيد المساخر في القدس» واصفًا السياسة بأنها «جنونية». ونقلت عن قيادة الشرطة أنّ سياسة هدم المنازل أو توزيع المخالفات لا تتغير في شهر رمضان. وفي موضوع الأسرى الذي ربطته «معاريف» بالوزير بن غفير، وفي محاولة لتسويق سياسته والتحريض على الأسرى الذين يناضلون من أجل الحفاظ على أدنى حقوقهم الإنسانية التي تكفلها القوانين الدولية، ادعت الصحيفة أن الأسرى سيصعدون من خطواتهم الاحتجاجية وسيحرقون الزنازين في مختلف السجون «بعد سلسلة من الإجراءات التي اتخذها الوزير بن غفير، ضد الظروف المتساهلة جدًا التي حصل عليها السجناء، بما في ذلك إغلاق مخابز الخبز الساخن لهم». وتجاهلت الصحيفة اعتداءات السجانين على الأسيرات والأسرى، وظروف السجون القاسية، والإهمال الطبي، واعتقال القاصرين والقاصرات والعزل الانفرادي، وغيرها من الإجراءات المفروضة على الأسرى، مقتصرة إجراءات بن غفير على «إغلاق مخابز الخبز الساخن».

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية