لندن ـ «القدس العربي»: على النقيض من خطط وطموحات العراّب القطري ناصر الخليفي، يسير باريس سان جيرمان، بخطى ثابتة إلى الوراء، بظهور الفريق بنسخة أقل ما يُقال عنها صادمة للمشجع المحايد، أو أنه يُقدم محتوى لا يتناسب مع حجم الأساطير والأصول الثمينة داخل جنة «حديقة الأمراء»، والجديد هذه المرة تحت قيادة المغلوب على أمره كريستوف غالتييه، ذاك التراجع المثير للريبة على مستوى النتائج المحلية، حتى بعد الانتكاسة القارية، بتوديع دوري الأبطال من بداية مراحل خروج المغلوب للعام الثاني على التوالي، آخرها السقوط المحرج أمام رين بثنائية نظيفة قبل العطلة الدولية، وسط أجواء من الحيرة والتساؤلات عن أسباب تدهور أوضاع ما يُعرف بـ«فريق الأحلام».
ناقوس خطر
كان الاعتقاد السائد بالنسبة لمشجعي «بي إس جي»، أن سهرات عطلة نهاية الأسبوع في الليغ1، أشبه بالاختبارات البسيطة التحضيرية للمواجهات الأوروبية الكبرى والمعارك المحلية العنيفة، لدرجة أن الجماهير اعتادت على حسم اللقب قبل فترة طويلة من نهاية الموسم، أبرزها الاحتفال بالبطولة في مثل هذه الأيام في حملة 2015-2016، حين وصل الفارق مع إطلاق صافرة نهاية الموسم لـ31 نقطة، وذلك في آخر 6 مرات حققوا فيها اللقب بفارق 10 نقاط أو أكثر عن أقرب المنافسين، بيد أن الأوضاع هذه المرة، لا تنذر أو تعطي مؤشرات لاحتمال تكرار نفس السيناريو، رغم حفاظ كيليان مبابي ورفاقه بصدارة الدوري، بفارق 7 نقاط عن الوصيف مارسيليا، وهذا يرجع لعدة أسباب، منها حالة عدم الثقة في هوية أو شخصية الفريق داخل الملعب، لا سيما بعد عودة اللاعبين من كأس العالم، ويتجلى ذلك في الإحصائية المثيرة للقلق والمخاوف في الضواحي الباريسية، بتعرض الفريق لما مجموعه 7 هزائم منذ بداية العام الجديد، شاملة السقوط أمام بايرن ميونيخ ذهابا وإيابا في دور الـ16 للكأس ذات الأذنين، والخروج المؤلم من كأس فرنسا من نفس المرحلة على يد الغريم الكلاسيكي الجنوبي مارسيليا، ومع استمرار الوضع المأساوي التي كان عليه في الليلة الظلماء أمام رين، فقد يستيقظ غالتييه على الكابوس الكبير، باقتراب أمراء «فيلودروم» من الصدارة، وربما الطمع المشروع في اللقب في الأمتار الأخيرة.
المزاجية والانتكاسات
لا شك أبدا، أن كل مدربي العالم يحلمون بالتسلح بثلاثي هجومي بجودة وفخامة ليونيل ميسي ونيمار وكيليان مبابي، لكن حجر العثرة، يكمن في صعوبة الاستفادة من هذا الثالوث المخيف، بسبب لعنة الإصابات التي تضاعفت في الأشهر القليلة الماضية، والتي بدأت بالمضاعفات البدنية على ليو ومبابي في فترة ما بعد كأس العالم، ثم بفقدان الساحر البرازيلي لنهاية الموسم، وهذا في حد ذاته، أعاق المدرب على رسم أفكاره التكتيكية بشكل صحيح. وما زاد الطين بلة، سقوط المدرب في المحظور، بتصريحاته المغناطيسية، بشأن ارتياحه واطمئنانه على الطريقة التي يسير بها أموره داخل غرفة خلع الملابس، الأمر الذي تسبب بشكل أو بآخر في تراخي بعض اللاعبين، وبالتبعية أدى إلى سلسلة النتائج، التي حطمت آمال المشجعين في الأسابيع القليلة الماضية، من أحلام وأمنيات عريضة في بداية الحملة بكسر عقدة الكأس ذات الأذنين، والاستمتاع بكرة قدم من كوكب آخر تتماشى مع جودة النجوم والأسماء اللامعة في الفريق، إلى مشهد الانقلاب على الجميع بدون استثناء، بإطلاق وابل من صيحات الاستهجان على اللاعبين والطاقم الفني، تعبيرا عن غضبهم الشديد من مزاجية اللاعبين وردة فعلهم الخجولة بعد التأخر أمام رين بهدفين نظيفين.
تكتيكات وخطايا سابقة
قبل وصوله إلى «حديقة الأمراء»، ذاع صيت غالتييه، من خلال مرونته في تطبيق طريقتي لعب 4-2-3-1 و4-4-2، حين نقل سانت ايتيان من فريق منافس على الهبوط إلى مشاكس على المراكز الأربعة الأولى، ونفس الأمر مع ليل، الذي قاده لمعانقة اللقب للمرة الأولى منذ زمن إيدين هازارد في بداية العقد الماضي، لكن مع سان جيرمان، وبالأخص في الأسابيع القليلة الماضية، لاحظ المشجع البسيط قبل خبراء التحليل، أن المدرب اعتمد 4 أو 5 طرق في المباريات الأخيرة، وصلت لحد تطبيق أسلوب 3-5-2 ومشتقاته، وهذا الأمر بعيدا عن حقيقة أنه لا يتناسب مع عملاق بحجم النادي الباريسي، فعلى أرض الواقع، جعل الفريق يبدو وكأنه بدون هوية متماسكة، بداية من الهشاشة الدفاعية الناتجة عن اللعب بثلاثة مدافعين في الخط الخلفي، للاستفادة من قدرات أشرف حكيمي الهجومية في الجانب الأيمن، ولاعب آخر بنفس النزعة في الجانب الأيسر، مرورا بما يمكن وصفه بالصداع الكبير في وسط الملعب، إثر التدهور غير المبرر في مستوى مهندس الوسط ماركو فيراتي، وذلك من قبل هفوته الساذجة التي عجلت بخروج الفريق من دوري الأبطال أمام بايرن ميونيخ، ربما لتأثره بتهاوي مستوى الجودة والخبرة في وسط ملعب الأثرياء، والواضحة في الفوارق الضوئية بين الوافدين الجدد ومن تم التخلي عنهم بواسطة مستشار المشروع لويس كامبوس والمدرب غالتييه، اللذين جاءا لاستنساخ نجاحات الماضي القريب مع ليل، لكن بطموحات وتطلعات تتماشى مع توقعات الجمهور الباريسي، الذي لا ينتظر أقل من البطولات المحلية، والأهم إيجاد حلا للعنة دوري الأبطال.
استثمارات ضعيفة
من الوهلة الأولى، سيكون من الصعب الاختلاف على حقيقة أن سان جيرمان، هو فريق الأحلام في العصر الحالي، في ظل وجود ثلاثي الهجوم وأسماء أخرى بحجم سيرخيو راموس، أشرف حكيمي، الحارس جيجي دوناروما وباقي الجواهر الثمينة، لكن الفريق يفتقر للعمق والبدائل القادرة على خلق منافسة حقيقية على المراكز الأساسية، أو حتى تعويض غياب الكبار في أوقات الإصابات وفترات تطبيق المداورة، وهذا يتماشى مع اعتقاد بعض اللاعبين في الفريق، منهم نيمار وكيمبيمبي وماركينيوس، بأن الفريق بات أضعف وأقل شراسة وحدة بعد قدوم فابيان رويز وسولير وفيتينيا، بدلا من الرفاق القدامى أدريس غايي ولياندرو باريديس وطيب الذكر أنخيل دي ماريا، وكل ما سبق في كفة والاشاعات التي تطارد النادي في كفة، آخرها ما أثير عن اشتباك لفظي بين نيمار والمستشار الرياضي، لعدم تقبل الميغا ستار، لانتقادات الرجل الثاني في «حديقة الأمراء» عقب نهاية إحدى المباريات، جنبا إلى جنب مع ما يتردد عن مستقبل البرغوث ليونيل ميسي بعد انتهاء عقده، وتجدد اشاعات ريال مدريد ومبابي، وأمور كهذه من شأنها أن تخلق نوعا من أنواع الزعزعة وعدم الاستقرار داخل الفريق، وفيما يبدو أنها جزء من الضريبة التي يحاسب عليها كامبوس وغالتييه في الوقت الراهن.
المستوى التالي
بصرف النظر عن مستقبل الثالوث الناري، فكل المؤشرات والحقائق على أرض الواقع، أثبتت أن الرهان على الأحجار الكريمة في الهجوم، أحيانا ما يأتي بنتائج عكسية، تماما كما حدث مع جيل «الغالاكتيكوس» الأوائل في الريال، الذي دشنه فلورنتينو بيريز بأرقام فلكية في بداية الألفية، وفي الأخير لم يجن سوى كأس واحدة لدوري الأبطال في الفترة بين 2001 و2006، لكن عندما يكون التسلسل الهرمي صحيحا قبل الاعتماد على ثلاثي هجومي لا يقاوم، تكون النتائج على طريقة ثلاثية صلاح وماني وفيرمينو، في أوج سنوات هندرسون وميلنر وفينالدوم قبل رحيله، وفي الدفاع كان فيرجيل فان دايك في ذروة العطاء، ومثله أرنولد وروبرتسون، وقبلهم فعلها لويس إنريكي مع برشلونة بالثلاثي العظيم (MSN) ميسي، سواريز ونيمار، والريال في عصر (BBC) بيل وبنزيمة ورونالدو، ما يعني أن النادي الباريسي بحاجة لاستثمارات حقيقية في الدفاع والوسط، أولا بالتوقيع مع قلب دفاع من العيار الثقيل، لمساعدة سيرخيو راموس لاستعادة أعظم لحظاته، خاصة بعد عودته المذهلة هذا الموسم، ونفس الأمر في الوسط، يحتاج المشروع للاعب بنفس تأثير كاسيميرو في وسط ملعب مانشستر يونايتد، أما المضي قدما بسياسة كامبوس وغالتييه، بالتركيز على الصفقات المستقبلية والأسماء غير المؤهلة للعب تحت الضغط الإعلامي والجماهيري الكبير للعملاق الباريسي، فلن يساهم أبدا في تحقيق الهدف المنشود، بالبناء على ما أنجزه توماس توخيل في 2020، بأخذ المشروع إلى الخطوة الأخيرة، بوضعه على قدم المساواة مع كبار البريميرليغ والليغا والسيريا آه، في حملة الوصول للمباراة النهائية للمرة الأولى في تاريخ النادي، والسؤال الآن: هل سيبقي الخليفي على كامبوس وغالتييه لموسم آخر؟ أم ستكون هناك ثورة تصحيح في فصل الصيف لإعادة الأمور إلى نصابها بعد حملات التشكيك والطعن التي يتعرض لها المشروع بأكمله منذ الخروج من الأبطال على يد الدابة السوداء بايرن ميونيخ؟ دعونا ننتظر.