من العاصمة اللبنانية بيروت
أثارت «الأزمة» على الطريقة اللبنانية، حول تأجيل العمل بالتوقيت الصيفي مزيجاً من السخرية والقلق، فتلك المسألة الإدارية والتنظيمية اتخذت أبعاداً طائفية وسياسية معقّدة، وصراعاً إسلامياً – مسيحياً، يتعلّق بطبيعة النظام السياسي، بل ربما بهوية البلد بأكمله. لبنان، كما يرى قسم من أبنائه، ليس مصر التي يمكن فيها تعديل الزمن ببساطة، بما يتناسب مع الطقوس الدينية الإسلامية، أو يجب أن لا يكون مثلها، وبالتالي فإن الموضوع قد يكون أكبر من مجرد مشكلة يفتعلها زعماء طائفيون، يحاولون إشغال الناس عن القضايا «الحقيقية».
يشير هذا إلى الأبعاد السياسية والثقافية التي يتخذها المفهوم الإنساني عن الزمن، خاصة مسائل التوقيت والتحقيب (تقسيم التاريخ وأحداثه إلى حِقَب). قد يكون السؤال الساخر لكثير من اللبنانيين: «كم الساعة عندك؟» معبّراً بتكثيف شديد عن أزمة بلدهم. ويمكن مقارنته بكثير من العبارات، التي تحمل أحكام قيمة مكثّفة عبر أدلجة الزمن، مثل: «أنت تعيش في القرن الماضي» «أفكار تنتمي للعصر الحجري» «نحن على هذه الحالة منذ ألف وأربعمئة سنة». هذه المقولات، بوصفها فعلاً كلامياً، تؤكد امتلاك قائلها للزمن المُعاش، ووقوفه في الجانب الصحيح من مفهوم معيّن عن التاريخ. الفرق الأساسي أن السؤال اللبناني يعبّر عن الحيرة والمرارة والعبثية، إذ لا زمن «صحيح» يمكن ادعاء امتلاكه، ولا أحد قادر على طرح خطاب مقنع، بمنظور واضح عن التاريخ.
دول عربية كثيرة، ومنها لبنان، تسعى لأن يكون توقيتها متناغماً مع التوقيت الأوروبي، ليس فقط لأغراض اقتصادية بحتة، بل أيضاً لتكون على إيقاع حياتي مشابه لـ»العالم المتطوّر» الأقرب لها، إلا أن هذا «العالم» يعيش بدوره مشكلة زمن على ما يبدو، لا تتعلّق بالتوقيت الصيفي والشتوي، فهذه أمور مضبوطة بإحكام في دول تتمتّع بمؤسسات راسخة، وإنما بمفاهيم تتعلّق بزمن ما بعد الحرب الباردة: حرب المدن في أوكرانيا، وصور الدبابات التي تذكّر بمعارك الحرب العالمية الثانية؛ الاحتجاجات النقابية والاجتماعية في دول كثيرة، بعد عقود من الحديث عن الازدهار اللامتناهي، وعن اضمحلال «الاجتماعي» وسردياته، لحساب القضايا المُصغّرة وطروحات «الفئات الجديدة». في أي زمن يعيش الأوروبيون الآن، بعد أن تداعت كثير من المفاهيم المؤسسة لأيديولوجيا العولمة والانتصار النهائي للقيم الليبرالية؟ وإذا ضُبطت الساعات في منطقتنا على توقيتهم فأي إيقاع سياسي/أيديولوجي سينتقل إلينا؟ قد يمكن لمثل هذه التساؤلات أن تؤسس لفهم مغاير لمسائل أساسية مثل، العالمية والتطوّر والتغيير والانفتاح، فما أهم وقائع حرب التوقيت والتحقيب في أيامنا؟ وما الفئات التي تسعى لتملّك الزمن؟
الزمن الأيديولوجي
ربما كانت الساعات في لبنان قد ضُبطت دوماً على توقيت عالمي، وبشكل عابر للطوائف، إذ أن رئيس الوزراء الأسبق رفيق الحريري، الذي قاد مشروع إعادة الإعمار بعد الحرب الأهلية، فضّل أن يسمّي تياره السياسي «المستقبل» في إشارة إلى أن كل الأيديولوجيات السابقة، المرتبطة بالاقتتال والصراعات والأحقاد، باتت تنتمي لماضٍ يجب تجاوزه، والتركيز على التطوّر واللحاق بركب العالم، الذي تجاوز بدوره كل تلك الأفكار الخشبية. فكرة الحريري كان لها بعدها الزماني الواضح، وبعد اغتياله، انتفض كثير من اللبنانيين كي لا تتم إعادتهم إلى زمن بائد، فيما يمكن اعتباره مثالاً مبكّراً وأوليّاً للربيع العربي. ثم غرقت البلاد في صراعات دامية، محلية وإقليمية، بدا فيها أن قوى أيديولوجية، على رأسها حزب الله، تريد الوقوف بوجه «المستقبل» وضد أن يكون لبنان جزءاً من «العالم».
إلا أن الأزمة المالية في البلد، وسياسات المصارف، أثبتت أن لبنان كان مندمجاً في العالم المعاصر أكثر مما يظن كثيرون. يتسم الانهيار الاقتصادي في لبنان بسمات محلّية بالتأكيد، تتعلق ببنى زبائنية وتسلّط أوليغارشي وفساد شديد الأصالة، إلا أنها أيضاً فصل من أزمة عالمية، مرتبطة بنموذج النمو والاستهلاك والسياسات المالية المعولمة، وهي أزمة تدفع ثمنها الأقسى عادةً الحلقات الأضعف في سلسلة النظام الاقتصادي العالمي. كان اللبنانيون في «المستقبل» فعلاً، وعاشوا زمنه بكل أبعاده، إلى أن اكتشفوا، مثل اليونانيين والأرجنتينيين والتونسيين، أن «الازدهار» ليس خرقاً لزمن الأيديولوجيات، بل هو في حد ذاته أيديولوجيا، أفضت في النهاية إلى نزع ودائعهم وملكياتهم، وإعادة توزيع الثروة نحو الأعلى، على عادة الأزمات.
يبقى أن الحروب الأيديولوجية حول الزمن قد تبدو مدخلاً لعودة مآسي وكوارث أتعبت الناس في القرن الماضي، وقد يحتاج التعامل مع هذا شيئاً من الشجاعة: مثلما تكشّفت الفردانية النيوليبرالية عن كثير من الاحتيال الأيديولوجي، فإن فكرة صراع اجتماعي وطبقي يترفّع عن الخوض في قضايا تكوّن الجماعات السياسية، ومنها الطائفة والعشيرة والقومية، تبدو مجرّد مسعى تطهّري لمثقفين معزولين.
بعد الانهيار، يبدو التناغم مع التوقيت العالمي مسألة رمزية فقط، إذ لن يكون جزءاً من مشروع اقتصادي أو اجتماعي ما، بل صراعاً فوضوياً حول القضايا غير المحسومة، التي ثبت أن القفز إلى «المستقبل» لن يحلّها، ويبدو أنه لا توجد علامات، في سياق الزمن/الأيديولوجيا الحالية، على إمكانية حلها. انتفض اللبنانيون مرة أخرى عام 2019، ضمن ما عُرف بالموجة الثانية من الربيع العربي، إلا أن تحرّكهم لم يستطع تقديم برنامج أو مشروع بديل. الدعوة إلى «شنق الزعماء» لم تكن أكثر من «فشّة خلق» ضمن وضع شديد التعقيد، ومشكلة حراكهم كانت مشابهة لمشاكل كثير من الاحتجاجات حول العالم. الزمن المعاصر لا يدعم الاحتجاج ولا يعطي أي إمكانية للتغيير. ربما من الأفضل أن يفتّش اللبنانيون وغيرهم عن أفكار ومفاهيم من خارج هذا الزمن، دون خشية من أن يُتّهموا بالخشبية والتحجّر، خاصة أن أهم خصم للتغيير في البلد أثبت نجاعة عملية كبيرة، أقله على المستوى التنظيمي، رغم أنه يعيش «قبل ألف وأربعمئة عام» أو «في القرون الوسطى». لا يعني هذا بالتأكيد أن ظروف التشتت والضعف الاجتماعي العام ستتغيّر بمجرد أن يصل الناس إلى وعي أيديولوجي صحيح، أو يقرروا التخلي عن فردانتيهم وتأسيس تنظيمات صلبة، فالأمور أكثر صعوبة من ذلك بكثير، وحالة التشتت لها أسسها البنيوية الموضوعية، لكن المقصود أن الأحكام الأيديولوجية المعاصرة ليست قدراً لا فكاك منه، تفرضه حركة التاريخ وسيرورة «التقدّم» وربما آن الأوان للتمرّد على عقائد الازدهار والفردانية و»المستقبل» وهي العقائد الذي يفضّل البعض تسميتها بـ»النيوليبرالية» بجناحيها اليميني و»اليساري».
الزمن الاجتماعي
لكن هل رفض النيوليبرالية ومفاهيمها الأيديولوجية عن التاريخ والزمن من خارج «العصر» حقاً؟
إذا عدنا إلى أوروبا، وهي جزء أساسي من «العالم» الذي يحبه كثير من أنصار الناشطية النيوليبرالية، فسنجد أنها ليست مجرد حكومات يمين ويسار ووسط، تموّل «المنظمات المدنية» العربية، بل هي كذلك دول تحفل بحراك اجتماعي لا يتوقّف، بدأ يضيق ذرعاً بعقود متراكمة من زمن أيديولوجيا معولمة، لم توصل إلا إلى إفقار متزايد لما سُمي «طبقة وسطى»؛ وعودة الحروب المرعبة للقارة العجوز، التي قام المشروع الأوروبي أساساً لتجاوزها؛ فضلاً عن تفريغ ثقافي، ينتشر تحت يافطة «تقدمية» يمكن بسهولة تحليل مدى محافظتها وتبعيها لمؤسسات دولية صريحة الانتماء والمصالح. الزمن الأوروبي يبدو شديد الارتباك في الوقت الحاضر. وبين يمين شعبوي ويسار «متطرّف» تصدر دعوات وخطابات عن قضايا الطبقة و»العدالة البيئية» لا تتفق غالباً مع تصوّر كثير من الناشطين العرب عن «المستقبل».
تخوض النقابات الأوروبية حالياً، وخاصة الفرنسية، معركة شاقة مع السلطات، لا يمكن التنبّؤ بنتائجها، ويبدو أن صفحة زمن «الازدهار» قد طويت إلى الأبد، وعاد الفاعلون الاجتماعيون للجدل، ضمن تقاليد وأخلاقيات حيّز عام أوروبية يصعب تصفيتها، للتوصّل إلى ذاتية اجتماعية وسياسية جديدة، تتجاوز كل الأساطير المعولمة التي تقادمت فعلاً. مجدداً، في أي زمن تعيش أوروبا؟ لا أحد يدري فعلاً، ما زالت المسألة مفتوحة. إذا حاولنا أن نضبط ساعاتنا على مقياس جيراننا الأوروبيين، فربما سنكتشف جديداً في حرب التوقيت اللبنانية: البشر اليوم لا يدرون منطقتهم الزمنية، يجب أن يتضامنوا كي يلعبوا دوراً أساسياً في تحديدها.
طبقة غير صافية
يبقى أن الحروب الأيديولوجية حول الزمن قد تبدو مدخلاً لعودة مآسي وكوارث أتعبت الناس في القرن الماضي، وقد يحتاج التعامل مع هذا شيئاً من الشجاعة: مثلما تكشّفت الفردانية النيوليبرالية عن كثير من الاحتيال الأيديولوجي، فإن فكرة صراع اجتماعي وطبقي يترفّع عن الخوض في قضايا تكوّن الجماعات السياسية، ومنها الطائفة والعشيرة والقومية، تبدو مجرّد مسعى تطهّري لمثقفين معزولين.
من لبنان وسوريا والعراق، وحتى مصر والمغرب الكبير، لا تظهر قضايا الإفقار والانحدار الاجتماعي إلا من خلال أزمات نشأة «الأمة» التي رافقتنا منذ نهايات القرن التاسع عشر على الأقل، ومنها بالتأكيد التطرّف الديني؛ مسألة الأقليات والجماعات غير المسلمة وغير العربية؛ الاختلاف الجهوي والمناطقي، فيما تبدو البلاغة عن جماليات التنوّع والاختلاف والتسامح مجرد موروث منافق، لم يفض إلا إلى مزيد من تراكم الأزمات. ربما يجب إعادة التفكير بهذه «الأمم» من الأساس، والبحث عن مشتركات خارج زمنها وأيديولوجياتها. هناك حالة تعب عام من تسلّط المتدينيين وأخلاقية الناشطين، أما بديلهما فيبدو غير واضح المعالم، تماماً كالزمن الذي اختلّ أياماً في لبنان.
كاتب سوري