إسطنبول- “القدس العربي”: انضمت فنلندا رسمياً إلى حلف شمال الأطلسي (الناتو)، الثلاثاء، في خطوة تاريخية أنهت فيها هلسنكي حيادها الذي استمر عقوداً وهو ما أغضب روسيا التي توعدت بالرد واتخاذ “إجراءات مضادة”، في حين كثفت الدول الغربية دعواتها لتركيا إلى تسريع إجراءات الموافقة على انضمام السويد التي ما زالت بحاجة إلى موافقة تركيا والمجر وهو ما لا يبدو ممكناً خلال الأشهر القليلة المقبلة في ظل استمرار الخلافات بين أنقرة وستوكهولم.
وعقب الحرب الروسية على أوكرانيا، أعلنت فنلندا والسويد بشكل مشترك نيتهما الانضمام إلى الناتو وبدأتا إجراءات الانضمام التي سارت بسلاسة من قبل 28 من دول الحلف، وسط تعنت من قبل تركيا والمجر، اللتين أخرتا ملف انضمام فنلندا ولا زالتا تعرقلان انضمام السويد التي تطمح أن تكون الدولة الـ32 في الحلف بعد فنلندا التي ضمنت المقعد 31.
وتعتبر هذه الخطوة تحولاً استراتيجياً في الصراع الجيوسياسي بين روسيا والمعسكر الغربي ممثلاً في الناتو حيث من شأنها أن تزيد حدود الحلف المشتركة مع روسيا إلى المثلين تقريبا وتعزز جناحه الشرقي، وهو ما يغضب موسكو التي تتهم الغرب بمحاولة محاصرتها وسط خشية من تزايد مخاطر الصدام بين روسيا والغرب.
وتشكل الخطوة نهاية عهد عدم الانحياز العسكري لفنلندا، وهو عهد بدأ بعد أن صدت فنلندا محاولة غزو من الاتحاد السوفييتي خلال الحرب العالمية الثانية وفضلت الحفاظ على علاقات ودية مع جارتها روسيا، لكن غزو روسيا لأوكرانيا المجاورة، الذي بدأ في فبراير/ شباط 2022، دفع الفنلنديين للسعي لتعزيز أمنهم بالدخول تحت مظلة معاهدة الدفاع الجماعي للحلف التي تنص على أن أي هجوم على دولة عضو هو هجوم على الجميع.
ومن شأن انضمام فنلندا أن يضيف للحلف قدرات عسكرية كبيرة تم تطويرها على مر السنين، لأنها واحدة من الدول الأوروبية القليلة التي أبقت على التجنيد الإلزامي خلال عقود من السلام، حذرا من روسيا المجاورة. بالإضافة إلى ذلك، فإن القوات البرية والبحرية والجوية الفنلندية مدربة ومجهزة لهدف أساسي واحد وهو صد أي غزو روسي.
من شأن انضمام فنلندا أن يضيف للحلف قدرات عسكرية كبيرة تم تطويرها على مر السنين، لأنها واحدة من الدول الأوروبية القليلة التي أبقت على التجنيد الإلزامي خلال عقود من السلام
كما سيزيد الطول الإجمالي للحدود بين روسيا والحلف الدفاعي بمقدار الضعف تقريبًا. وستستفيد هلسنكي من الحماية التي يوفرها البند الخامس من ميثاق الناتو، الذي ينصّ على أنه إذا تعرضت دولة عضو لهجوم مسلح، فإن الدول الأخرى ستعتبر هذا العمل هجومًا مسلحًا موجهًا ضد كل الأعضاء وستتخذ الإجراءات التي تعتبر ضرورية لتقديم المساعدة للبلد المستهدف.
وأكمل وزير الخارجية الفنلندي بيكا هافيستو عملية الانضمام من خلال تسليم وثيقة رسمية لوزير الخارجية الأمريكي أنتوني بلينكن في مقر الحلف في بروكسل حيث تم رفع العلم الفنلندي. وقال الأمين العام لحلف الأطلسي ينس ستولتنبرغ في ختام مراسم لم تستمر كثيرا “نرحب بفنلندا في الحلف”، واصفاً ما جرى بأنه “تاريخي”.
وأشار ستولتنبرغ في وقت سابق إلى أن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين قال إن معارضته لتوسيع الحلف شرقا كانت من مبررات غزو أوكرانيا، مضيفاً: “ما يحصل على العكس تماما.. فنلندا تنال اليوم عضوية كاملة في الحلف وكذلك السويد قريبا”. فيما قال وزير الخارجية الأمريكي: “أستطيع القول إن (هذا الانضمام) قد يكون الأمر الوحيد الذي يمكن أن نشكر (الرئيس الروسي فلاديمير) بوتين عليه، لأنه قام مجددا بتسريع أمر قال إنه يريد تفاديه عبر الاعتداء” على أوكرانيا.
في السياق ذاته، قال الرئيس الفنلندي سولي نينيستو إن أكبر مساهمة تقدمها فنلندا في الردع والدفاع المشترك لحلف الأطلسي ستكون الدفاع عن أراضيها. وأضاف أنه لا يزال هناك عمل كبير يتعين القيام به لتنسيق ذلك مع الحلف، وأضاف: “إنه يوم عظيم لفنلندا وأريد أن أقول إنه يوم مهم لحلف شمال الأطلسي”.
من جهته، قال الكرملين إن روسيا ستضطر إلى اتخاذ “إجراءات مضادة” لانضمام فنلندا إلى الحلف. وقال وزير الدفاع الروسي سيرغي شويغو إن الخطوة زادت من احتمالات حدوث المزيد من التصعيد في الصراع في أوكرانيا. وقالت موسكو، الإثنين، إنها ستعزز قدراتها العسكرية في غرب وشمال غرب روسيا ردا على انضمام فنلندا للناتو.
وقال المتحدث باسم الكرملين دميتري بيسكوف إن توسع حلف شمال الأطلسي، وهو أمر وجهت له موسكو انتقادات مرارا، يعد “تعديا على أمننا وعلى مصالح روسيا الوطنية”، مضيفا أن موسكو ستراقب عن كثب أي نشر عسكري يقوم به الحلف في فنلندا. بينما حذر وزير الدفاع سيرغي شويغو من “توسع مخاطر المواجهة”.
اعتبر الكرملين توسع حلف شمال الأطلسي تعديا على أمن روسيا ومصالحها الوطنية
كما شددت وزارة الخارجية الروسية على أن انضمام فنلندا للناتو سيكون له “تأثير سلبي” على العلاقات بين البلدين، وهددت بأن روسيا “ستضطر إلى اتخاذ إجراءات جوابية ذات طبيعة عسكرية تقنية وغيرها من أجل وقف التهديدات”، معتبرة أن “هلسنكي فقدت كليا هويتها الذاتية وأي استقلالية”.
على الجانب الآخر، قال وزير الخارجية السويدي توبياس بيلستروم للصحافيين إن ستوكهولم تطمح في نيل العضوية خلال قمة حلف الأطلسي المقررة في فيلنيوس بليتوانيا في يوليو/ تموز. وبينما وصف رئيس الوزراء البريطاني ريشي سوناك انضمام فنلندا رسمياً إلى الحلف بالحدث “التاريخي”، طالب “جميع أعضاء” الحلف بالموافقة على انضمام السويد في إشارة إلى تركيا والمجر.
وقال أمين عام الناتو: “أنا على ثقة تامّة بأن السويد ستصبح عضوًا أيضًا. إنها أولوية بالنسبة للناتو وبالنسبة لي أن نضمن حصول ذلك في أسرع وقت ممكن”، بينما أكدت وزيرة الخارجية الفرنسية كاترين كولونا أن “السويد يجب أن تنضم إلى حلف الأطلسي بدون تأخير”، وقال نظيرها الليتواني غابريلوس لاندسيرغيس”: “نأمل في أن يرفرف علم السويد في حلف الأطلسي خلال قمة فيلنيوس”، وأضاف “أدعو الرئيس إردوغان الى عدم نسف قمة فيلنيوس”.