الناصرة ـ «القدس العربي»: من المفترض أن تبدأ اليوم الأحد أو غدا الإثنين المفاوضات بين مندوبين عن المعسكرين المتصارعين في إسرائيل، لكن هناك تقديرات محلية كثيرة متشائكة حيال احتمالات إحرازها تسوية نتيجة الهوة الواسعة في المواقف وفقدان الثقة بينهما خاصة أن معظم الإسرائيليين يرون برئيس حكومتها بنيامين نتنياهو كاذبا ومخادعا. ومما يقلل من فرص هذه المداولات رغم الرغبة الكبيرة لدى الإسرائيليين بالخروج بسرعة من هذا المأزق، استمرار التراشق بين الطرفين ومن آخر تجلياته تأكيد النائب المعارض حيلي تروبر عدم السماح بأي حال من الأحوال سيطرة السياسيين على الجهاز القضائي ورد وزير القضاء ياريف لافين عليه باتهامه بأنه يسعى لتفجير المفاوضات قبل أن تبدأ. كذلك تتزايد الشكوك حول فرص التسوية بعدما تم فضح مراسلات عبر تطبيق «ووتساب» بين لافين وبين أحد أصدقائه يقول فيها وزير القضاء إن الحكومة ماضية في تطبيق التشريعات بكل الأحوال. كما أن وزير الأمن القومي ايتمار بن غفير قد أكد هذا التوجه لحكومة الاحتلال بقوله إنه تراجع عن رفضه لمفاوضات التسوية بعدما وعده نتنياهو بتشريع كافة مشاريع القوانين المطروحة بحال لم تتحقق عملية توافق واسعة عليها ما يكشف نوايا نتنياهو فما بالك وأن نجله يائير نتنياهو يواصل تأكيد ذلك في منشوراته يوميا. على خلفية ذلك دعت جهات في مقر قيادة الاحتجاجات الإسرائيليين لمواصلة التظاهر والاحتجاج تحت عنوان «لن نتنازل أبدا عن الحرية». وفي المقابل شرع أنصار الائتلاف الحاكم بالخروج للشوارع إعلانا لتأييدهم التشريعات ما بدأ يزيد من الاحتكاكات بين الجانبين.
وعلى خلفية كل ذلك عنونت صحيفة «هآرتس» عنوانها الرئيسي يوم الجمعة الأخير بكلمة: «بشروط» مؤكدة أن الائتلاف الحاكم يطرح شروطا صعبة للتسوية وأن وزير القضاء ياريف لافين لا ينوي التقدم نحو تسوية. وفي افتتاحيتها حذرّت من وجود جماعات من الزعران يستعدون لمهاجمة المتظاهرين المناهضين للاحتجاجات وتقول إن الحكومة تؤيد هؤلاء «البلاطجة» وبأفضل الأحوال تصمت عليها.
ويؤكد المفكّر الإسرائيلي البارز بروفيسور يوفال نوح هراري أن الحكومة غير معنية بالتسوية داعيا للاستعداد لأسوأ السيناريوهات منبها أن مشاريع القوانين لم تلغ وهي ما زالت موجودة، ويتابع في حديث مطول معه أجرته «هآرتس»: «نتنياهو أبقى على مشاريع القوانين هذه وهي كمسدس على الطاولة يستطيع استخدامه وإطلاق النار في كل لحظة».
وذهبت صحيفة «يديعوت أحرونوت» إلى ما هو أشد وأقسى وأكثر تشاؤما باختيارها عنوانها الرئيسي يوم الجمعة الأخير: «صفر اتفاق» وتشير لاتساع الهوة بين المعسكرين وتبادل التهم بين قادتهما. ويتساءل المعلق السياسي في الصحيفة ناحوم برنيع، سيكون هذا حوار أم مناورة وخديعة؟ وتبعه زميله المعلق السياسي في القناة العبرية 12 نداف ايال في مقال نشرته صحيفة «يديعوت أحرونوت» أكد فيه أن اليمين عمليا يستعد للجولة الثانية من المنازلة من أجل تمرير التشريعات القضائية الانقلابية.
وكشف استطلاع رأي أجرته الصحيفة العبرية المذكورة أن 71 في المئة من الإسرائيليين غير راضين عن أداء الحكومة، وأن 50 في المئة من مصوتيها غير راضين عنها فيما قال 63 في المئة من الإسرائيليين غير راضين من طريقة تطبيق الإصلاحات القضائية فيما قال 51 في المئة من الإسرائيليين يعارضون قانون تغلب الحكومة على المحكمة العليا في حال تناقض موقفيهما في قضية معينة. وعلى خلفية هذا السجال الساخن كشفت القناة العبرية 12 أن أوساطا من الإسرائيليين باتوا يكابدون الاكتئاب والشعور بالضيق والعزوف عن ريادة المطاعم والمقاهي أو السفر لخارج البلاد، وقد عبّر عن هذه الحالة النفسية العامة الجنرال في الاحتياط يسرائيل زيف الذي قال إنه لا يقوى على إغماض عينيه والنوم في الليالي بسبب القلق والخوف من التهديدات الوجودية التي تتعّرض لها إسرائيل وعدم مواجهتها من قبل قادتها. وتبعه اللواء في الاحتياط تامير هايمن مدير معهد دراسات الأمن القومي التابع لجامعة تل أبيب الذي يحذر بصوت عالي جدا من الأضرار والمخاطر الاستراتيجية والأمنية المترتبة على التشريعات منبها إلى أن أعداء إسرائيل هم الرابحون مما يجري خاصة إيران لاسيما أن أزمة في العلاقات مع الولايات المتحدة دخلت على الخط. في مقال نشره موقع المعهد المذكور يقول هايمان إن إيران وأتباعها باتوا أكثر جرأة في استهداف إسرائيل مدللا على ذلك بالإشارة لعملية مجيدو الأخيرة التي قام بها جندي حزب الله باختراق الحدود والوصول لقلب إسرائيل وتفجير عبوة ناسفة شديدة كادت أن تؤدي لعدد كبير من القتلى والجرحى.
جيش الاحتياط
والإصلاحات القضائية
حالة اكتئاب عدد كبير من الإسرائيليين نتيجة الانقسام وتحذيرات مراقبين محليين من استمراره تنبع من الاحتكاكات واشتداد خطاب الكراهية والعنف ومن تغلغل السجال لداخل الجيش ومبادرة ضباط وجنود في الجيشين النظامي والاحتياط لإعلان الرغبة بالعصيان بحال استمرت التشريعات وهذا بداية تفكّك الدولة وليس الجيش فحسب. وهذا في المناسبة كان قد حذر منه رئيس إسرائيل السابق رؤوفين ريفلين الذي قال خلال مؤتمر هرتزليا لمناعة القومية عام 2015 إن حالة التشظي الداخلي في إسرائيل أشد خطرا عليها من قنبلة إيران.
في رسائل متتالية تم تداولها في وسائل الإعلام الإسرائيلية في الفترة الأخيرة قال مئات بل آلاف المحتجين الذين يصفون أنفسهم بالاحتياطيين، أنهم يرفضون الاستدعاءات للخدمة ردًا على خطة الإصلاح القضائي. وحدث ذلك رغم أن قادة الحكومة اعتبروا رفض الخدمة العسكرية خطا أحمر وقال بنيامين نتنياهو إن هذا سيشكل «تهديدًا للأسس الوجودية» لإسرائيل. لكن نتنياهو ورغم تصريحاته حول خطورة ذلك بادر بنفسه للإطاحة بوزير الأمن يوآاف غالانت في عز الأزمة وفي ظل تهديدات حقيقية فقط لأنه حذر منها مما زاد من غضب الإسرائيليين عليه بما في ذلك أوساط من أنصاره في اليمين ممن يخشون من فقدانه القدرة على القيادة والريادة بشكل سليم أو من كونه «أسيرا» بيد وزراء متطرفين يثقلون عليه وعلى حكومته وعلى إسرائيل كما يتجلى في انتقادات متتالية توجه لها في العالم حتى من قبل أصدقائها وعلى رأسهم الرئيس الأمريكي جو بايدن الذي يرفض دعوته للبيت الأبيض بخلاف تقاليد الماضي وفيها كان كل رئيس وزراء إسرائيلي جديد يدعوه لزيارة واشنطن غداة انتخابه. وبلغت حدة تهديدات الضباط والجنود لدرجة أن بعضهم قد قال بوضوح إنهم سيسارعون للتجند بحال تعرضت إسرائيل للحرب لكنهم لن يشاركوا في حرب هجومية مثلما لن يشاركوا في حملة عسكرية ضد إيران. وقال العقيد «ن» من جيش الاحتياط قد هدد بأنه في حال قرر المسؤولون الحكوميون توجيه ضربة جوية أو عملية عسكرية ضد هدف فلسطيني، فإنه في السابق كانت السلطة القضائية تنظر في الأمر، وكان يمكن لها أن تقوم بإلغائه في حال ثبت عدم وجود «تهديد أمني» حقيقي. وسبب الإلغاء قد يكون احتمالية قتل المدنيين الفلسطينيين أو إصابتهم بدون أن يكون هناك تهديد حقيقي يجب منعه. ويخشى «ن» أن تؤدي الإصلاحات القضائية إلى سحب هذا «الدور» من السلطة القضائية، وبالتالي فهو (أي «ن») لا يريد أن يكون شريكًا في قرارات الحكومة. ومع أن هذا الموقف قد يبدو حساسًا بالنسبة للخطاب الإسرائيلي الداخلي، فإنه ينطوي على مراوغة أخلاقية داخلية، إذ إن جنود الاحتياط يرضون قتل الفلسطينيين في حال كانت هناك موافقة قضائية، وهو ما حصل منذ إقامة دولة إسرائيل وحتى اليوم، بحيث شكلت السلطة القضائية ومحكمتها العليا، داعمًا أساسيًا لآلة القتل الإسرائيلية. وعليه، فإن الانقسام داخل إسرائيل ليس انقسامًا قيميًا حول دور السلطات، أو «ديمقراطية» العنف الإسرائيلية، بقدر ما هو انقسام بين معسكرين.
ومنذ منتصف شباط/فبراير 2023 انضمت أعداد متزايدة من عناصر جيش الاحتياط، بما في ذلك أعضاء في أهم تشكيلة للقوات الجوية، إلى موجات الرفض والامتناع عن الخدمة، وهو ما يشكل خطوة غير مسبوقة تأتي كجزء من حركة الاحتجاج ضد الحكومة الجديدة المتطرفة اليمينية. وفي إعلان الأسبوع السابق، أعلن جميع الطيارين الاحتياطيين في القوة الجوية الإسرائيلية المتميزة والتي تحمل الرقم 69 (باستثناء ثلاثة فقط) أنهم لن يشاركوا في تدريبات هذا الأسبوع وسيشاركون بدلًا من ذلك في احتجاجات عامة ويزعمون أنهم ليسوا مستعدين لخدمة «نظام استبدادي». ويخشى المسؤولون الأمنيون أيضًا من عدم الالتزام بالأوامر والعصيان داخل صفوف الجيش النظامي، حيث تزداد المعارضة لخطط رئيس نتنياهو لتقييد سلطات السلطة القضائية في جميع أنحاء المجتمع الإسرائيلي.
تغييب القضية
الفلسطينية والرافضين
ويشار هنا أن القضية الفلسطينية تغيب عن الاحتجاجات وكذلك الاحتلال مثلما يتم طمس حقوق وأقلية المواطنين العرب في هذه الدولة ولذا يستنكفون عن المشاركة في الاحتجاجات. تحت عنوان «خلافاً للإجماع الإسرائيلي على معاداة الرافضين المناهضين للاحتلال: انقسام عقائدي أمام مظاهر الرفض المحدود الراهنة» قال المحلل هشام نفاع في مقال نشره موقع «مدار» إنه قبل نحو أسبوع وصل الشاب يوفال داغ (20 عاماً) إلى مركز التجنيد القطري وأعلن رفضه الخدمة في الجيش بسبب رفضه الاحتلال والأبرتهايد كما أكد. وحكمت عليه محكمة عسكرية بالسجن. قبل أسبوعين تلقى الشاب نافيه شبتاي- ليفين (19 عاماً) إعفاء من الخدمة العسكرية بعد أن قضى أربعة شهور في السجن لرفضه التجنّد للأسباب نفسها. قبل نحو شهر تلقى الشابان شاحر شفارتس (18 عاماً) وأفيتار روبين (19 عاماً) إعفاء من الخدمة العسكرية بعد أن قضيا نحو أربعة شهور في السجن.
ويقول نفاع في هذا المضمار إن جميعهم رافضون فعليون، جاهزون لدفع الثمن بالسجن، وما قاله الرافض داغ لموقع «سيحا ميكوميت» يعبّر عن روح مواقفهم: «أدعو الناس إلى فحص الواقع، النظر إلى ما يجري، لفهم تداعيات ما سيفعلونه ومعنى الوظائف التي يلقيها عليهم الجيش. معنى مراقبة الناس وملاحقتهم بشكل دائم، اعتقال أشخاص وأطفال من بيوتهم، حراسة مستوطنات أو إخلاء قرية».
لافتا الى ان الإعلام الإسرائيلي والجدل الجماهيري يغيّب تماماً هذه الأصوات الجريئة، لا يذكرهم ولا يتحدث عنهم وبالطبع لا يقابلهم ولا يصغي إليهم ويحجب مجرد وجودهم السياسي والاجتماعي عن الجمهور. هذا موقف معادٍ تماماً ضدهم وفي الوقت نفسه انحياز كامل إلى الموقف الحكومي والعسكري الطاغي الذي يعاقب الرافضين بدوافع الضمير بالسجن. ويخلص هشام نفاع للقول إن هذا يحدث في حين أنه لا يمرّ يوم واحد في الإعلام الإسرائيلي من دون التحدّث عن إعلان ضباط وجنود رفضهم المشاركة في تدريبات عسكرية احتجاجاً على الانقلاب القضائي، وما يترتّب عليه، الذي تنفّذه الحكومة برئاسة بنيامين نتنياهو. علماً بأن هذا حتى الآن ليس رفضاً فعلياً للقيام بمهمات عسكرية قتالية، ولم تُسجّل بعد أي حالة كهذه. هو رفض للمشاركة في التدريبات الروتينية.