■ عقب مؤتمر شرم الشيخ، مازال كثيرٌ من الناس يحلق في سماء النشوة… تغمره السعادة، فالتعهدات المالية والاستثمارية فاقت تصور الكثيرين، إن لم يكن الجميع، خلا الرئيس السيسي، الذي رأى بعضهم في صدق توقعه دليلاً إضافياً على حنكته وبعد نظره…
ولا شك أن الرئيس الذي ورث تركةً ثقيلة من الفشل والترهل يسعى هنا وهناك طلباً للدعم السياسي، وجلباً للاستثمار والأهم من ذلك التسليح، فيقصد روسيا ويتقارب مع الصين. لقد جاء إخراج المؤتمر موفقاً يوحي بكفاءةٍ لم يعتدها المواطنون، وربما بدت غريبة، بل ومتنافرةً مع الواقع المعاش، خاصةً أن شرم الشيخ مذ أصبحت معقل مبارك ومقصد زواره لا تشبه مصر فــي شــــيء، بمحافظاتها المنهكة والغارقة تحت تلال المشـــاكل المزمنة، ولعـــل ذلك ما رســـم أمام أعين الجمهور مستقبلاً يبدو مشرقاً وواعداً… ألم يتقاطر الناس من كل حدبٍ وصوبٍ، إيماناً منهم بقيمة مصـــــر وإمكانات الاستثمار فيها؟ ألم يروا مجسم العاصمة الجديدة؟ إنها تفوق عواصم أوروبا وتضاهي عــواصم الخلـــيج حـــداثةً ووجـــاهةً وجمالاً…عالمٌ آخر، أجمل وأكثر رخاءً ينتظـــرنا في آخر النفق، وكل المطلوب منا هو الصبر. بيد أن المشكلة كل المشكلة رابضة في هذا النفق الذي يختار الناس الآن، مدفوعين من الإعلام والشوق اليائس للخلاص، تجاهل تفاصيله وما يعترض طريقنا فيه من مستجدات، بل وجرائم مزعجة.
الحقيقة بعد كل هذه السنوات من عمر الحراك الثوري، هي أن الثورة انكفأت (لعلي لا أقر بهزيمتها لكونها في رأيي مرحلــــية، ولأن الكلمة شديدة القسوة ثقيلة الوقع على النفـــس). والحقيقة الأخرى هي أن النظام برئاسة السيسي حقق عدة مكاسب وأحرز عدة نقاط في الآونة الأخــــيرة، وطدت مركزه داخلياً ودولياً، على رأسها الضربة الجوية لـ«داعش» ومن ثم المؤتمر الاقتصادي؛ فبالإضافة إلى المكسب السياسي المبهر وما يمثله من اعترافٍ، لا لبس ولا مراء فيه، بالنظام من قبل كل الأطراف التي تهمه، نجح في شراء الوقت الذي يحتاجه لكي يستكمل توطيد مركزه وبناء قاعدة قوته وأدواتها.
ولأن أغلب الناس سئم وأرهق ويخشى مصيراً مشابهاً لسوريا والعراق وليبيا، التي دمرت وفتتت، فإننا نلاحظ أن ثمة ما يشبه اختيار وإرادة الصمم وغض النظر عن التفاصيل، التي تلقي بعلامات الاستفهام على أسطورة التحقق والنجاح الناشئة؛ فهذه الأخيرة لم يغذها وينفخ فيها الإعلام فقط، وإنما احتياج الناس إلى زعيم مخلص يسقطون عليه طموحاتهم وأحلامهم، بالإضافة إلى رغبتهم في الشعور بالكرامة والثأر لها والوقوف في وجه الغرب، إلى ما غير ذلك من المشاعر المتولدة عبر عقود الهزيمة والإهانة وحكم الأجنبي والفقر الطويلة للغاية.
مثال ذلك التجاهل والعمى الطوعي مثلاً من أننا لم نلحظ رد فعلٍ ملائم على ذلك التقرير الغريب بشأن استشهاد شيماء الصباغ، التي قضى عليها الخرطوش لنحافتها، كما أن الناس خلب أبصارها مجسم «العاصمة الجديد» ولم يطرحوا السؤال الأهم: من الذي سيسكن فيها؟ ناهيك بالطبع عن تساؤلاتٍ أخرى من عينة: أين الشعب من قرارٍ كهذا؟ وما الذي سيحدث للعاصمة القديمة بمشاكلها؟ لماذا شركة أجنبية؟ كيف تتم صفقة كتلك بالأمر المباشر بدون رقابة؟ أما إذا تطرق الحديث للتأكيد على تطابق الانحياز الاجتماعي للنظام حالياً مع ما كان جارياً أيام مبارك، وكون تلك السياسات أدت لكل التفاوتات والكوارث الاجتماعية، فإنك تلاحظ أن أغلب التعليقات والتعقيبات على أي مقال يطرح تلك الأسئلة يكون سلبيا في الإجمال، إن لم ينزلق للتجريح والاتهام بالتآمر والعمالة.
في أي أمر لا بد من إرجاع الاشياء والظواهر إلى أصولها والسؤال عن طبيعتها وجوهرها، وفي التغيرات السياسية وأنظمة الحكم لا بد من السؤال: ما هي الطبقة (أو تحالف الطبقات) الذي يحكم وبالتبعية مصلحة من يخدم.. من المستفيد؟
لا أنكر أن الطبقة الوسطى أسهمت في الثورة، ولكن ذلك في رأيي يرجع لسخطها على تردي الأوضاع، وانزلاقها السريع في السلم الاجتماعي نحو الأسفل في مجتمعٍ تبلورت فيه طبقة من الأثرياء ثراءً فاحشاً على قاعدة من الفقر المدقع والإملاق. ما لا شك فيه هو كون الزخم والملايين جاءت من الطبقات المحرومة، ذلك المحيط التي تطفو على وجهه تلك الجزيرة الصغيرة جداً من الأثرياء… هؤلاء لم تتحسن أوضاعهم ولا فرصهم المستقبلية حتى الآن. سيرد البعض بأن مشاكل العقود لا تحل في ليلة، وسيذكرنا بفوائد الصبر مفتاح الفرج، إلا أن انحيازات الحكومة حتى الآن لا تبشر بأي فرج. أما نظرية أو أسطورة (هي في الحقيقة فرية) المال الذي سيهبط ويسيل من الطبقة الأعلى، تلك التي صدعنا بها أنصار النيوليبرالية، فأنا لا أؤمن بها.. ويكفي أن نذكر بأمريكا اللاتينية حيث طبقت تلك «التجربة» في سبعينيات القرن الماضي وشحذ الناس في النهاية… وتجربة مبارك ليست ببعيدة.
لم يتبق الآن سوى إعلامٍ يطبل ودولة تتغول وتفرز، كما الأخطبوط، أذرعاً بدل تلك التي قطعت… جمهورٌ ينتظر الفرج ويتطلع منتظراً رؤية النور في آخر النفق ويرفض أن يسمع أي نقدٍ أو تشكيك… والمعارك الصغيرة الرديئة ومكايدات الضرائر والشماتة من قبل بعض الصحافيين، وكتبة النظام مع من تبقى خارج السجن من الناشطين وممثلي القوى السياسية.
كما كتبت سابقاً، للأسف يشبه وضعنا الحالة التراجيديا الإغريقية، حيث يبدو الأفراد مسوقين نحو قدرٍ لا يمكنهم الفرار منه… على المنوال نفسه يبدو كأن شيئاً لن يغير خط سيرنا الآن في ضوء كثرة الكلام الذي يختلط كذبه وتدليسه الجم بصادقه القليل المستحي، والجدل الكثير الذي لا ينتهي وضعف التيارات السياسية… يبدو أننا ماضون إلى نهاية الشوط وساعتها سيتضح من كان على صواب ومن كان مخطئاً.. أي باختصار سنرى، وليس لدينا الآن سوى المراقبة ومحاولة استغلال مساحات التحليل الجاد المتاحة.
كاتب مصري
د. يحيى مصطفى كامل