أزمة إسرائيل الداخلية لن توقف «دولة المستوطنين» في الضفة الغربية

سعيد أبو معلا
حجم الخط
1

رام الله ـ «القدس العربي»: تكتب الدكتورة هنيدة غانم وهي الباحثة المختصة في الشأن الإسرائيلي على صفحتها في فيسبوك، بطريقة تبدو كصرخة في محاولة وصف ما يجري في دولة الاحتلال الإسرائيلي وفي كيف يجب رؤية هذا الذي تشهده المستعمرة الإسرائيلية (هناك/ تل أبيب) وهو غير بعيد عن عموم سكان فلسطين المحتلة حيث تقول: «كثر يكتبون عن أن ما يجري في إسرائيل مؤشر على قوة المجتمع المدني وثقافة الديمقراطية» لكنها تضيف: «ليس الموضوع هكذا، إنما يدل على درجة التزمت القبلي والعمى الاستعماري والعنصرية العميقة في القبيلة الإسرائيلية، وهي مبنية على تراتبية الحقوق وإقصاء الفلسطيني باعتباره (غبرة) وبالتالي ليس له صلة بكل سؤال الديمقراطية».

وتكمل غانم: «هذا ليس مجتمعا مدنيا يدافع عن قيم عالمية، بل هو مجتمع قبلي أعمى ونرجسي ولا يرى أبعد من تل أبيب».
ولا يبدو ما يجري في تل أبيب من تطورات بعيدا عما يجري في الضفة الغربية والقدس من ناحية أو عموم فلسطين المحتلة من ناحية أخرى، فـ«أمام رؤية حكومة أقصى اليمين الجديد التي تعمل باتجاه إعادة بناء المشروع الصهيوني على أسس جديدة، تستبدل الصهيونية العلمانية الإسرائيلية الرخوة، تقوم على القومية اليهودية وقيم المحافظة والتفوق اليهودي وحصرية الحقوق الجماعية بين النهر والبحر باليهود، واستكمال تحقيق كامل السيادة اليهودية على أرض إسرائيل، أمام كل ذلك فإن الشأن الإسرائيلي الداخلي يبدو شأنا فلسطينيا أيضا».
وتكمل غانم قائلة: «بكل جدية الآن أقول إن الوضع يحمل مخاطر جدية على الشعب الفلسطيني، حالة التفكك والصراع الداخلي الإسرائيلي تنطوي على مخاطر انفلات كثير من الغيلان. الحماية الدولية التي تحولت لموضوع تندر هي الآن حاجة ضرورية جدا جدا يجب السعي بكل الطرق من أجل توفيرها».
وفي مقال مكثف نشر على موقع المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية «مدار» بإمضاء غانم وحمل عنوان «في صراع المستعمرين المؤسسين والمستعمرين المستجدين» تحاول الخبيرة أن تقدم تفسيرا عميقا لما يجري في دولة الاحتلال، حيث ترى أن سياق ما يحدث من صراع داخلي يشكل احتلال الأراضي الفلسطينية في 1967 «فرصة ثانية» للصهاينة الملتحقين للعب الدور المشتهى في المشروع القومي الاستعماري الذي فاتهم عام 1948 ولعب دور طلائع الاستيطان الجدد الذين يسعون لاستكمال المشروع الصهيوني «المبتور».
وترى هنيدة في مقالها أنه يتحقق المستوى الاستعماري عبر المواجهة مع الفلسطيني والسعي إلى سحقه، حيث يصبح هزم الفلسطيني الأصلاني (عماليق) والسيادة على كل البلاد هو الطقس الذي سيعمد مكانة الصهاينة المستجدين في المشروع القومي الاستعماري العام كـ»أسياد البلاد وأصحاب المكان» (وبلغة إيتمار بن غفير «باعل هبيت»).
وتتابع: «هذا المشروع يظل غير كاف لتعميدهم إن لم يواز انتصارهم على الأعداء قتل أب رمزي بلغة فرويدية، يمكن المستجدين/ الأبناء من أن يرثوا فعليًا الآباء المؤسسين وأن يجلسوا مكانهم. بكلمات أخرى يمكن الصهاينة المستجدين من أن يصبحوا صهاينة مؤسسين سواء عبر (ثورة قضائية) تمكنهم من تفكيك آخر معاقل هيمنة الصهيونية المؤسسة أو من خلال نزع شرعيتهم ومحاصرتهم ومنع عودتهم للحكم بعد إجراء تغييرات بنيوية في النظام أو عبر تعميدهم في البنية الجديدة كيهود جدد».
وتختم: «تأخذ الصهيونية المستجدة بقيادة أقصى اليمين الجديد من قاموس الصهيونية المؤسسة قيمها المركزية، وتعيد تدويرها وتوظيفها لاستكمال المشروع الصهيوني والدفع لتحققه الكامل بعد أن تراخى الأبناء المؤسسون عن استكماله: تحقيق السيادة الكاملة على أرض إسرائيل عبر الاستيطان بكل أشكاله وأدواته، والتهويد المثابر وترسيخ التفوق اليهودي بين النهر والبحر وسحق الفلسطينيين، وأيضًا إعادة تهويد (الصهاينة الأوائل) الذين تراخت يهوديتهم وهويتهم».

في السياق ذاته يقدم الأكاديمي والباحث في قضايا التنمية السياسية إبراهيم ربايعة قراءة للأزمة الإسرائيلية الداخلية وعلاقة ذلك بالفلسطينيين (المحتلين) من خلال أهم انعكاس على الفلسطينيين، سواء في الداخل أو الضفة الغربية، وهو يتمثل في إطلاق يد الصهيونية الدينية، وتيسير اكتمال دولة المستوطنين في الضفة الغربية، وهذا ما يفسر تسارع جهود الوزير سموتريتش بهذا الاتجاه، والذي عمل على إعادة توزيع المهام في الإدارة المدنية وتقديم تشريعات ذات صلة، وصولاً لمد السيادة الإسرائيلية الكاملة على الضفة الغربية، وهنا تبرز أهمية تشريعات تعطيل دور القضاء الإسرائيلي، والتي ستدعم هذا المشروع.

الفلسطينيون ورقة مساومة

يكمل ربايعة قائلا: «أيضاً، ما حصل عليه بن غفير من قرار بتسريع تشكيل «الحرس الوطني» وهو مشروع كان بينيت قد طرحه سابقاً، يشكل قراراً رسمياً بإنشاء ميليشيات للمستوطنين تستهدف العرب، وقوام هذه الميليشيات المجموعات المنفلتة كـ»شبيبة التلال».
ويشدد ربايعة على أن الأزمة مع المعارضة الإسرائيلية لا علاقة لها بالملف الفلسطيني، بل ترتبط بالديمقراطية المدعاة، والتي تغطي الإسرائيلي وتستثني الفلسطينيين في الداخل، فهي ديمقراطية لليهود فقط.
ويرى أنه على مستوى داخل الائتلاف الحكومي اليميني المتطرف، فالورقة الفلسطينية ورقة مساومة، «نلاحظ أنها برزت بتسوية تأجيل التشريعات واستخدمها نتنياهو لإسكات بن غفير». فالصورة الواسعة تقول إن اليمين المتطرف يستثمر قوته في الحكومة اليوم لإعادة هندسة الاحتلال من خلال إنهاء المراحل الأخيرة من دولة المستوطنين، وتمكينهم بمؤسسات وموازنات وتشريعات وبنية تحتية ناظمة.
ويشدد ربايعة أن دولة المستوطنين بالمناسبة كانت مشروع الليكود عام 2017-2018 لكن سموتريتش اليوم، بما يمثل من مؤسسات ولوبي داعم، يعرف ما يريد ويخطو خطوات متسارعة لإنفاذه هذا المشروع. «أن قوام هذا المشروع إنجاز المعازل، ووضع الفلسطينيين في كنتونات منفصلة، وهذا ما يمكن قراءته من حالة حوارة على سبيل المثال. أن المشروع الاستيطاني اليوم يمتلك عشرات الجمعيات الناظمة لعمل المستوطنين اجتماعيا واقتصادياً وسياسياً، وتدير حياة المستوطنين اليومية بشكل مستقل يشبه الحكم الذاتي، وأعتقد أن الحكومة الحالية ماضية بهذا الجهد لتعزيزه».
وحول التعاطي الفلسطيني مع الأزمة الإسرائيلية الداخلية، يشدد ربايعة أنه لا يوجد اليوم. فالظرف الفلسطيني الداخلي لا يساعد على تكوين رؤية واستراتيجية وطنية جامعة، فالفصائل غارقة بالانقسام، والسلطة الوطنية تبحث جاهدة عن أدوات لإدارة الحياة اليومية والأزمات الناجمة عن قيود الاحتلال، والظرف العربي والدولي لا يتم استثماره لتمكين الوضع الفلسطيني في ظل أزمة قبول الحكومة الإسرائيلية أمريكياً وغربياً. أيضا، وضع التمثيل الفلسطيني في الداخل الذي يعاني من أزمة مشروع وأزمة خطاب وأزمة تمثيل، وهذا ما يجعل الفلسطيني في الداخل أيضاً متفرجا ينتظر نتائج هذا الصراع على هوية النظام السياسي الإسرائيلي.
ويرى ربايعة أن مشروع الاستيطان اليوم يسير وفق رؤية لإنجاز دولة المستوطنين، أما اللقاءات والتفاهمات في شرم الشيخ والعقبة، فهي تفاهمات إجرائية لن توقف استثمار الصهيونية الدينية لهذه الفرصة.
وحول دور الفلسطينيين أمام المشهد الإسرائيلي وثنائية التصعيد أو خفض التصعيد وطبيعة الأدوات التي يمكن أن يستثمرها الفلسطينيون في هذه المرحلة يختم الأكاديمي ربايعة حديثه قائلا: «قبل ذلك، يجب أن نسأل ما هي أولويات النظام السياسي والنخب والشارع في إسرائيل، والتي لا تتصل اليوم بالشأن الفلسطيني، والدليل أن العمليات والأحداث الأخيرة لم تحرف المظاهرات عن مطالبها، وبالتالي، لا أتفق بأن تأزيم الحالة الداخلية بإسرائيل مرتبط بأي جهد فلسطيني».

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية