لا يبدو أن ثمة منجى للفلسطينيين من ويلات الاحتلال المتلاحقة، حتى وإن كانت إسرائيل غارقة في بئر عميقة من الخلافات الداخلية التي وصلت ذروتها في الأسابيع الأخيرة من احتجاجات واسعة ضد رغبة حكومة اليمين المتطرف برئاسة بنيامين نتنياهو تغيير بنية القضاء الحالية.
عمليا، لم تتغير بيئة العلاقة الإسرائيلية الفلسطينية كثيرا، وظلت النتائج في صالح إسرائيل، لكن المثير هذه المرة هو الانقلاب الذي صارت إليه الأمور بعد أسابيع من الاحتجاجات التي امتدت إلى مختلف مستويات نسيج المجتمع اليهودي، ولتصيب جيشه وأمنه واقتصاده.
من المؤكد حتى الآن، وبعد تواصل المظاهرات وأعمال الاحتجاجات المترافقة مع ضغوط غير مسبوقة من الإدارة الأمريكية على حكومة إسرائيل، أن النتائج العملية لهذا الحراك الإسرائيلي الكبير، لم تمس سوى الفلسطينيين بشكل مباشر، وسلبي طبعا.
وفي لحظة بدت وكأن إسرائيل تطلق النار على نفسها، وأنها راحت تنزاح نحو حفرة مظلمة، خرج نتنياهو معلنا تعليق حكومته العمل على مشروع تغيير القضاء الذي أثار مخاوف غالبية كبيرة من مواطنيه من أن تتوقف دولة الاحتلال الإسرائيلي عن كونها ديمقراطية.
واللافت أن المعارضة، وإن خفت حدة التظاهرات، لم تأخذ تعليق نتنياهو ومبادرته على محمل الجد، وليتبين لاحقا أن اليقين الوحيد الذي تجلى من إعلان التعليق، كان ذلك الذي يمس الجانب الفلسطيني فقط.
المفارقة في ذلك أن إعلان نتنياهو ما كان ليكون، لولا أنه حصل على موافقة وزير الأمن القومي في حكومته، المتطرف ايتمار ين غفير. وهي موافقة ما كانت أن تتم، حسب معظم المصادر الإسرائيلية، إلا بعد حصول بين غفير على مطلبه بتشكيل «الحرس الوطني» الذي يفترض أن تتكون نواته من غلاة المستوطنين اليهود في الضفة الغربية المحتلة.
كل ذلك مقابل موافقة على تعليق مؤقت لقوانين إصلاح القضاء الذي سعى نتنياهو وحلفاؤه في الحكومة إلى تغييرها. وهي موافقة لم تترجم على أرض الواقع سوى بالسعي والتحضير لتشكيل هذه المؤسسة التي سيكون محور عملها الوحيد، التنكيل بالفلسطينيين ومضاعفة معاناتهم القائمة.
قبل انطلاق الاحتجاجات، لم يكن موضوع تشكيل «الحرس الوطني» يشغل بال الإسرائيليين، ربما مر بعضهم عليه سريعا، ولكن بالتأكيد ليس على أجندة معارضتهم الحالية التي أشعلت نار الحراك الحالي الغاضب. ولكنه في المقابل جاء كأول نتيجة، ولو غير مباشرة، لهذه الاحتجاجات.
وكتب رجب أبو سرية، أحد كتاب الرأي في صحيفة «الأيام» الصادرة في رام الله يقول: «هذا يعني بكل بساطة إضفاء الشرعية الرسمية الإسرائيلية على مجموعات إرهابية من المستوطنين القاطنين في الضفة الغربية، وذلك لممارسة كل أشكال العنف والإرهاب ضد المواطنين الفلسطينيين».
وأضاف «وذلك يعني أيضاً أن نتنياهو قد قام بحل أزمته الداخلية على حساب الجانب الفلسطيني، وإذا كانت تلك الصفقة بين نتنياهو وبن غفير أثارت كل هذا الجدل داخل الإسرائيليين أنفسهم، فكيف يكون الأمر على الصعيد الفلسطيني، ومعروف أن هذه التشكيلات العصابية هدفها الأول هو المجتمع الفلسطيني، وليس الإسرائيلي».
ويرى أبو سرية «أن ما يعلنه بعض الإسرائيليين من مخاوف من تشكيل هذه العصابات، ليس مبعثه كونهم يعارضون العنف والإرهاب ضد الفلسطينيين، ولكن خشية منهم بأن يتحول جزء من ذلك العنف إلى داخل المجتمع الإسرائيلي نفسه».
وكتب الباحث والأكاديمي الفلسطينيي محمد ياغي يقول «في المحصلة تم تجميد أو تأجيل الصراع مؤقتاً بين العلمانيين والمتدينين على تغيير قانون القضاء، لكن ذلك حصل على حساب الشعب الفلسطيني وهو شيء متوقع من الاحتلال الذي انتهى الجدل الداخلي فيه بشأن القضية الفلسطينية مع صعود شارون للحكم العام 2001 والإجماع الإسرائيلي الذي حصل على منع قيام دولة فلسطينية مستقلة، وعلى ضم أكبر جزء ممكن من الأراضي الفلسطينية بعد التخلص من غزة».
وقال: «المجتمع الإسرائيلي رغم انقسامه العميق على نفسه بين العلمانيين والمتدينين، أصبح مجتمعاً متطرفاً، لا يمكن إيجاد تسوية سياسية معه عبر المفاوضات أو الوسطاء، ووجود المتدينين المتطرفين داخل الحكومة، يعكس فقط انتقال جزء مهم من المجتمع الإسرائيلي إلى الفكر الفاشي».
وقال ياغي إن الحرس «الذي تمت الموافقة عليه سيتم تشكيله من اليهود المتدينين المستوطنين، حلفاء بن غفير وبتسلئيل سموتريتش وزير المالية الذي دعا علناً إلى محو حوارة. سيكون أداة الصهيونية الدينية لارتكاب الجرائم بحق الشعب الفلسطيني بشكل رسمي وبحماية دولة الاحتلال».
وأضاف: «هذا هو الاتفاق العلني بين بن غفير ونتنياهو ولا نعرف ان كانت هناك اتفاقيات سرية بينهما تضاف إلى ما هو متفق عليه مسبقاً من تكثيف الاستيطان في أراضي الضفة والضم التدريجي لمناطق ج».
ولم تمنع الاحتجاجات التي لم يسبق لها مثيل منذ قيام إسرائيل، حكومة نتنياهو من المصادقة على تعديل خاص يسمح للمستوطنين العودة الى مستوطنات كانت اخليت عام 2005 وقت الانسحاب الأحادي الذي نفذه رئيس وزراء إسرائيل في حينه، ارييل شارون، من قطاع غزة.
وجاء هذا التعديل في إطار قانون إلغاء خطة فك الارتباط عن شمال الضفة الغربية، وهو كما أكد خبراء ليس سوى جزء من مسار ضم الضفة الغربية الذي تسعى إليه أحزاب اليمين المتطرف التي تشكل أساس حكومة إسرائيل الحالية.
ولم تغفل إسرائيل، رغم انشغالها في الاحتجاجات الداخلية، عن مواصلة عملها كالمعتاد في الأرض الفلسطينية المحتلة. ولم يتوقف جيشها وأجهزتها الأمنية عن ملاحقة الفلسطينيين واعتقالهم وإطلاق النار عليهم وقتلهم. ولم تتوقف عمليات اعتقال الفلسطينيين والزج بهم في مراكز الحبس والاعتقال في سجون الاحتلال.
ولم يتوقف المستوطنون كذلك عن التنكيل بالفلسطينيين وتخريب ممتلكاتهم. وما زالت مجموعات منهم تواصل هجماتها على الفلسطينيين، بل انهم حاولوا تنفيذ هجوم مماثل آخرعلى بلدة حوارة عند المدخل الجنوبي لمدينة نابلس في الضفة الغربية، على غرار الهجوم الذي أحرقوا خلاله عشرات المنازل والمتاجر في البلدة قبل نحو شهر.