انخفاض تجارة مصر مع الصين والولايات المتحدة بسبب شحة الدولار

إبراهيم نوار
حجم الخط
0

سجلت المعاملات التجارية بين مصر وشركائها التجاريين انخفاضا ملحوظا في الأشهر الأخيرة، بسبب صعوبات التمويل. وقد شمل الانخفاض صادرات رئيسية مثل الملابس الجاهزة، بسبب نقص بعض مستلزمات الإنتاج وقطع غيار المصانع، وواردات أساسية مثل اللحوم بسبب صعوبات التمويل. وفي الوقت نفسه عادت البضائع المستوردة للتراكم على أرصفة الموانئ، نتيجة لعجز البنوك عن توفير العملات اللازمة لتسوية المدفوعات. وتقدر مجموعة «سيتي غروب» المصرفية الطلب المتراكم للإفراج عن الواردات حتى منتصف اذار/مارس الحالي بنحو 4 مليارات دولار، بعدما كان يبلغ 2.5 مليار دولار في كانون الثاني/يناير.
وعلى الرغم من حاجة الحكومة إلى موارد دولارية، فإنها وافقت على إتاحة الاستحواذ على شركة «باكين» بالجنيه المصري، في خطوة الغرض منها إرضاء المستثمرين، الذين فشلت البنوك في توفير احتياجاتهم الدولارية، سواء لتحويل الأرباح ورأس المال، أو لتمويل استيراد ما يلزم من السلع اللازمة للتشغيل. كذلك من الملاحظ أن شركات الاستثمار الخليجية العاملة في مصر أصبحت تتجنب إدخال استثمارات جديدة بالدولار، وتفضل إعادة تدوير أرباحها في تمويل استثمارات محلية جديدة بالعملة المحلية، أو استخدام فائض السيولة المحلية المتاح لديها في الاستحواذ على أصول استثمارية إضافية في مصر، مع استمرار الضغط على الحكومة لتحرير تحويل التحويل بين الجنيه المصري والعملات الأجنبية. ولم تتمكن الدولة حتى الآن من الحصول على تدفقات الاستثمارات الأجنبية والمساعدات المالية المتوقعة في أعقاب حصولها على موافقة صندوق النقد الدولي على قرض التسهيلات المالية المددة.
وكان الصندوق قد ذكر أنه يتوقع أن تتمكن مصر من جمع ما يصل إلى 14 مليار دولار من التمويل الأجنبي، بعد حصولها على الشريحة الأولى من القرض. كما كان من المفترض أن تتسلم مصر الشريحة الثانية من قرض الصندوق بقيمة 347 مليون دولار في منتصف الشهر الحالي. وقد تركت صعوبات التمويل تأثيرا سلبيا مباشرا على الواردات، وغير مباشر على الصادرات. وطبقا لأرقام التجارة الدولية الصادرة عن الأمم المتحدة، وأرقام مرصد الارتباط الاقتصادي «OEC» فإن تجارة مصر مع الصين تراجعت بنسبة 14.3 في المئة في شهر كانون الأول/ديسمبر الماضي، ومع الولايات المتحدة بنسبة 34.3 في المئة في الشهر نفسه، ومع البرازيل بنسبة 48.1 في المئة في الشهر الأول من العام الحالي.
الصين

في شهر كانون الأول/ديسمبر 2022 بلغت قيمة صادرات الصين إلى مصر 1.61 مليار دولار، في حين بلغت قيمة وارداتها 233 مليون دولار، أي أن قيمة الصادرات الصينية تعادل حوالي 7 أمثال قيمة واردات الصين من مصر؛ فحققت بذلك فائضا من التجارة مع مصر بقيمة 1.38 مليار دولار في شهر واحد. وتظهر هذه الأرقام تراجعا في قيمة التجارة عما كانت عليه في كانون الأول/ديسمبر 2021. ويعود هذا التراجع إلى انخفاض صادرات الصين لمصر بقيمة 340 مليون دولار، بنسبة انخفاض 17.4 في المئة، حيث كانت 1.95 مليار دولار في كانون الأول/ديسمبر 2021. وبلغت قيمة التجارة المتبادلة بين الدولتين في كانون الأول/ديسمبر الماضي 1.84 مليار دولار مقارنة بحوالي 2.1 مليار دولار في كانون الأول/ديسمبر 2021 بانخفاض مقداره 309 ملايين دولار بنسبة انخفاض 14.3 في المئة. وتشمل قائمة السلع المتبادلة بين الصين ومصر التلفونات وأجهزة الاتصالات، والألياف الصناعية، والسيارات، وأنظمة التحكم في مرور السيارات. وتستورد الصين من مصر النفط الخام ومنتجاته، والرخام والألباستر والقطن الخام.
ومن الملاحظ أن اتساع العجز التجاري في المعاملات لصالح الصين، لا تقابله جهود جدية لتقليصه. كما أن هناك قصورا في العمل على فتح قنوات تساعد على زيادة الصادرات المصرية. وطبقا لأرقام المبادلات التجارية خلال الـ 11 شهرا الأخيرة من العام الماضي، بلغت الصادرات المصرية للصين 1.7 مليار دولار، مقابل 13.2 مليار دولار صادرات صينية لمصر، أي ما يعادل ثمانية أمثال قيمة الصادرات المصرية. هذا الخلل في الميزان التجاري بين البلدين، يسفر سنويا عن عجز يتجاوز 10 مليارات دولار، وهو ليس في مصلحة مصر، لأنه يعمق عجز الميزان التجاري، ولا هو في مصلحة الصين، لأنه يمكن أن يؤدي إلى احتكاكات تجارية لا لزوم لها.

الولايات المتحدة

في كانون الأول/ديسمبر عام 2022 بلغت قيمة الصادرات الأمريكية إلى مصر 460 مليون دولار، مقابل واردات بقيمة 165 مليون دولار، ما أسفر عن فائض تجاري لصالحها (عجز تجاري لمصر) بقيمة 294 مليون دولار. ومن الملاحظ أن قيمة التجارة المتبادلة بين الطرفين في ذلك الشهر مقارنة بالشهر المقابل من العام الماضي، تراجعت مع انخفاض صادرات الولايات المتحدة بنسبة 32.9 في المئة، وتراجع وارداتها من مصر بنسبة 38.1 في المئة. وقد بلغت قيمة التجارة المتبادلة في كانون الأول/ديسمبر الماضي (صادرات وواردات) 625 مليون دولار مقابل 952 مليون في الشهر المقابل عام 2021 بنسبة انخفاض تبلغ 34.3 في المئة.
وتشمل الصادرات الأمريكية إلى مصر، فول الصويا، الغازات البترولية، الأمصال، معدات الإنشاءات الميكانيكية، خردة الحديد. أما أهم وارداتها من مصر فتشمل المنتجات البترولية، الملابس الجاهزة، والأسمدة. وقد شمل الانخفاض في قيمة واردات الولايات المتحدة من مصر الملابس الجاهزة للسيدات بنسبة 38.8 في المئة، والقمصان الرجالي بنسبة 76.3 في المئة، والسجاد والموكيت بنسبة 37 في المئة.

البرازيل

في كانون الثاني/يناير 2023 صدرت البرازيل إلى مصر ما قيمته 148 مليون دولار، واستوردت منها بقيمة 20.2 مليون دولار، وهو ما أسفر عن فائض لصالحها بقيمة 128 مليون دولار، مقابل صادرات بقيمة 299 مليون دولار في الشهر المقابل من عام 2022 بنسبة انخفاض 50.3 في المئة، وواردات بقيمة 25.6 مليون دولار (- 21.3 في المئة) وهو ما أسفر عن فائض بقيمة 273.7 مليون دولار. وبذلك فإن قيمة التجارة المتبادلة في كانون الثاني/يناير من العام الحالي بلغت 168.2 مليون دولار، مقابل 324.6 مليون دولار في الشهر المقابل من العام الماضي، بانخفاض قيمته 156.4 مليون دولار بنسبة تبلغ 48.1 في المئة.
وتشمل صادرات البرازيل إلى مصر سلعا غذائية، أهمها الذرة واللحوم المجمدة، وأهم وارداتها الأسمدة الفوسفاتية، وبولميرات الإيثيلين، والزجاج المزخرف، والسجاد اليدوي. ويلاحظ أنه نظرا لشحة الدولار في مصر فقد انخفضت وارداتها من مصنعات اللحوم بنسبة 93.3 في المئة، ومن اللحوم بنسبة 52.4 في المئة. في حين انخفضت وارداتها من المنتجات المصرية، بما في ذلك الخضروات غير الطازجة بنسبة 90.7 في المئة، والشحوم البترولية بنسبة 76.8 في المئة، والنباتات العطرية بنسبة 84.6 في المئة.

مؤشرات إيجابية لعام 2022

تشير المبادلات التجارية بين مصر والعالم إلى استحواذ القطاع النفطي (النفط والغاز المسال والمنتجات النفطية المكررة) على ما يقرب من ثلث قيمة التجارية الخارجية بشكل عام. ويحقق القطاع النفطي فائضا ملموسا في السنوات الأخيرة بسبب زيادة أسعار الغاز المسال والمنتجات النفطية، إضافة إلى زيادة كمية الصادرات، وهو ما ساعد على تخفيض العجز في الميزان التجاري في العام الماضي إلى 42.9 مليار دولار. وكان قطاع التجارة غير النفطية قد سجل وحده عجزا بقيمة 44.4 مليار دولار. ولم تستطع الدولة المصرية حتى الآن ابتكار سبيل لردم الفجوة في الميزان التجاري، حيث بلغ متوسط العجز السنوي في السنوات الثماني الأخيرة حوالي 46 مليار دولار سنويا. ويسهم قطاع الخدمات (السياحة وقناة السويس على وجه الخصوص) والقطاع النفطي، وتحويلات المصريين العاملين في الخارج بفائض ملموس يقلل قيمة العجز السنوي في ميزان الحساب الجاري.
وقد أظهرت تجارة مصر الخارجية في العام الماضي مؤشرات إيجابية مؤقتة، تحيطها عوامل قوية للقلق، بسبب ضخامة قيمة العجز التجاري، الذي يعادل ما يقرب من 10 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي، وذلك على الرغم من القيود المفروضة على الاستيراد بسبب شحة الدولار، وارتفاع أسعار صادرات مصرية رئيسية مثل الغاز المسال والنفط ومنتجات الوقود والذهب، التي تمثل حوالي 34.1 في المئة من إجمالي الصادرات السلعية.
كما تظهر بيانات التجارة السلعية (الصادرات والواردات) عن عام 2022 الصادرة عن الجهاز المركزي للإحصاء، أن الصادرات حققت نموا بمعدل يصل إلى ثلاثة أمثال معدل نمو الواردات تقريبا. في حين حققت الواردات نموا يعادل تقريبا معدل نمو الناتج المحلي الإجمالي، مع عدم الأخذ في الاعتبار تأثير معدل التضخم العالمي على أسعار الصادرات والواردات. وبتحليل بيانات الجهاز المركزي للإحصاء، يتبين أن نسبة تغطية الصادرات للواردات ارتفعت في العام الماضي إلى 54.6 في المئة، مقارنة بـ 48 في المئة عام 2021 وهو ما يعني زيادة إيرادات التصدير بالعملات الأجنبية إلى ما يكفي لتمويل نسبة تزيد هامشيا عن نصف الواردات. لكن العجز في التجارة السلعية الذي يمثل واحدا من أخطر محركات العجز في الحساب الجاري، يمثل مصدرا كبيرا للقلق، لأنه يزيد من أعباء تكلفة تمويل الواردات بتسهيلات موردين، وقروض قصيرة الأجل، أو متوسطة وطويلة الأجل.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية