الحداثة الصوفية وتذكر النسيان

ليس من شك في أن الحداثة بوصفها تجربة إنسانية، هي ظاهرة قديمة قدم الإنسان. الحداثة بما هي روح وقيم موجودة في الحاضر كما في الماضي، والتي تَنَكَّرَ لها المتشبعون بالماديات، من دعاة الحداثة المعاصرة. ومن ضمن الحداثات التي نعثر عليها في تراثنا العربي الأصيل، نذكر أساسا الحداثة الصوفية بامتداداتها المتعددة، التي تعرضت للتعسف الممنهج، والتجاهل والنسيان، أو الثني، من قبل المؤسسة الثقافية المركزية.
في الأدب العربي، وفي الشّعر تحديدا، هناك الكثير من النسيان والتجاهل والكبت، لأنّ القصيدة العربية قد حُدّدت شعريتُها، في عصر التدوين وما تلاه، انطلاقا مما أنجز في العصر الجاهلي تحديدا، وعطفا على ذلك، لأنّ اللُّغة العربيّة تهندمت، بُعيد مجيء الإسلام، بلُغة الوحي، ولئن كان نسيان الثّني (تذكر النسيان) فعلا ممنهجا، قام به الوعي المُؤسِّس، باعتباره سلطة، خضعت للمؤسسة الثقافية الرسمية، التي كان لها دورٌ رئيس في رسم خريطة طريق الشعرية العربية، فإنّه، ليس من شك، في أنّ هذه الرُّؤية ستُغذّي وتُقوّي أُصولية/سلفية شعرية، كانت وما تزال إلى يومنا هذا، قدر الأمّة العربية.
مما سلف، نمتشقُ استنتاجا صادما، مفاده أنّ أصل البويطيقا العربية، تأسّس على التصدي الفادح لبسط الثّني، والعمل على طمره. بمعنى آخر، إنّ حضور هذه البويطيقا كان مرتهنا بنسيان الآخر الشّعري، الخارج عن منطق الإجماع، والمتمرد على كلّ أُصولية شعرية، جعلت من الدُّوكسا الشعري، كميتافيزيقا، في مواجهة جمالية الخرق والمخالفة. الذائقة العربية، لم تكن البتة في معزل عن هذا الشرط الفني المُستبد. فلما كانت الشعرية العربية، شعرية إجماع، فإنّ جمهور الشعر ظلّ يمُجُّ كلّ ما هو شاذ أو منحرف عن السياق، لأنّ العقلية العربية، كانت وما تزال، كما تبين، لا تطمئنُّ سوى للإجماع، إلاّ في ما ندر. هكذا هي العقلية النكوصية، عقلية يُصيبها الرّهاب والفزع كلّما باغتها الطارئ والمغاير، لتتحصن ضده بالانكماش والتكتُّل حول الماضي أو ما قرّه الإجماع. وحتى الفعالية النقدية، التي تُعتبر قراءة عالمة ونموذجية، في حوزتها القدرة على التشوُّف إلى ما هو أبعد من الحدود التي رست عندها الشعرية العربية، ظلّت بدورها وفيّة لهذه القاعدة، مع بعض الاستثناءات.
ولأنّ الأصولية النقدية العربية، كانت تابعة لعقلية الإجماع، فقد تمّ القبُول ببعض التجارب الشعرية المعتبرة والمائزة، في مملكة الشعر، على مضض؛ في حين زُجّ بأُخرى جديرة بالرعاية، في المهب. ألم يعتبر النقاد شعر أبي تمام نوعا من الكساد الشعري؟ ألم يُتّهم أبو نواس بالشعوبية والتآمر على المنظومة الخُلقية العربية؟ حدث هذا، فقط لأنهما خرجا عن الإجماع، وتمرّدا على النظام الشعري المعطى. إنها رُؤية شعرية نكوصية للغاية.. رؤية جعلت من نظام القصيدة الجاهلية، محدِّدا أبديا للشعرية العربية. منذ تلك اللحظة، تحوّل هذا النظام إلى ما يمكن تسميته، كما سلف، بالدُّوكسا الشعري، الذي كان العلة في هذه الفداحة.
ثمة إذن، في الشعرية العربية، الكثير من الانسداد، والكثير من الأسيجة والمتاريس، أقصد المعايير. هذا الأمر جعل جمهور الشعر العربي، يصاب منذ القدم بفوبيا التغاير. فالمختلف محدث، وكل محدث بدعة، وكل بدعة ضلالة. نجم عن هذا الأمر نسيان الوجه الآخر للشعر العربي، الذي كان في إمكانه أن يغير مجرى النهر الشعري العربي بدرجة أكثر انحرافا. والغريب في الأمر هو أن مبرر النسيان عند الأصولية/السلفية الشعرية، يكمن في اختلاف المنسي ومغايرته للنسخة الأصلية. الشيء الذي يجعلنا نستنتج، حسب هذا المنطق، أن الاختلاف اغترابٌ ومنفى، في حين يصبح التماثل والتطابق، هو الأجدر والأحقّ، نظرا لقدرته على المحاكاة. مصير الشعر الصوفي مثلا، لم يكن ليخرج عن هذا التفكير، إن شئتم التكفير، فقط لأن الصوفي يرى في الإنسان قدرة كبيرة على الخلق والإبداع، انطلاقا من مقولة (وحدة الوجود)؛ وعطفا على ذلك، لأن النص الصوفي خلق شعرية جديدة في معزل عن الشعر الموزون كما يقول أدونيس. لقد كتب أبو حيان التوحيدي، منذ زمن طويل قائلا: «الصديق أنت إلا أنه بالشخص غيرك» وهو بذلك يعلن تمرده على منطق الشبيه وإمبريالية النموذج. والبين من هذا القول إن الاختلاف، هو نوع من المسافة والبعد، حيث تتحقق الصداقة كما يقول موريس بلانشو. إنها رؤية مبدعة تُقوّض كل تطابق أو تشابه، منتصرة للمغايرة، تلك التي تؤسس للصداقة، وتنبذ كل اختلاف وحشي، وكل تنميط أو تحنيط.
النفري هو واحد من الشعراء الصوفيين الذين طالهم النسيان، ولعلّ من بين الأسباب الرّئيسة الكامنة وراء هذا التجاهل، كون الكتابة عنده مُلغزة ومُرمزة، صعبة التداول. وربما قد «يكون نتاج النّفري في لا تمركزه سببا في عدم انتشاره» (أدونيس). هكذا هي كتابة الهامش، كتابة مستفزة، ومصيرها الإقصاء، علما أنّ الهامش في النظريات المابعدية، هو أكثر مركزية من المركز نفسه. فالسطح بالنسبة لنيتشه هو الأكثر عمقا، فقط لأنّ للسطح عمقا وقاعا ، فيما لا عمق ولا قاع للعمق.
واللافت في النص النّفري، هو فعل التشظّي والانشطار، أو ما يمكن نعته بالكتابة البرزخية، القائمة بين النطق والصمت، حيث قبر العقل، وقبور الأشياء، كما يقول هو بنفسه. إنّه نصّ يتحرّك «صامتا في نطقه، وناطقا في صمته» الشيء الذي يجعل القارئ يقف على مسافة البين- بين حائرا، وكأنّ الريح تعصف به من تحته. هو إذن، نصٌّ شذري مصابٌ، إلى حدّ كبير، بالشّك والتّردُّد le doute، لكأنّ مزاجه من مزاج الريح.. نصٌّ «كُتب بأُسلوب رُؤيوي مُعقّد يُقلق النّص الصُّوفي الذي كُتب في القرن الرابع الهجري» (أدونيس). وسيتضح جليا، من خلال ما سيأتي، كيف أن النص النفري، نصٌ لا يُؤمن بالانتماء أو النموذج، بل يسعى أبدا إلى مغايرة أصله. يقول أدونيس «هكذا يبدو نص النفري قطيعة كاملة مع الموروث في مختلف أشكاله وتجلياته. وبهذه القطيعة، يُجدّد الطّاقة الإبداعية العربية، ويجدد اللغة الشعرية في آن. إنه يكتب التاريخ برؤيا القلب، ونشوة اللغة» (الشعرية العربية).
وليس من شك في أن سبب التعقيد والغموض في الكتابة النّفرية، يرجع إلى الصمت الذي يلُفّ لُغتها، علما أن قول ما لا يُقال يحتاج دائما وبالضرورة، إلى أثر اللغة لا اللغة المعيارية. يقول قاسم محمد عباس في تقديمه لكتاب (النُّطق والصمت) للنفري «يمكن أن نلمس ما تُضمره ثنائية التصريح والكتم في إخفاء هذا التصريح، أو تقنعه بمفهومي الرمز والصورة، تلك الإشكالية الأساسية التي يتوفر النفري على مفاصل معالجتها، وعلى آليات التعبير التي تنشدُّ إلى التجربة ولا تنفصل عنها».
صفوة القول، إن الكتابة عند النفري، وحدة بين الشّعرية والفكر، وبين التخيل والتأمل. إنها كتابة لا تُذعن لأيّ نموذج مسبق أو معياري.. كتابة تغوص في أعماق النفس، لكي تستكشف الباطن والغيب بكثير من الشّك واللايقين. وكأن الصوفي، بقدر ما يعلم يقول: أعرف أني لا أعرف. والنفري، يُدرك، أكثر من غيره، أن الكلام عن هذه المجاهل، هي في حاجة إلى لغة تتفلّت، بجحود واثق، من المشترك، ومن البرهان القضوي وبيان الماصدق. فاللغة هنا مغامرة لقول ما لا يُقال. لأجل ذلك عاد النفري باللغة إلى درجة الصّفر، أي إلى وضعها البدئي، وحالتها السّديمية، معلنا بذلك، عن حوار مسجور بالغموض والدّهشة بين النُّطق والصمت. إن الكتابة عند النفري كتابة قلقة ومُستفزّة باستجلائها الكامن والغامض. وهي بذلك، تستثير عند القارئ العاشق، تأمُّلات متشعّبة، حول أسئلة متجذرة في الكينونة المسكوت عنها.
فما أحوجنا اليوم إلى تحرير حقيقي للمكبوت في شعرنا العربي، لأنّ في ذلك إظهارا للثني وبسطا له، إذ لا يمكن البتة تحرير الشعر العربي، الذي تعرض لكثير من النسيان والتهميش، خصوصا الحداثة الصوفية، إلا من خلال عملية الانكشاف بما هو بسط للثني بتعبير هايدغر.

كاتب مغربي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية