لندن ـ «القدس العربي»: فيكتور أوسيمين… عملة نادرة اُكتشفت بالصدفة في أدغال أفريقيا، ببنيانه الجسدي الفولاذي وسرعته الرهيبة، أشبه بالفهد الأفريقي، الذي تنشق عنه الأرض فجأة أمام ضحاياه وفرائسه، متسلحا بالغريزة المفقودة في ملاعب كرة القدم في العشرية الأخيرة، كمهاجم بالمواصفات النموذجية لرأس الحربة رقم 9، إذ لديه قدرة غير عادية على التسجيل من أي مكان داخل وخارج مربع العمليات، والأهم يسجل بكل أريحية بالرأس وكلتا القدمين، مجسدا المقولة البريطانية المأثورة «إذا هبّت الريح وجب على الحشائش أن تنحني».
حياة الضنك
وُلد الفتى العشريني في ديسمبر / كانون الأول عام 1998، لأسرة تعيش تحت خط الفقر بسنين ضوئية، هناك في مدينة لاغوس، المعروفة باسم العاصمة الاقتصادية لنيجيريا، كان يعولها الأب الشيخ باتريك وزوجته الراحلة، التي كانت تبيع أكياس الماء، لتحسين دخل الأسرة وتوفير الطعام للأبناء الستة، بل وفقا لشبكة «ذا ناشونال أونلاين»، كان أوسيمين، كثيرا ما يتعرض لضربة شمس، لوجوده في إشارات المرور مع الأم الراحلة، بينما في المساء، كان يشارك أشقاءه الخمسة في جمع السلع المنزلية والأكياس من شوارع وأحياء منطقة إيكيجا، التي تستوعب أكثر مكبات النفايات في أفريقيا، إلى أن ساقه القدر لمشاهدة شقيقه أندرو، الذي كان يحظى بشعبية طاغية في المجتمع، باعتباره نجم وساحر كرة القدم في المنطقة. وحدث ذلك في إحدى مباريات شقيقه في الملعب الخاص بمدرسة أولوسوسون الابتدائية، وهي نفس المدرسة التي كان يتلقى فيها الصغير تعليمه الابتدائي، لتحدث اللحظة الفارقة في العام 2010، بتخلي شقيقه عن حلم احتراف الساحرة المستديرة، وذلك من أجل الاستثمار في موهبة الأخ الصغير، لدرجة أنه ترك تعليمه واتجه إلى العمل، لكسب المال وتقديم الرعاية اللازمة لفيكتور وباقي الأشقاء، خاصة بعد رحيل الوالدة، حيث التزم الأخ الأكبر العاشق لنادي تشلسي، بكافة مصاريف واحتياجات الصغير طوال فترة وجوده في أكاديمية ألتميت، التي كانت بوابته لطرق أبواب الشهرة والنجومية في زمن قياسي.
طريق منعرج
وفي الوقت الذي كانت تستعد فيه نيجيريا، لبناء فريق الشباب تحت 17 عاما في منتصف العقد الماضي، لاحظ كشافة كرة القدم المحلية الشيء المميز والمذهل في فيكتور، ليصل صيته إلى مدرب هذه الفئة إيمانويل أمونيكي، الذي سارع بدوره الى اختبار هذه الاكتشاف، قبل الاستقرار على القائمة المسافرة إلى تشيلي لخوض نهائيات كأس العالم. ومنذ تلك اللحظة، أصبح كل شيء تاريخاً في الماضي، بعدما استغل اللاعب فرصة العمر على أكمل وجه، بحضوره الطاغي في مونديال المراهقين، الذي يحظى بمتابعة واهتمام كبار كشافة ووسطاء أعتى أندية القارة العجوز، حتى أنه خطف الأنظار والقلوب منذ المباراة الافتتاحية التي خرج منها بثنائية شخصية، من أصل 10 أهداف سجلها في البطولة، منها هدف التقدم الأول على مالي في المباراة النهائية، التي حسمها ناشئو النسور الخضر بثنائية نظيفة، ليجني ثمار هذا التألق، بتصدره عناوين الصحف والمواقع العالمية، مع تهافت كبار البريميرليغ وأوروبا عليه في ذلك التوقيت، بناء على السمعة المخيفة التي رسمها لنفسه في البطولة، بحصوله على جائزة هداف البطولة، وأيضا على الكرة الفضية، كثاني أفضل لاعب في مونديال الصغار. ورغم ذلك، أدار ظهره لكل العمالقة الذين طلبوا وده، مفضلا الذهاب إلى فولفسبورغ الألماني، بنفس العقلية والطريقة التي جعلت إيرلنغ براوت هالاند يفضل أندية مثل ريد بول سالزبورغ وبوروسيا دورتموند على مانشستر يونايتد ويوفنتوس. وبيت القصيد، هو الذهاب إلى مناخ أو بيئة تساعده على تطوير مهاراته وكسب الخبرة اللازمة، قبل الانتقال إلى خطوة اللعب تحت الضغط الإعلامي والجماهيري مع أحد الكبار.
رحلة الصعود
على النقيض من الاعتقاد السائد في مطلع العام 2015، بأن أوسيمين سيشق طريق النجومية والتألق مع ناديه الألماني في البوندسليغا، حدث العكس، بسوء طالع نادر، ظهر في لعنة الإصابات التي طاردته كظله في أول تجربة احترافية في القارة العجوز، منها على سبيل المثال لا الحصر، إصابته بخلع في الكتف، التي أجبرته على الخضوع لعملية جراحية، على إثرها ابتعد عن التمارين لمدة 5 شهور. وحتى بعد تعافيه، دخل في أزمة صحية أخرى، ليضطر لمغادرة فولفسبورغ، بعد موسمين للنسيان قضاهما في «فولكسفاغن آرينا»، ومعها بدأت رحلة الصعود إلى قمة الهرم، تزامنا مع انتهاء مشكلته الصحية مع مرض الملاريا، وذلك في صيف 2018، الذي شهد انتقاله إلى شارلروا البلجيكي، محاكيا أبناء وطنه، الذين يفضلون ويتفاءلون منذ سنوات بالدوري البلجيكي، أمثال دانيال أموكاشي وفيكتور إكبيبا وصنداي أوليسيه وسيليستين بابايارو وآخرون. وحسنا فعل بعودته مرة أخرى إلى الحياة، بالبدء من حيث انتهى في مونديال الناشئين، بعد توقيعه على ما مجموعه 20 هدفا من مشاركته في 36 مباراة، ليخطفه ليل الفرنسي في الموسم التالي مقابل رسوم قُدرت بنحو 20 مليون يورو، مع تحوله من لاعب بجسد هزيل وضعيف بعد صراعه مع المرض، إلى مهاجم عصري يُضرب به المثل، من بنيان قوي ولياقة بدنية هائلة وقدرة على التحمل، بالمعايير والخصائص النموذجية للمهاجم الأفريقي السوبر.
صانع المجد
ظهر معدن أوسيمين مرة أخرى، بعد المشاكل التي واجهها في بداية مشواره مع نابولي، أبرزها حملات التشكيك في موهبته وقدرته على مجاراة كرة القدم في إيطاليا، وذلك بعد موافقة الرئيس أوريلو دي لورينتس، على دفع ما يزيد على 70 مليون يورو، لنقله إلى ملعب «دييغو أرماندو مارادونا»، لكن مع الوقت، أثبت الدولي النيجيري، أن المنتج السينمائي كان محقا في رهانه على هذا الاستثمار الهائل بالنسبة لإستراتيجية وسياسة ممثل فقراء الجنوب الإيطالي، بتدرج في الأداء والشخصية ومعدل الأهداف من موسم الى آخر، إلى أن جلس على سطح القمر هذا الموسم، بتقمص دور السلاح الرادع لفريق لوتشيانو سباليتي، الذي أوشك على إعادة أمجاد عاصمة البيتزا مرة أخرى، بانفراده بصدارة الدوري الإيطالي بفارق كبير عن أقرب مطارديه، كأول مرة سيتحقق فيها هذا الإنجاز منذ معجزة الأسطورة مارادونا في أواخر ثمانينات القرن الماضي، وثالث مرة في تاريخ النادي، بمساهمة لا يستهان بها من النسر النيجيري، بفضل أهدافه الـ21، التي يعتلي بها صدارة هدافي الاسكوديتو، من أصل 25 هدفا من مشاركته في 29 مباراة في مختلف مسابقات هذا الموسم، وهذا جعله محط أنظار الأندية الكبرى في البريميرليغ وأوروبا، مع توقعات بأن يكون مادة دسمة في الميركاتو الصيفي المقبل، في ظل الزيادة المستمرة في قائمة الطامعين في شراء عقده، آخرهم ليفربول ومانشستر يونايتد وتشلسي، بخلاف ما يتردد في إسبانيا عن رغبة ريال مدريد في ضمه، لينوب عن كريم بن زيمة في المستقبل، فهل ستصدق هذه التوقعات ونشاهده مع أحد العمالقة في الموسم المقبل؟ أم سيمارس رئيس نابولي هوايته المفضلة ويفرض شروطا تعجزية مقابل الاستغناء عن الجوهرة الأفريقية الخام؟ دعونا ننتظر.