نيويورك-»الأمم المتحدة»: أصدرت المحكمة الجنائية الدولية يوم 17 آذار/مارس مذكرة اعتقال بحق الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، بتهمة ترحيل قسري للأطفال من أوكرانيا إلى الأراضي الروسية، وهي جريمة حرب حسب النظام الداخلي للمحكمة. وقال المتحدث باسم المحكمة، هذه ليست إدانة بل طلب للمثول أمام المحكمة. كما أصدرت المحكمة في نفس اليوم مذكرة اعتقال ثانية بحق ماريا لفوفا بيلوفا، المفوضة الروسية لحقوق الأطفال، بناء على الاتهام نفسه. بعد هذه المذكرة، ومن ناحية قانونية، يحق لأي دولة من الدول الأعضاء الـ 123 أن تلقي القبض على بوتين وتسلمه للمحكمة في حال دخوله أراضي تلك الدولة.
رد الفعل الروسي على المذكرة كان قاسيا، حيث أكد المتحدث باسم الكرملين، دميتري بيسكوف، أن روسيا ترى أن المسائل التي أثارتها المحكمة الجنائية الدولية «شائنة وغير مقبولة». بينما رحبت الدول الغربية بالقرار واعتبرته الخطوة الأولى نحو المساءلة.
وهذا هو الرئيس الثالث الذي توجه له المحكمة تهمة ارتكاب جرائم حرب وهو على رأس عمله، حيث كانت قد اتهمت الرئيس السوداني عمر البشير بارتكاب جرائم حرب في دارفور، والعقيد معمر القذافي بتهمة ارتكاب جرائم حرب ضد المدنيين.
ونحن لا نريد أن نناقش هل هؤلاء الرؤساء أبرياء أم أنهم فعلا متورطون في جرائم فظيعة؟ بل الذي يثير الحنق هو عدم الاقتراب من جرائم الحرب التي ارتكبها قادة غربيون وربيبتهم المدللة إسرائيل. ولعل المخاوف الأفريقية في مكانها عندما قرر بعض أعضائها الانسحاب من المحكمة التي أسموها المحكمة الجنائية الأفريقية وليست الدولية.
مراجعة للمدعين العامين الثلاثة
منذ إقرار نظام روما الأساسي لعام 1998 والقاضي بإنشاء المحكمة الجنائية الدولية، وبعد دخول النظام حيز الإلزام للدول الأعضاء في تموز/يوليو 2002 تقلب على موقع المدعي العام ثلاثة: الأرجنتيني لويس مورينو أوكامبو (16 حزيران//يونيو 2003 لغاية 15 حزيران/يونيو 2012) والغامبية فاتو بنسودا (16 حزيران/يونيو 2013 لغاية 15 حزيران/يونيو 2021) والحالي البريطاني كريم خان الذي بدأ دورته في 16 حزيران/يونيو 2021 لمدة تسع سنوات.
المحكمة في عهد أوكامبو
هناك كثير من اللغط حول علاقة أوكامبو المتميزة مع الولايات المتحدة واستشاراته مع البنك الدولي واستقباله أستاذا زائرا في جامعة هارفرد وييل، وحتى في إسرائيل حيث عمل لمدة عام أستاذا زائرا في الجامعة العبرية.
وبعد تقاعده من المحكمة الجنائية نشرت مجلة «دير شبيغل» الألمانية معلومات دقيقة بناء على حصولها على رسائل أوكامبو الإلكترونية والتي تشير إلى امتلاكه لعدد من الشركات والمصالح خارج بلاده الأرجنتين. كما تبين أن أوكامبو قد شطب اسم حسن تتنكي، من ليبيا أحد عملائه التجاريين الكبار، والمتهم بجرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية من قائمة المتهمين مع معمر القذافي.
قام لويس مورينو أوكامبو بزيارة لإسرائيل في كانون الأول/ديسمبر 2015 حيث أشاد بوزارة الخارجية الإسرائيلية لنشرها تقريرا يدعي أن المستوطنات اليهودية في الضفة الغربية قانونية بموجب القانون الدولي. وطالب بدراسة التقرير جيدا.
في عهد أوكامبو، لم تفتح المحكمة أي ملف إلا للأفارقة. وقد صدرت إدانات لثلاثة رؤساء أفارقة هم السوداني عمر البشير، والرئيس السابق لساحل العاج، لوران غواغبو، والعقيد معمر القذافي ومجموعة من رموز نظامه والمقربين منه بمن فيهم سيف الإسلام. أوكامبو لم ينطق بكلمة في ما كان يجري من جرائم حرب في فلسطين والعراق وأفغانستان والصومال واليمن وغيرها. وفي عهده جرت عملية «غيوم الصيف» على بيت حانون في تشرين الثاني/نوفمبر 2006 حيث أنجز الأب ديزموند توتو تقريرا مهما حول ما ارتكبته إسرائيل من فظائع. ثم أنجز القاضي ريتشارد غولدستون في تشرين الأول/أكتوبر 2009 تقريره الشهير حول عملية «الرصاص المسكوب» التي شنتها إسرائيل على غزة بين 27 كانون الأول/ديسمبر 2008 و 18 كانون الثاني/يناير 2009 والذي تضمن توثيقات مفصلة لجرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية ارتكبت في غزة. لكن المدعي العام لم يثر الموضوع ولم يعلق على هذه الجرائم وكأنه في عالم آخر.
المحكمة في عهد بنسودا
رحب الأفارقة بتعيين الغامبية فاتو بنسودا، مدعية عامة للمحكمة. كانت أزمة الثقة بين القارة الأفريقية والمحكمة قد بلغت أوجها. كان التركيز على أفريقيا أساسا ليس لأن أفريقيا خالية من مجرمي الحرب بل لأن العالم يزخر بالمجرمين الخطيرين من خارجها. لقد فتح مكتب المدعي العام عشر حالات تحقيق رسمية وكان يتعامل مع تسلمها المنصب تسع حالات في بداية مرحلة التحقيق الأولية كلها لأفارقة. وبلغ من وجهت له تهم رسمية 39 فردا كلهم بلا إستثناء من القارة الأفريقية من بينهم الرئيس السوداني عمر البشير والرئيس الكيني أوهورو كنياتا ورئيس ساحل العاج السابق لورا غباغبو والرئيس الليبي السابق معمر القذافي وجوزف كوني، قائد مجموعة مسلحة في أوغندا.
اقترحت جزر القمر عام 2009 أن يقوم الأفارقة بالانسحاب الجماعي لكن الموضوع تأجل وخاصة بعد تعيين بنسودا. استبشر الأفارقة خيرا إلا أن بنسودا لم تغير في التوجه نحو ملاحقة مجرمي حرب من خارج القارة الأفريقية. فحتى كانون الثاني/يناير 2016 كانت المحكمة تفتح ملفات تسع حالات كلها في القارة الأفريقية. في 7 تشرين الأول/أكتوبر 2016 قررت ثلاث دول أفريقية الانسحاب منها هي بورندي ثم جنوب أفريقيا ثم غامبيا. كما أن كينيا وناميبيا ألمحتا إلى أنهما يدرسان إمكانية اتخاذ قرار الانسحاب. وساطة الأمين العام للأمم المتحدة، بان كي مون، أقنعت جنوب أفريقيا وغامبيا بالعودة إلى المحكمة خاصة بعدما تم قبول فلسطين عضوا في المحكمة في1 نيسان/أبريل 2015 ثم بدأ الحديث عن توسيع دائرة التحقيقات لتشمل إسرائيل وأفغانستان وميانمار.
كانت فلسطين قدمت ثلاثة ملفات برسم المحكمة: ملف الاستيطان وملف حرب صيف 2014 وملف الأسرى والمعتقلين. لكن المحكمة تباطأت كثيرا ولأسباب معروفة من بينها الضغوط الأمريكية والإسرائيلية، ثم أعادت في 2018 فتح ملف ما إذا كان للمحكمة ولاية على الأراضي الخاضعة لدولة فلسطين، لتعود وتقول بعد ثلاث سنوات إضافية نعم للمحكمة ولاية قانونية على أراضي الدولة العضو، والمحددة بالضفة الغربية بما فيها القدس وقطاع غزة. عملية المماطلة وإعادة البحث كانت نوعا من التهرب من مواجهة الحقيقة الواضحة قانونيا. والغريب مرة أخرى أن بنسودا انتظرت حتى قبل رحيلها بأربعة أشهر لتنطق بقرار التحقيق في جرائم الحرب في 5 شباط/ فبراير 2012 وتعود وتؤكد قبل أيام من رحيلها على أن فتح ملفات التحقيق قد بدأ فعلا رغم التهديدات الإسرائيلية والأمريكية.
كريم خان: تخوفات مبنية على أساس
إن اختيار كريم خان يثير الشكوك من الألف إلى الياء. لقد وضعت جمعية الدول الأعضاء في نظام روما الأساسي أمام خيار يكاد يكون وحيدا لانتخاب كريم خان بعد أن تم استبعاد المنافس الحقيقي له القاضي الإيرلندي فرغال غاينور المتعاطف مع القضية الفلسطينية. كريم خان معروف بدفاعه عن مجرمي الحرب، مثل شارلز تايلور، رئيس ليبيريا الأسبق، والذي حكم عليه من قبل المحكمة بالسجن لمدة 50 سنة. ودافع عن ثلاثة من مجرمي الحرب في دارفور، كما دافع عن سيف الإسلام القذافي لارتكابه جرائم ضد الإنسانية في استهداف المدنيين في الأيام الأولى من الثورة الليبية. كما دافع عن بيير بيمبا، وهو مجرم حرب آخر من جمهورية الكونغو وارتكب هو وجنوده جرائم حرب في جمهورية أفريقيا الوسطى، كما دافع عن مجرمي حرب في كينيا ولا عجب أن نرى كينيا هي التي كانت وراء إقناع المجموعة الأفريقية بدعم خان.
خان وقضية فلسطين
من الملاحظ أن مكتب المدعي العام لم يصدر أي بيان يتعلق بالجريمة البشعة في اغتيال شيرين أبو عاقلة يوم 11 أيار/مايو 2022 وكأن الأمر لا يعنيه، علما أنه يقع ضمن اختصاصاته. فهو صامت تماما عندما يتعلق الأمر بفلسطين، صامت حول جريمة الاستيطان التي تسشري كل يوم وعلى قتل الأطفال وصامت على الاغتيالات المتعمدة بل والأخطر من هذا أنه عاد ليضع القضية الفلسطينية والجرائم التي ترتكب ضد المدنيين الفلسطينيين في إطار مصغر واصفا إياها في مقابلة مع قناة «الجزيرة» مع برنامج «لقاء اليوم» بتاريخ 15 تشرين الأول/أكتوبر 2021 بأن «نظام روما الأساسي ليس مختصا بقضية واحدة. هناك قضايا مرفوعة أمام المحكمة منذ عام 2002 منها يوغندا وجيش الرب وساحل العاج ومالي حيث ارتكبت جرائم باسم الإسلام وهدمت مساجد في تمبكتو. فلسطين حالة من تلك الحالات». وهذا تصريح خطير جدا يضع قضية احتلال وطن بكامله وتشريد شعب وشن حروب دموية وارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية بما في ذلك قتل مئات الأطفال على نفس المستوى مثل ارتكاب قائد عسكري متهور أو مجموعة إرهابية لجريمة كبيرة.
المسألة الأوكرانية
كي نعرف مدى انحياز خان للرواية الأوروأمريكية في مسألة الحرب الدائرة في أوكرانيا، تحرك المدعي العام بعد أربعة أيام فقط من بدء الحرب وانتشار أخبار مصادرُها غربية في معظمها، عن ارتكاب القوات الروسية جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية. أصدر مكتبه عددا من البيانات حول الحرب وأعلن عن نيته التحقيق في تلك الجرائم. قام شخصيا بزيارتين لأوكرانيا الأولى لبلدة بوتشا يوم 13 نيسان/أبريل بعد انتشار صور وفيديوهات، شككت روسيا في صدقيتها، حول مجازر ومقابر جماعية عثر عليها في البلدة. وصل بوتشا بعد أقل من ثلاثة أسابيع على انتشار أخبار المذبحة، ووقف على ما قيل إنه قبر جماعي.
وأعلن المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية كريم خان يوم 17 أيار/مايو نشر فريق من 42 محققا وخبيرا في أوكرانيا مؤكدا أن مكتبه أرسل هذا الفريق المكون من خبراء الجنايات وموظفي مساندة قائلا إنها «أكبر بعثة من حيث العدد تم نشرها حتى الآن في منطقة دفعة واحدة». وقال «بفضل نشر فريق من المحققين سنتمكن من درس الخيوط بشكل أفضل وجمع الشهادات المتعلقة بهجمات عسكرية قد تشكل جرائم مشمولة في ميثاق روما».
إضافة إلى هذا، طلب خان من جميع الدول الأعضاء في جمعية الدول الأعضاء في نظام روما الأساسي أن تتعاون مع مكتبه بإحالة ما لديها من معلومات ووثائق للمحكمة فوصله أكثر من 40 إحالة. كما وقع اتفاقيتين مع بولندا وليتوانيا إضافة إلى مذكرة أخرى مع نفس حكومة أوكرانيا للعمل على تشكيل فريق تحقيق مشترك والتعاون مع فريقه الضخم الذي أرسل إلى أوكرانيا. وقد تلقى مكتب خان تبرعات فورية أو تعهدات مالية من 20 دولة غربية منخرطة في الحرب في أوكرانيا. بينما لم يكلف نفسه بإجراء أي اتصال مع روسيا حتى من قبيل المساءلة بحجة أن روسيا ليست عضوا في المحكمة الجنائية الدولية.
إذن لا نستغرب أن خان قد أسرع في إصدار مذكرة اتهام للرئيس الروسي بوتين وراح يطلق التصريحات مدافعا عن القرار وهو أمر قد يترك للمتحدث الرسمي حيث قال: «نقل مئات الأطفال الأوكرانيين من دور الأيتام ودور رعاية الأطفال إلى روسيا، ونزعم أن كثيرين من هؤلاء الأطفال تم تقديمهم للتبني في روسيا الاتحادية منذ ذلك الحين تظهر نية نقل هؤلاء الأطفال بشكل دائم من بلادهم. وفي وقت عمليات الترحيل هذه، كان الأطفال الأوكرانيون أشخاصا محميين بموجب اتفاقية جنيف الرابعة».