وُلد الفن من صراع جمالي بين النور والظل، بين المنفلت وأثره، بل إن حكاية ميلاد الرسم تُخبرنا أن حبيبةً أرادت حفظ صورة حبيبها عبر رسم ظله على الجدار. ولم تكن للفوتوغرافية أن توجد لولا مطاردة الظل عبر الضوء (فوتو) بل لم يكن للظل أن يكون لولا النور (الضوء) إذ يُعرف كليهما بنقيضه. بالتالي، فالفن هو جمع بين هذين النقيضين، أو محاولة مطاردتهما بالشكل واللون والجسد.
لبابة لعلج الفنانة التشكيلية المغربية، أحد الأسماء التي تطارد النور في الظل والظل في النور، تسعى عبر أيقوناتها التشكيلية أن تلامس المنفلت فيهما، عبر جعل المرئي مرئيا واللامرئي مرئيا. عبر إنصات حقّ للأنثى التي فيها وصوت المرأة عموما، لتجعل منه إشكاليتها البصرية والكتابية.. وهو ما حدا بالباحث الجمالي إدريس كثير أن يكتب في مؤلفه النقدي «سيدات العالم من الظل إلى النور»: «اختارت الفنانة لبابة العلج أن تخوض غمار هذه الإشكالية، إشكالية وضعية المرأة في العالم في ما بين الظل والنور بكل خلفياتها الفنية والسياسية والتاريخية وقد اشتغلت الفنانة على منجزها هذا، بدقة وصرامة عدّة إبستيمية عميقة، ومنحتنا متنا فنيا يمكن قراءته على الطريقة التالية الشبيهة بالطريقة ‹الطاوية› أي «تعليم العثور على الطريقة» التي تؤدي إلى الاتحاد والانسجام التامين بين الإنسان والطبيعة».
لا ترسم لبابة لعلج ما تراه وما تبصره، أي أنها لا تحاكي العالم أو تنقله، بل إنها تخلق عالمها الخاص، عالما من الأنوار، لتحكيه هنا عبر الصورة التي يخبرنا عنها جوليان غريماس أنها «كل دال». إذ غدت «الصورة كتابة في اللحظة التي تكون فيها دالة. إنها مثل الكتابة تدعو إلى حكم القوة» (رولان بارت «بلاغة الصورة»). تكمن دلالة الصورة عند لعلج في كونها لا تدل على واقع بصري ومرئي حسب، بل إنها دال على اللامرئي أيضا، من حيث هو منبع «الانفعال الجمالي» الذي على العمل أن يذهب إليه.
تسعى بالتالي، هذه المبدعة إلى رصد انفعالات الذات، عبر الألوان وتراقصها صباغيا، سندها في ذلك ملاحقة النور، بالمعنى الصوفي الباطني، إذ تعمل لعلج على إظهار تلك العملية التفكيرية التي يقوم بها الفن من خلال العمل الفني، لكن من زاوية صوفية صرفة؛ حيث بقدر ما يُفكر المنجز لديها، فهو يتخذ أفكاره من خلال تلك الشطحات والجذبات والمقولات والوقفات والمقامات الصوفية التي تبدو شاردة منزوعة من سياق غرائبي ورمزي وذاتي، يجبرنا على إعمال التأمل والتفكير والتحليل وحتى التفكيك.
مختلقة بالتالي، أيقونات جمالية، تحتفي بالمؤنث مكانيا وزمانيا، مهتدية إلى قول ابن عربي «مكان لا يؤنث لا يعول عليه» أو بقول أعمّ «ما لا يؤنث لا يعوّل عليه». تؤنثّ لعلج لوحاتها المعروضة مؤخرا في المكتبة الوطنية للمملكة المغربية حاليا.
المعرض التشكيلي للفنانة والكاتبة لبابة لعلج تحت شعار «من الظل إلى النور» وذلك في إطار حدث انعقاد المؤتمر التأسيسي لرابطات كاتبات افريقيا الذي انتخب بديعة الراضي رئيسة، مع تزامن توقيعها ضمن الفعاليات عينها، لكتابها «أيقونات التشكيل بصيغة المؤنث» باللغة الفرنسية، وترجمته العربية التي أتقنها الباحث الجمالي عبد الله الشيخ. مؤكدة في مؤلفها ما نصه: «في كل الأزمنة، هناك نساء مبدعات موهوبات. لم يكن بمقدورهن التعبير عن ذواتهن بحرية. الفنان الرجل الذي تشبث بموقعه أوقعهن في الظل. جعل من الفن امتيازه! شيم الشغف، الجسارة، الموهبة والعبقرية لا جنس لها». تتحدى لبابة لعلج الظل إذن، عامدة إلى قلب الأسطورة إلى جعل النور هو الأثر الذي نهتدي به إلى الفن، بل إنه جوهره عندها، لهذا لا بد من تسليط وميضه الكاشف على أعمال نسوة أبدعنّ رغم الصعاب والنكران والنسيان، إذ إن الإبداع بالنسبة إليها لا يقاس بأي جندر أو جنس أو لون، إنه موهبة باطنية تقطن في أعماق الكائن الإنساني رجلا كان أو امرأة.

لهذا جاء هذا المؤلف الإبداعي متضمنا، على امتداد 208 صفحات، فصلين مسترسلين: فصل الخالدات تناولت فيه المؤلفة أعمال وسيرة: فريدا كاهلو، زها حديد، بايا، كاميل كلوديل، نيكي دي سانت فال، مريم أمزيان، الشعيبية طلال، زهرة الزيراوي، سونيا ديلوناي، اليزابيث فيجي لوبران، أرتيميسيا جنتلسكي؛ بالإضافة إلى فصل الأعلام المعاصرة الذي وقفت فيه عند منجزات وسير: سيندي شيرمان، يايوي كوساما، وانجيتشي موتو، شورنتزغ سوخبات، يان لوتملان ميزا… وهي اختيارات لها دلالاتها الأيقونية، لما لمعظمهن من قوة الحضور في تاريخ التشكيل العالمي، عبر اشتغال عماده الأكاديمي والعفوي والخام، وذلك النابع من الألم والقسوة والمعاناة. جاعلة المتلقي يستمع إلى المسكوت عنه، وينظر إلى المنسي، ويعيد التفكير في توصيفات الفن تبعا إلى تقسيم أحادي ذكوري.
يتقاطع في هذا الحدث المكتوب بالصباغي، الملفوظ بالبصري، اللغوي بالعيني. ضمن إشكالية عضوية واحدة تربك المعلَّق على الجدار بالمدوّن على الصفحات: المرأة بالتحديد، أو كما تخبرنا الباحثة والأكاديمية زهور كرام: «تبدو المرأة أيقونة في لوحات لبابة، ينتصر الفن للمرأة بتحويلها من الموضوع المفعول به إلى الذات الفاعلة. تنتصر لُبابة بفنها التشكيلي للنساء المبدعات، إنها تُعيد إبداعَ الإبداعِ النسائي، ليس بمعنى التقييد، إنما بسعة الضمير الإنساني». بين المتخيّل والواقعي، تقع منجزات هذا الحدث، تشكيلا وكتابة.
سعيا من الفنانة إلى إعادة النظر في الإبداعات الموقعة باسم المرأة، وأيضا في سيرها الذاتية وفي الواقع المتحكم في «عالم الفن» إذ كما يقول جيل دولوز: «الإبداع بصيغة المؤنث هو كفاح من أجل الحدوث. إنه الرفع من قوة الحياة». بالتالي، كل عملية إبداعية تقوم بها الأنثى هي مقاومة متعددة الجهد. تعمل لبابة لعلج على الاهتداء إلى المخيلة رسم أيقونات احتفائية واحتفالية بالمعنى الباختيني، لتجعل المتلقي أمام كرنفال تشكيلي مبهر، تطوّع فيه اللون والمادة لصالح ما تبتغي التعبير عنه، وما تريد القبض عليه: النور. تُخرج الفنانة صوت النسوة من الظل إلى النور، متمسكة بالكثافة وهشاشة التعبير ورهافة الأحاسيس، معبّرة عن العلاقة بين الذات في صيغتها المؤنثة، والعالم الذي تهيمن عليه الذكورية. وما الكتاب إلا رحلة لرصد مسافات الغياب وتغطية المساحات لتُقرّب الإبداع الأنثوي أكثر إلى عين المتلقي، وتعرّف بشكل أدق بمعاناة ومآسي مبدعات كاد الظل يلقي بهن في طي النسيان، لولا مقاومتهن له بالفن والجسد والروح.
تنفتح أعمال لبابة لعلج في كلا البعدين التشكيلي والمكتوب، ضمن هذا الحدث، على المؤنث في وجوه الظاهر والمخبوء. فتبدو ذات المبدعة شغوفة بالتقاط المنسي، ومسلطة الأنوار على الهارب، ومضيئة شموع داخل الداخل، على حيوات مبدعات كافحن أيما كفاح، من أجل ترك آثارهن خالدة. مبتعدة عن كل جدلية نسوية مصارعة للذكورية، بل كل ما تبحث عنه لعلج هو إعادة النظر جليا إلى تلك المنجزات التي تحمل توقيعات النساء، بوصفها جزءا جوهريا في تاريخ الفن. نابشة في شقوق التاريخ واللغة والعلامات والرموز، مانحة للمبدعات هوية متجددة تتماهى أعمالهن بسيرهن، لتجعل منهن ساريات ركيزة ولبنات لا تتزحزح في تشييد معمار تاريخ الفن.

تهتدي في كتابها هذا إلى الشذرة، متبعة صيغ التكثيف والاختزال: القول بأقل تكلفة وأكثر دقة. وهو اهتداء صوفي محض، إذ تكتب لعلج بالكيفية التي ترسم بها، إنها بهذا المعنى ترسم ما لم تستطع الكتابة قوله وتكتب ما لم تستطع الصباغة رسمه. غير أنها تكتب وترسم صوفياً، إذ تحضر في أعمالها الصورة الرمزية وتكثيف للدلالة. وهذا لهو ما تنطلق منه كل الكتابات الصوفية للتعبير عن تلك الحالات اللامرئية للإنسان وفيه، وعن الشطحات التي يستحيل قولها قولا بسيطا مباشرا. تكاد كل تلك الأسماء المدرجة في طيات صفحات الكتاب، مجرد ذرائع أيقونية لإعلاء صوت المؤنث. بالتالي، فأعمال لعلج كتابة وصباغة هي بنية موحدة وواحدة. وهنا تجعل من المرأة نقطة المحور الذي تلتف حوله المنجزات لغة وتشكيلا. ومثلما تخبرنا زهور كرام: «لا تُحرر لوحات لُبابة المرأة من صمت التاريخ عن فعلها الرمزي فقط، إنما تُحرر المُقيم في لوحاتها، كيفما كان رجلا، أو امرأة حين تأخذه بجاذبية فنها نحو الاغتسال من التعاقدات والوصايا، والدخول في تجربة الإصغاء إلى دهشة المرأة، وهي تُبدع الاحتمال المُختلف».
تتحد اللوحات والكتاب إذن، عبر رؤية واحدة متناغمة ومتناسقة، بينهما جسر خفي يسترشد به الناظر/ القارئ /المتلقي إلى الظاهر والباطن، إلى أعماق الذات في بعدها الأنثوي والأيقوني. وتحضر الأيقونة هنا، بكل حمولاتها الدلالية والقُدسية، لتغدو الأعمال والنصوص مُعلية من الأنثوي إبداعا وممارسة وحياة.
كاتب مغربي