يرتكز مفهوم النص في المنظور الألسني الحديث على تتابع الجمل من جهة، وترابطها من الوجهة الشكلية/ اللغوية، لكن هناك وجهة مضمونية تجعل النص وحدة، أو وحدات كلامية مترابطة، من خلال قضايا منطقية ودلالية. وهو جزء من الخطاب Discourseالذي يشمل مجموعة فكرية وحدتها الصغرى هي النص، في حين أن النص نفسه مجموعة لغوية وحدتها الصغرى الجملة. وفي تعريف أوجز فإن النص: منجز لغوي، ذو علاقات ترابطية ما بين مكوناته، وذو غرض إبلاغي، وبينه وبين الموقف علاقة حضور متبادل (تأثر وتأثير). وللنص معايير أبرزها: السبك، الالتحام، القصد (ويعني موقف المنشئ) القبول (وينصرف إلى مستقبِل النص) رعاية الموقف (أي العوامل التي تجعل النص مرتبطا بموقف سائد يمكن استرجاعه) الإعلامية (وتتعلق بالمعلومات المراد تقديمها في النص، ومدى صدقيتها ووجود بدائل لها أو ما يمكن به نفيها، أو تأكيد ما بها).
وهنا يثار سؤال عن مفهوم النص في فكر عبد القاهر الجرجاني، ونعني به أن تتم دراسة النص بوصفه وحدة مستقلة شاملة، كما في قوله: «بهرهم أنهم تأملوه سورة سورة» و»السورة تعني في كلام العرب: الإبانة لها من سورة أخرى وانفصالها عنها، وسميت بذلك لأنه يرتفع فيها من منزلة إلى منزلة» أي أن السورة تكون فاصلة عن سورة أخرى سابقة أو لاحقة بها، وفيها علو المنزلة من سورة لأخرى.
والسورة في اصطلاح العلماء طائفة من آيات القرآن جمعت وضم بعضها إلى بعض حتى بلغت في الطول والمقدار الذي أراده الله سبحانه وتعالى لها، وكل سور القرآن بُدئت بالبسملة إلا براءة. وقد اختلف في أصل مأخذها فقيل هي مأخوذة من سور المدينة، لإحاطتها بآياتها إحاطة السور بالبنيان، وقيل: لأنها ضمّت آياتها بعضها إلى بعض فكأن السور تضع لبناته بعضها فوق بعض، حتى يصل إلى الارتفاع الذي يراد. فالسورة القرآنية تمثل الشكل/ الإطار، الحاوي لآيات القرآن، وتتفاوت في الطول والقصر، وتتنوع في موضوعاتها ومضامينها. وجزء كبير من فهم النص القرآني ودراسته – معنى ولفظا وبناء – يتم بالتعرف على السورة مكية كانت أو مدنية، وأسباب نزولها أو أسباب نزول بعض آياتها، وموعد ومكان نزولها، وغير ذلك من القضايا المساهمة بشكل كبير في فهم السورة بوصفها نصا جامعا لآيات من القرآن الكريم. وهذا جزء مهم من دراسة السياق القرآني عامة، وكثير من الدلالات والأحكام القرآنية مرتبط بأسباب النزول، والمناسبات والأحداث والمواقف والشخصيات المتعلقة بالآيات. ويمكن أن نطلق عليه: القرائن الحالية المنفصلة عن الخطاب؛ التي يرد ذكرها في نصوص أخرى غير مقترنة بالنص محل الدراسة، ويكون عادة في أسباب النزول للآيات القرآنية الكريمة، وأيضا في بيئة الخطاب المتمثلة بعادات المخاطبين في أقوالهم وأفعالهم ومعهودهم في معاني الألفاظ.
وبالطبع فإن فهم النص ـ بشكل كلي – لم يتطرق عبد القاهر إلى تعريفه في نظريته، لأنه كان معنيا بتأسيس علم المعاني، وترسيخ نظرية النظم، فلم يكن مهتما بقراءة الآية في ضوء النص الكلي/ السورة، لأن علم المعاني، وسائر علوم البلاغة ومباحثها تتعامل مع الجوانب والمصطلحات الجمالية في النص، وهي جزئية النظرة بطبيعة الحال، تتوخى توضيح المصطلح من خلال الشاهد القرآني أو البيت الشعري.
لقد انطلق عبد القاهر في رؤيته للنص من خلال نظرية النظم، التي ارتكز فيها على النحو، بوصفه الجامع والمشكّل لشبكة العلاقات بين الكلمات والجمل، فلم يتعامل مع الشواهد الجزئية والآيات المفردة، وإنما كان ينظر إلى النص كوحدة نحوية، فيها من التمازج والتناسب والتلاحم والتناسج بين المعاني والألفاظ، التي هي الوسيلة التي بها يتم النظم، فالخطاب يحدث وينتج النص، لأن النص عبارة عن شبكة من العلاقات بين الألفاظ ومعانيها في بناء متناسق منسجم.
يقول عبد القاهر: «لا معنى للنظم غير توخي معاني النحو في ما بين الكلم، قد بلغت في الوضوح والظهور والانكشاف إلى أقصى الغاية، وإلى أن تكون الزيادة عليه كالتكلف لما لا يحتاج إليه، (ويضيف) إنك إن عمدت إلى ألفاظ فجعلت تتبع بعضها بعضا من غير أن تتوخى فيها معاني النحو، لم تكن صنعت شيئا تُدعى فيه مؤلِّفا، وتشبّه معه بمن عمل نسجا أو صنع على الجملة صنيعا، ولم يتصور أن تكون قد تخيرت لها المواقع».
وهذا المفهوم عن النص الكلي قائم كذلك في تحليله للأبيات الشعرية، حيث كان يورد البيت الشعري، لكنه يعطي إشارات في شرحه لغرض القصيدة، ومرامي شاعرها، فهو يستعين بالقرائن الخارجية عن النص في تحليل سياق النص. فهو يورد مثالا في معرض حديثه عن «الأخذ والسرقة وبيان أمرهما».. «اعلم أن الشاعرين إذا اتفقا ولم يخل ذلك من أن يكون الغرض على الجملة والعموم، أو في وجه الدلالة على ذلك الغرض.. ومنها ذكر هيئات تدل على الصفة، من حيث لا تكون إلا في من له الصفة، كوصف الرجل في حال الحرب بالابتسام وسكون الجوارح وقلة الفكر، كقوله:
كأنّ دنانيرا على قسماتهم وإن كان قد شفّ الوجوهَ لقاءُ
يرفض الجرجاني بإيراده هذا البيت أن تكون تلك الصورة مناسبة لأجواء الحرب. وعبر كلمات بسيطة، أحاطنا بجو البيت والغرض الذي قيل فيه، مدللا على أن هذه الصورة غير متناسبة مع سياق الموقف المعبرة عنه. فالغرض الشعري كان إطارا مرجعيا للسياق النصي ككل، وكان الجرجاني يلجأ إليه معللا لآرائه، خصوصا أن الأغراض الشعرية كان متفقا عليها بين الشعراء، وكل يبدع في إطارها، وتتم مناقشة الأبيات الجزئية في أجوائها.
فبناء النص – كما يراه عبد القاهر – أساسه العلاقات النحوية التي تجمع المفردات في جمل، والجمل في فقرات، والفقرات في نص كلي، وكلما تمكن المنشئ/ المؤلف من بنيته النحوية، كان ذلك أدعى لوضوح المعنى، وقوة الفكرة، وحسن تلقيها، ويعطي عبد القاهر في ذلك فرضية، بأننا لو جمعنا ألفاظا دون توخي الرابط النحوي، فهذا ينسف الأساس النصي المفترض من قبل الجرجاني الذي يجعل النظم معتمدا على النحو.
كاتب مصري