بالقرب من شارع باوليستا الشهير في قلب مدينة ساوباولو البرازيلية، يمكن للزائر ان يجد مطعم «الجانية» الفلسطيني الذي يتميز بخصوصية لا تمتلكها مطاعم أخرى. فهو مطعم بزي ثوري يساري فلسطيني برازيلي، بما تحمل الكلمات من معاني. فمن مدخله بوابة تفتح على مصراعيها تملؤها الشارات الثورية والملصقات من مختلف البلدان والحركات السياسية اليسارية التي زار رفاقها هذا المكان وتركوا فيه شاراتهم، ومع دخولك تستقبلك خريطة فلسطين، يمكن ان تختار يمينها الذي يؤدي إلى باحة المطعم الخارجي التي تحوي جدرانها على صور للقدس وغسان كنفاني وحنظلة، وجدارية كبيرة لعضوة البرلمان البرازيلي مارييلي فرانكو التي اغتيلت على يد العصابات المنظمة.
وإذا ماعدنا أدراجنا نحو خريطة فلسطين وسلكنا يسارها فإننا ندخل صالة المطعم الذي يحوي مسرحا للفعاليات الفنية والثقافية، والجدران من حواليه تتزين بصور للمناضلين الفلسطينيين ومن قضوا على طريق الحرية لفلسطين وصاروا رموزا خالدين. هناك درج يأخذك إلى الطابق العلوي وفي طريق صعودك تلتقي بجداريات لناجي العلي ومحمود درويش والكنفاني وفدوى طوقان وغيرهم من أدباء الثورة الفلسطينية.
وفي الطابق العلوي صالة أخرى تحوي قاعة بجانبها للاجتماعات والندوات، وفي الطرف الآخر باحة مفتوحة فيها طاولات وكراسي تطل على الباحة الأرضية التي تقام فيها الفعاليات الثقافية والفنية والتجمعات السياسية التي حضرنا جانبا من إحداها مع فرقة للطبول البرازيلية تتدرب على فعالية قريبة لها.
قصدنا صاحب المكان في حديث خاص لـ«القدس العربي» حسن ظريف، وهو فلسطيني ولد في البرازيل لأبوين من قرية الجانية قرب رام الله، والتي استوحى منها اسم مطعمه. يقول ظريف «لقد فتحنا هذا المطعم في عام 2016 وهو في ذات الوقت مركز سياسي ثقافي. جاءت الفكرة نتيجة الأوضاع السياسية المضطربة في البرازيل منذ عام 2013 حيث بدأت الانقلابات السياسية واضحى اليمينيون يتحركون. وتشهد البرازيل تظاهرات ضد حكومة اليسار والجو السياسي كان متغيراً جدا، ولكوني ناشطاً سياسياً منذ ان كان عمري 16 عاماً وأعمل ضمن التنظيمات اليسارية سواء البرازيلية أو الفلسطينية، فكان اهتمامي بالأحداث الجارية كبيراً. وفي عام 2015 كانت هناك مجموعات كبيرة من اللاجئين الفلسطينيين القادمين من سوريا دون مأوى أو عمل في البرازيل ويعانون من أوضاع معيشية صعبة، لذا فكرنا ان نؤمن لهم ملاذاً للسكن، وكان هناك مبنى مهجورا استطعنا الحصول عليه وتوطين ما يقارب 150 لاجئاً فلسطينياً مع نفس العدد من البرازيليين الذين كانوا أيضا من دون مأوى.
فكرنا بعد ذلك في تأمين مصدر عمل لهؤلاء الفلسطينيين أو البعض منهم، وجاءت فكرة فتح هذا المطعم ذو الطابع الفلسطيني الذي يشغل عدداً جيدا من اللاجئين، ونجحت الفكرة وتطورت من مجرد مطعم يقدم الأطباق الفلسطينية التقليدية إلى مركز ثقافي سياسي فكري يجمع أقطاب اليسار البرازيلي والفلسطيني معاً على طاولة واحدة».
الثقافة والسياسة
على مسارح الجانية
حراك ثقافي يومي يكاد ان لا يتوقف حسب رؤيتنا لها خلال هذه الزيارة. ففي أمسية كانت طبول فرقة برازيلية تتمرن على أداء مقطوعة لها في الباحة الخارجية للجانية، كان العشرات من أعضاء الفرقة من الجنسين يملأون المكان وأصوات طبولهم تصل إلى الحي كله. وفي أمسية أخرى كانت فرقة موسيقية بوليفية تقدم عرضاً لها على المسرح الداخلي للمطعم بحضور لافت من البرازيليين، فيما كانت الصالة العلوية من المبنى تحتضن اجتماعاً لمجموعة تسمى «جبهة الدفاع عن الشعب الفلسطيني» يتناقشون حول آلية سياسية للتصدي لمشروع إسرئيلي يهدف إلى توطيد العلاقات بين الجامعات الإسرائيلية والبرازيلية. حراك سياسي ثقافي مكثف يقول ظريف عنها «نحن هنا ننظم الفعاليات السياسية والثقافية بشكل دوري ومستمر، وتقصدنا الفرق الموسيقية من عموم بلدان أمريكا اللاتينية، وزوارنا أيضا من عموم البلدان سواء القارة اللاتينية أو خارجها، ليس هذا وحسب وانما أغلب الرموز السياسية اليسارية البرازيلية زار مطعمنا من بينهم رئيسة الوزراء الأسبق ووزراء ونواب في البرلمان وسياسيون مرموقون، بل ان العديد من النواب قد أعلنوا ترشيحاتهم من هذا المكان، وكانت أيام الانتخابات الأخيرة ولياليها حافلة، حيث لم تكن تجد مكاناً للوقوف وليس الجلوس، بل وحتى في خارج المطعم كان المؤيدون يقفون بالعشرات لتأييد مرشحيهم، وكانت التظاهرات والمسيرات تنظم من هنا خلال فترات مختلفة، وحتى خلال الانتخابات وصل حوالي 31 نائبا من البرلمان الأوروبي لمراقبة الانتخابات في البرازيل وقد تجمع خمسة وعشرون منهم هنا يتفرجون على المناظرة الأخيرة بين الرئيس اليميني جايير بولسونارو ومنافسه اليساري الذي فاز عليه لولا دا سيلفا. وهكذا أضحى الجانية معقلاً ومقراً سياسياً برازيلياً بامتياز ولكن بصبغة فلسطينية الجميع يتفقون حول عدالة قضيتها».
الجانية في مرمى اليمين
وخلال زيارتنا للجانية التقينا مدير المطعم بلال الجابر وهو فلسطيني لبناني، يعيش في البرازيل منذ سنوات. يقول بلال لـ«القدس العربي» إنه «في كل أمسية ثقافية نعرض في بث مباشر لنا عرضاً فولكلورياً فلسطينياً يتضمن الملابس التقليدية والأطباق الفلسطينية والموروث الثقافي الفلسطيني لتعريف المجتمع البرازيلي بالشعب الفلسطيني» ويضيف بلال «بعد ان تحول الجانية من مطعم إلى مركز ثقافي سياسي ثم إلى مقر جماهيري يساري يستقطب كبار ساسة البلد إليه، أصبح اليمين المتعصب يضيق بنا الخناق إلى درجة أصبحنا هدفاً له خلال السنوات الماضية، حيث تم استهدافنا أكثر من مرة من خلال قنابل الغاز والتهجم علينا من قبل مجموعات يمينية. غير ان ذلك كله منحنا شعبية أكبر وأصبح الإعلام البرازيلي يتناولنا في تغطياته حتى صرنا اليوم رقما صعباً في السياسة البرازيلية ومقراً مؤثراً على مجريات الأحداث والانتخابات في أكبر بلد في قارة أمريكا الجنوبية».