بطل "فندق رواندا" بول روسيسباغنا
لندن- “القدس العربي”: في زيارة للرئيس الراوندي إلى واشنطن لحضور القمة الأفريقية التي دعا إليها الرئيس جو بايدن في كانون الأول/ديسمبر، كان الرئيس بول كاغامي في مزاج صدامي عندما سئل عن أشهر سجين سياسي في بلاده، بول روسيسباغنا، مدير الفندق الذي لعب دورا بطوليا في عمليات الإنقاذ أثناء المذابح في بلاده عام 1994، وقال بمناسبة “لن نفعل هذا، اغزوا البلد لو أردتم أو اقلبوها رأسا على عقب”. ورغم هذا الكلام المتحدي، التقى في الشهر التالي للقمة واحد من كبار مساعدي كاغامي مع مستشار بايدن لشؤون الأمن القومي جيك سوليفان لمناقشة شروط الإفراج عنه.
وكان الاجتماع تتويجا لجهود سرية طويلة للإفراج عن روسيسباغينا والتي أثمرت بلقاء السجين مع عائلته التي بكت من الفرح بقاعدة عسكرية بتكساس، وقالت ابنته أنيس كانيمبا “انهار كل واحد منا عندما شاهدناه”.
وتشير صحيفة ” نيويورك تايمز” في تقرير أعده مراسلوها ديكلان وولش وعبد اللطيف ظاهر ومايكل دي شير، الذين يتابعون الموضوع منذ عامين، إلى أن الإفراج عن روسيسباغينا لم يكن مجرد انتصار للدبلوماسية الهادئة، فقد رفع عبئا في علاقات الولايات المتحدة مع حليفتها الصغيرة والمهمة في القارة الأفريقية والتي تتصرف بأكبر من حجمها وتتهم بإثارة النزاع في الجارة الكونغو، بشكل يهدد بانفجار حرب إقليمية. ومثل مأزق روسيسباغينا تحد حساس للولايات المتحدة وهي تحاول إعادة ضبط علاقاتها مع دول القارة وسط توسع للتأثير الروسي والصيني فيها.
الإفراج عن روسيسباغينا لم يكن مجرد انتصار للدبلوماسية الهادئة، فقد رفع عبئا في علاقات الولايات المتحدة مع حليفتها الصغيرة والمهمة في القارة الأفريقية، والتي تتصرف بأكبر من حجمها وتتهم بإثارة النزاع في الجارة الكونغو
وكان هذا يعني تعزيز علاقات مع قادة مثل كاغامي الديكتاتور الشائك والذي طغى إنجازه في إعادة بناء رواندا بعد المذابح على حكمه القمعي الذي لا يتسامح مع أي معارضة، وهي موجة عبرت عنها قصة روسيسباغينا.
وقال جوش غليتزر، نائب مستشار الأمن الوطني لبايدن، إن المحادثات التي استمرت على مدى شهر حول المعتقل الأشهر في رواندا حلت “إزعاجا في العلاقات الثنائية” و”وضعا غير مقبول”، مع أن بعض المسؤولين الأمريكيين لم يكونوا مقتنعين بجهود إنقاذ السجين.
واشتهر روسيسباغينا حول العالم بعد عرض فيلم “فندق رواندا” والذي صوره بأنه أنقذ 1200 شخصا في الفندق الفاخر الذي أداره أثناء المذابح. إلا أن انتقاده الشديد لكاغامي أدى به إلى المنفى في بلجيكا أولا ومن ثم إلى الولايات المتحدة. واختفى في 2020 بعد أيام من مغادرته بيته في تكساس فيما اعتقد أنها رحلة لبوروندي، خدعه العملاء الروانديين لركوب طائرة خاصة حلقت باتجاه العاصمة كيغالي حيث احتجز ووجهت له اتهامات بدعم الإرهاب وحوكم أمام محكمة وصفها خبراء القانون بالمعيبة وحكم عليه بالسجن 25 عاما. وقامت عائلته بحملة واسعة للإفراج عنه، وحصلوا على دعم نجوم مثل دون تيشدل، الممثل الذي قام بدور روسيسباغينا في فيلم “فندق رواندا” والممثلة سكارليت يوهانسون. إلا أن وزارة الخارجية لم تستجب سريعا للمطالب وتبني القضية، نظرا لوضعه كمقيم في أمريكا وليس مواطنا، إلى جانب الطبيعة الغامضة للاتهامات الموجهة إليه وأنه مول جماعات مسلحة قتلت مدنيين، وذلك حسب مسؤول أمريكي طلب عدم الكشف عن هويته.
لكن أعضاء في مجلس الشيوخ، من الحزب تبنوا قضية روسيسباغينا ومنهم السيناتور الديمقراطي عن فيرمونت باتريك ليهي، والسيناتور الجمهوري عن ايداهو جيمس ريستش، وأعضاء في لجنة الشؤون الخارجية، وكتبوا رسائل، وعلقوا مساعدات بـ90 مليون دولار إلى رواندا وضغطوا على الحكومة.
وأدت الجهود إلى نتائج في أيار/مايو 2022 عندما انتهت إجراءات الاستئناف وأعلنت وزارة الخارجية أن روسيسباغينا “محتجز بطريقة غير قانونية”، مما زاد من زخم الحالة إلا أن الجهود واجهت مصاعب. ففي نفس اليوم سافر قائد القوات الأمريكية في أفريقيا الجنرال ستيفن تاونسند إلى كيغالي وبدا مبتسما في صورة مع كاغامي، وشعر المطالبون بالإفراج عن روسيسباغينا بالغضب عندما علموا أنه لم يطرح قضية السجين، وهو ما فسره أعضاء في مجلس الشيوخ بالتناقض في الأولويات الأمريكية في رواندا. وضغطت عائلة السجين على الحكومة الرواندية عندما تقدمت بدعوى قضائية في أمريكا طالبت فيها بـ 400 مليون دولار وسمت كاغامي فيها.
وكان الزعيم الرواندي تحت ضغوط غربية لاتهامه بدعم حركة أم23 في شرق الكونغو والتي أحدثت الفوضى في المنطقة. ورغم نفيه إلا أن العلاقات الأمريكية توترت معه، وهو ما كان خلف الزيارة التي قام بها وزير الخارجية انطوني بلينكن إلى كيغالي في آب/أغسطس 2022. وضغط بلينكن على كاغامي في موضوع روسيسباغينا وأن قضيته أصبحت أولوية أمريكية. وبعد أربعة، أيام زار جون توماسزفسكي، مساعد ريستش، روسيسباغينا في السجن. وقدم له نسخة مقترحة لرسالة من السجين طلبا للعفو من كاغامي. وعبر السجين عن رغبة بالمحاولة. وقال توماسزفسكي إن “عائلة بول كانت تشك في أنه سيقدم على هذا” ولكن “بول كان براغماتيا”.
ومع تقدم الأمور بدأت وزارة الخارجية بالعمل مع عائلة السجين واقتراح رسالة تشمل على تطمينات لكاغامي وأنه لو أطلق سراح روسيسباغينا فإن الأخير سيتوقف عن نقده. وقالت العائلة إنها لم تمكن معجبة بهذه التنازلات لكنها وافقت عليها.
وفي تشرين الثاني/نوفمبر تسلم البيت الأبيض وبقيادة سوليفان ملف المحادثات السرية، ومثل الجانب الرواندي ماورو دي لورينزو، وهو مواطن أمريكي عمل مرة باحثا في معهد أمريكان انتربرايز وحصل على الجنسية الرواندية وأصبح من أشد المدافعين عن كاغامي. وكان لورينزو من جاء في الساعة الثامنة صباحا إلى مكتب سوليفان بعد تصريحات كاغامي النارية. ثم تحول النقاش حول كيفية الإفراج عنه، وفي الوقت الذي لم يطلب فيه الجانب الرواندي مالا أو تبادل سجناء إلا أن المسؤولين الروانديين أصروا على إلغاء القضية القانونية ضد كاغامي وعدم إلغاء التهم الموجهة لروسيسباغينا وإصدار الإدارة الأمريكية بيانا يعارض “العنف السياسي” وهو ما اتهمت به المعارض الرواندي.
أصرت كيغالي على إلغاء القضية القانونية ضد كاغامي وعدم إلغاء التهم الموجهة لروسيسباغينا، وإصدار الإدارة الأمريكية بيانا يعارض “العنف السياسي” وهو ما اتهمت به المعارض الرواندي
ووافقت أمريكا على هذه المطالب، بشكل قاد كاغامي للتلميح في 13 آذار/مارس لإمكانية الإفراج. ولكن الروانديين كانوا حساسين من ناحية الإفراج خاصة أن الشخص متهم بالإرهاب ولم يكونوا يريدون الظهور بمظهر المنصاع لأمريكا. ولهذا طلبوا مساعدة قطر التي قامت باستثمارات كبيرة في رواندا وعادة ما تستخدم ثروتها الهائلة من الغاز الطبيعي لحل الأزمات الدولية. وعندما أفرج عن روسيسباغينا في 24 آذار/مارس نقله دبلوماسي أمريكي حالا إلى مقر إقامة السفير القطري في رواندا حيث قضى ثلاث ليال.
وعندما غادر روسيسباغينا كيغالي في 27 آذار/مارس، غادرها على متن طائرة قطرية خاصة. وسافر مسؤولون أمريكيون معه إلى العاصمة القطرية حيث رحب به محاميه ريان فيه. وحجز له في فندق سانت ريجيس الفخم. ووصل يوم الأربعاء إلى هيوستون حيث نقل روسيسباغينا للفحص الطبي بمركز قرب سان أنطونيو والمتخصص بمعالجة الناجين من الصدمات.
طلبت كيغالي مساعدة قطر التي قامت باستثمارات كبيرة في رواندا وعادة ما تستخدم ثروتها الهائلة من الغاز الطبيعي لحل الأزمات الدولية
وبعد أيام، عاد إلى بيته حيث تدفق المهنئون والناشطون الذين دعموا قضيته. وفي ذلك اليوم سحب محاميه القضية ضد كاغامي، إلا أن رواندا لا تزال تواجه قضايا قانونية في أفريقيا وأوروبا والولايات المتحدة لها علاقة باعتقال روسيسباغينا، حسب قول محاميته كيت غيبسون. ولا يعرف إن كان السجين السابق سيلتزم بوعده ويتوقف عن نقد عدوه كاغامي، فهو الآن آمن بين أهله ومشهور.