حكاية استيفانيكو المغربي أو مصطفى الأزموري لليلى العلمي

شيب روزيتي | ترجمة: عبد المنعم الشنتوف
حجم الخط
0

يسعى الأكاديمي والمستعرب الأمريكي شيب روزيتي في هذه الدراسة التي نقدم ترجمتها عن الأصل الإنكليزي إلى الاقتراب النقدي من رواية «حكاية المغربي» للأكاديمية والروائية المغربية الأمريكية ليلى العلمي، التي تعمل أستاذة للكتابة الإبداعية في جامعة كاليفورنيا ريفرسايد.. وقد رامت الكاتبة في سياق هذا العمل الذي صدر في نيويورك في أصله الإنكليزي عام 2014 إلى الاستعادة التخييلية لحكاية استيفانيكو أو مصطفى الأزموري الذي تحول إلى عبد في ظل الاحتلال البرتغالي للسواحل المغربية إبان القرن الخامس عشر الميلادي وتفاصيل مغامراته في العالم الجديد.

النص:

كتبت ليلى العلمي، أن قرار اختيارها الكتابة نبع من الكبت الذي عانت من وطأته بوصفها قارئة للتمثيلات الاستشراقية في خصوص المغربي وحياة المغاربة، كما جاءت على لسان بعض الرواة بالوكالة. ولدت ليلى العلمي في الرباط تابعت دراستها في المدرسة الفرنسية قبل أن تنتقل إلى بريطانيا والولايات المتحدة لمتابعة دراستها العليا. حصلت على درجة الدكتوراه في اللسانيات وتعمل الآن أستاذة للكتابة الإبداعية في جامعة كاليفورنيا ريفرسايد.
حظي عملها الصادر عام 2014 «حكاية المغربي» باستقبال نقدي جيد، وكان ضمن اللائحة القصيرة لجائزة بوليتزر واللائحة الطويلة لجائزة المان بوكر. وتشتمل هذه الرواية على سارد مفرد ويتمثل في مصطفى الأزموري. وقد آثرت هذا الاختيار لرغبتها في صوغ سرد مضاد للخطاب الرسمي الذي يقدم نفسه بوصفه حقيقة مطلقة وشمولية. ويذكّر تعدد الأصوات في رواية ليلى العلمي القارئ بالخاصية المتعددة للحقيقة.

«حكاية المغربي» بوصفها تخييلا ما بعد كولونياليا

تتأطر الرواية بتحويلها لمصطفى الأزموري إلى بطل داخل التقليد السردي ما بعد الكولونيالي. وتصبو إلى نزع المركزية عن سردية المستعمِر، وإفساحها المجال لشخصية هامشية كي تسرد. تنتمي الرواية إلى جنس التخييل التاريخي ما بعد الكولونيالي التي تتوجه مباشرةً إلى محو السؤال التاريخي وتعيد تخييل الماضي. ويذهب غريغ فورتر في دراسته الخاصة عن المثاليات والتخييل التاريخي ما بعد الكولونيالي إلى أن معظم هذه الكتابات كانت تاريخية في المستوى الظاهر، وإن كانت تقوم بتصوير المجتمعات المعاصرة في ارتباط بالنتائج المترتبة على الاستعمار. واستنادا إلى فورتر فإن عنصر الجدة في الروايات ما بعد الكولونيالية يكمن في ارتباط أحداثها بالماضي، واستدعائها الواعي للموضوعات الإمبريالية وأنماط اللقاء بالمستعمر، وأشكال الصمت المفروضة على الأصوات الخاضعة والتابعة، حسب تعبير غاياتري سبيفاك.
تتمحور رواية «حكاية المغربي» حول أسباب ومبررات الأسماء والحكايات. ويصبو بطل الرواية مصطفى الأزموري إلى الكشف عن الحقائق المدفونة والمطموسة. وكما يبينها السرد فإن الأسماء والحكايات سلاح ذو حدين. يمكن للأسماء أن تشكل أداة للهيمنة وفرض حقائق على الذوات والأمكنة. يمكن للأسماء أيضا أن تقوم بتغيير الحقائق وتبرير العنف باسم الهيمنة الإمبريالية. غير أن الأهم يكمن في نظري في تصورها للسرد بوصفه مقاومة للمحو والنسيان؛ وهو المبرر الذي يقدمه مصطفى الأزموري أو استيفانيكو لسرد حكايته.
يصرح مصطفى في الظاهر برغبته في تقديم حكاية حقيقية لما حدث له في أرض «الهنود الحمر» وتكون تصحيحا للرواية الرسمية لرفاقه الثلاثة، وقد كان على يقين من تعرضهم للإكراه والضغط، من أجل صوغ تقريرهم الملحق المقدم إلى المحكمة الملكية في مدينة مكسيكو.
تبدأ حكاية مصطفى الأزموري بمسيرة بعثة نارفاريز من سواحل فلوريدا إلى بلاد الهنود الأباش. وتزاوج الفصول العشر الأولى بين مغامرة نارفاريز وأطوار حياة مصطفى الأولى في مدينة أزمور، وتحوله إلى عبد في إسبانيا ووصوله إلى أمريكا أو العالم الجديد. وقد تمكنت ليلى العلمي في إبداعها لخلفية وماض لبطلها بأناة من الوصل بين الحكاية الشخصية لمصطفى، والسياق السياسي والاقتصادي الأرحب للمرحلة التي عاش فيها. كانت أسرة مصطفى تعيش قبل مولده في مدينة فاس، وكان أبوه واحدا من الأعيان. وقد انتقلت الأسرة إلى مدينة أزمور بتأثير التوافد الكثيف للمهاجرين اليهود والمسلمين إثر سقوط مملكة غرناطة المسلمة. وهذا يعني أن حياة مصطفى الأزموري كانت موصولة حتى قبل مولده بالأطماع التوسعية لإسبانيا المسيحية.

ليلى العلمي

رأى مصطفى النور في ظل الاحتلال الأوروبي؛ إذ كانت مدينة أزمور خاضعة لهيمنة ملك البرتغال. سعى الوالدان أثناء مسيرتهما مشيا على الأقدام بين فاس وأزمور عبور نهر أبي رقراق على متن باخرة. وأثناء عراكه مع جنديين برتغاليين فوق سطح الباخرة وتعرض والده للطعن؛ وهو ما أدى به إلى فقدان سلاحه. وضعت أمه التي كانت في أيام حملها الأخيرة مصطفى، أصبح تاجرا للعبيد ضدا على إرادة أبيه وسيعترف لاحقا بضلوعه في هذه التجارة القذرة. انتهت إقامته في أزمور في متم سنة 928 للهجرة وقد وجد سكان المدينة ذواتهم مضطرين بتأثير الفقر المدقع ووطأة الضرائب المفروضة من لدن البرتغاليين على القبول ببيع واستعباد أبنائهم. وقد وجد مصطفى نفسه في نهاية المطاف مضطرا لبيع نفسه للبرتغاليين.
جرى ترحيله إلى إشبيلية ليتحول إلى عبد لأندريس دورانطيس، الذي سيشارك في النهاية في الرحلة الاستكشافية لنارفاريز. وسوف يصف مصطفى تحوله إلى عبد بأنه ميلاد من جديد داخل عالم غريب بعاداته الغريبة وتقاليده الجامدة.

إعادة تحديد الإسلام في سياق العالم الجديد

اتاحت وضعية مصطفى الأزموري الهامشية له فرصة إدراك أكثر واقعية لعجرفة ووحشية وجنون نارفايز، وأهداف رحلته الاستكشافية وخصوصا إلحاحه على العثور على مملكة أبالاش الوهمية، التي حملته على إخضاع عدد من الهنود لحصص تعذيب لغاية استخلاص بعض المعلومات، وبوصفه راويا للقاءاته بتنويع رحب من الثقافات والشعوب، فقد أصبح مصطفى موضوعا للمقارنة برحالة آخرين حقيقيين أو متخيلين مثل ابن بطوطة أو محمد الحسن بن الوزان المعروف عند الغربيين باسم ليون الافريقي. يعثر مصطفى باستمرار داخل الرواية على روابط تصل حياته الماضية في المغرب ببيئة وشعوب أمريكا الشمالية مثل صنيع ليلى العلمي المتمثل في نسف وخلخلة الجغرافيات والثقافات ضدا على نزوع القراء صوب الفصل بينها، فحين رؤية مصطفى، على سبيل التمثيل، لواحد من جماعة الهنود الحمر وقع في أسر نارفايز فإنه لم يملك نفسه من القول: إنه يشبه بعينه الكسولة عمي عمر. أعلن نارفايز قبل ذلك عزمه على إرسال السفن إلى المهمة المتطورة لها في جوار ميناء بانوكو، بما يستلزمه ذلك من جعل البعثة دون منفذ سهل إلى البحر. وقد وجد مصطفى في ذلك مثيلا لما فعله طارق بن زياد قبل قرون، حين أضرم النار في كل سفنه بعد عبوره مضيق البوغاز.

لمع نجم مصطفى حين استغل مواهبه بوصفه مترجما وناطقا بلسان الإسبان القشتاليين. وقد أتاح له ذلك فرصة التصريح باسمه الحقيقي. وبعد إحدى العلامات الدالة على الهيمنة الإمبريالية تتمثل في تأكيد حق تسمية الأشياء لمن يزعم ملكيتها.

تؤكد رواية «حكاية المغربي» بتحويلها مصطفى المسلم المستعبد إلى بطل حضور الإسلام في أمريكا الشمالية، ولا يكتفي المشروع التخيلي لليلى العلمي بتخليص تاريخ فردي من العتمة، وإنما يتوسل بجنس الرواية بغاية إسباغ التعقيد على سرود مقبولة ومتفق عليها في خصوص الماضي. تتمثل إحدى الوسائل التي توظفها الرواية بغاية الوصل بين الإسلام والعالم الجديد في استعمال مصطفى للتقويم الهجري، عوض التقويم الزمني الإسباني ونزوعه صوب استعمال تعبيرات غير مألوفة عن «الوحشية» في موطنه الأصلي، أو نعت المحيط الأطلسي ببحر الظلمات. وبعد قيام فيفير ومجموعة الردع بصد بعثة نارفايز، جلس مصطفى على الأرض وشرع يتلو بهمس آية الكرسي قبل أن يكتبها بقطعة عصا على الأرض. وفي غمرة هذا المشهد القصير يقوم مصطفى حرفيا بتسجيل القرآن في القارة الجديدة؛ وهو ما يمثل رمزيا إعادة بناء للرواية التي تعيد تدوين الإسلام داخل التاريخ الكولونيالي الأمريكي.

سلطة الأسماء والحكايات

لمع نجم مصطفى حين استغل مواهبه بوصفه مترجما وناطقا بلسان الإسبان القشتاليين. وقد أتاح له ذلك فرصة التصريح باسمه الحقيقي. وبعد إحدى العلامات الدالة على الهيمنة الإمبريالية تتمثل في تأكيد حق تسمية الأشياء لمن يزعم ملكيتها.
ويتضمن هذا الامتلاك أشكالا من الوجود الإنساني، وقد وجد مصطفى نفسه باعتباره عبدا مرغما ليس فقط على حمل اسم آخر، أقصد استيفانيكو وإنما كان مكرها على فقد اسمه السابق وثقافته وتاريخه. وإذا كانت الأسماء إثباتا للذات، فإنها تعبر في الآن نفسه عن الهيمنة على شعوب وأشياء أخرى. وقد عمدت بعثة نارفايز في البداية إلى ابتداع أسماء لبعض الأشياء الجديدة في المحيط الجديد، بغاية بسط هيمنتها عليها. وقد أسر رفاق مصطفى القشتاليون بأنهم لا يملكون فقط سلطة تسمية الأشياء، وإنما تحويلها أيضا إلى حقائق.
تضطلع الحكايات شأنها في ذلك شان الأسماء بوظيفة ترتيب وتنظيم العالم والحيز الذي تحتله الشخصيات داخله. تعتبر الحكايات السبيل الأول للإفصاح عن الحقيقة أو التفاوض في شأنها أو رفضها. وقد تكون الحكايات أيضا وسيلة لكشف حقائق مطموسة. تضع رواية «حكاية المغربي» الحكايات في صلب حياة مصطفى في مدينته أزمور، خصوصا حين كانت أمه تروي له حكايات على سبيل التحذير من غوائل المستقبل، مستهلة إياها بـ»كان يا ما كان». تبدو الحكايات في سياق الرواية ذات مظهر حواري في حدود إحالة كل واحدة منها على تمثيل جزئي للحقيقة. ويعيد هذا الفهم للحقيقة بوصفها سردا حواريا لحكايات متعددة إلى الواجهة كلام أمه القاضي بأن الحكايات ليست ألغازا ولا تستوجب مجرد أجوبة بسيطة.
تسعى رواية «حكاية المغربي» من خلال إيثارها لحكايات أفراد كتبت خارج الرواية الرسمية، إلى تحريض القارئ على مساءلة ودحض الزعم التاريخي بإطلاقية الحقيقة. وفي هذا السياق إذن ينخرط تخييل ليلى العلمي في المنحى الذي يتمثله والتر بنيامين الذي يتحدد في عدم الإقرار به بوصفه ماضيا حقيقيا، وإنما بواسطة استعادة الذاكرة واعتبارها سبيلا لبناء الحقيقة. وبالنسبة للقارئ المتابع لصعود نجم مصطفى الأزموري على امتداد ثماني سنوات، فإن عودته إلى المجتمع القشتالي الإسباني يبدو بمثابة صدمة وتذكير بقوة تراتبية والهيمنة الأبوية لرفاقه الإسبان، وتذكيرا بعودته إلى وضع التابع. وقد تمثل ذلك في إقدام دورانطيس في النهاية على بيع مصطفى لنائب الملك في إسبانيا الجديدة.
مثلت رواية «حكاية المغربي» محاولة لخلخلة الادعاء الكولونيالي بتسمية وسرد العالم الذي يحيط بها بما يستتبعه ذلك من إقصاء للأصوات الأخرى. وكما تؤكد ليلى العلمي، فإن الطريق الأقرب إلى الحقيقة يكمن في الشكل التخيلي. وبإعطائها الأولوية لسرد تنجزه شخصية من قبيل مصطفى الأزموري، فإن رواية «حكاية المغربي» تتيح للقراء حقيقة مختلفة في خصوص الغزو الأوروبي للقارة الأمريكية وتحقق في الآن نفسه رغبة مصطفى في أن تقرأ حكايته بوصفها حقيقة في شكل تسلية.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية