الزاوية الأسمرية: تراث مستمر بتحفيظ القرآن في ليبيا

حجم الخط
2

 زليتن – الأناضول: على بعد 180 كم شرق العاصمة الليبية طرابلس تقع مدينة زليتن المعروفة بأنها مدينة العلم والقرآن لانتشار أعداد كبيرة من الزوايا المختصة في دراسة وتحفيظ كتاب الله ومن أقدمها وأشهرها الزاوية الأسمرية. وتحظى الزاوية الأسمرية التي أسسها الشيخ عبدالسلام الأسمر الفيتوري عام 1506 ميلادي وفق مؤرخين، باهتمام كبير من طلبة العلم من ليبيا لدراسة وحفظ القرآن ويتوافد عليها طلاب من جنسيات أجنبية أيضا. فتحي سالم الزرقاني، مدير مركز الزاوية الأسمرية للوثائق والمخطوطات وحفظ التراث، قال إن الزاوية منذ نشأتها كان لها دور كبير للنهضة العلمية في مدينة زليتن بشكل خاص وليبيا بشكل عام.
وأضاف الزرقاني أن «مؤسس الزاوية الشيخ عبدالسلام الأسمر الفيتوري جمع طلاب العلم حوله وأصبح يقدم لهم الدروس العلمية، سواء كان منها الشرعية واللغوية»، مشيرا أنها «أصبحت في القرن العشرين أكثر ازدهارا من حيث التوسعة وتواجد طلبة من دول إفريقية وآسيوية».
وأوضح أن الزاوية «تضم بشكل رئيسي جامعا يتسع لألف مصل، ومركب علمي وثقافي، ومنارة لتحفيظ القرآن الكريم خاصة بالبنين والبنات، ومعهد لتدريس العلوم الشرعية، ومكتبة عامة بها حوالي سبعة آلاف عنوان، ودار للنشر، ومركز خاص للمخطوطات والوثائق».
وحظي المسجد بالتجديد مرات عديدة منذ تأسيسه، واهتم العثمانيون به عن طريق المسؤولين على ولاية طرابلس عندما كانت تابعة لهم.
الزرقاني أشار إلى أن الزاوية الأسمرية «تقوم كذلك بإحياء المناسبات الدينية مثل ليلة النصف من شعبان والمولد النبوي الشريف وليلة القدر ويوم عاشوراء».
كما يقام في ثاني أيام عيدي الفطر والأضحى مهرجان كبير يسمى مزار الشيخ عبد السلام الأسمر، حيث تأتي الطرق الصوفية لزيارة ضريحه، وفق المتحدث.
وذكر أن الزاوية منذ تأسيسها تقوم برسالة المؤسس، وهي تدريس القرآن والعلوم الشرعية، ولفت إلى أنها شهدت هذا العام توسعة كبيرة شملت الضريح وصيانة المسجد وإقامة مبنى إداري.
وتعتمد الزاوية بشكل أساسي في تسيير أمورها على «ممتلكاتها من الوقف سواء كانت عقارية أو زراعية التي لعبت دورا في استمرارها، وشهدت كذلك الزاوية حالة ازدهار حيث توافد أعداد كبيرة من الطلبة من دول اندونيسيا وتايلاند إلى جانب الدول المجاورة والإفريقية».

ترميم الزاوية

ودعا الزرقاني كل من يرغب بالمساهمة في توسعة أو ترميم الزاوية المشاركة بذلك، لأنها للجميع ورسالتها إسلامية هادفة من حيث المحافظة على الموروث الثقافي الإسلامي وتدريس القران والعلوم الشرعية. وتابع: «هناك تزايد بأعداد الطلبة من ليبيا وخارجها، ويرجع ذلك لمكانة الزاوية الروحية والعلمية، وقد ساهمت في تخريج الكثير من حفظة القرآن ممن كان لهم دور بتحفيظه في ليبيا أو في الدول المجاورة، وشاركوا كذلك في المسابقات الدولية وحصلوا على تراتيب أولى في دبي ومصر والسعودية وقطر والبحرين».
من جانبه قال إمحمد علي دراه، خطيب وإمام ومحفظ بالزاوية إن «هذه المنارة استمرت وتستمر في تحفيظ القرآن الكريم بما يقارب ستة قرون، وهي معروفة ومشهورة في سائر بلاد الإسلام وأكبر دليل على ذلك هو عدد الطلبة الذين يقصدونها من ليبيا وخارجها».
وأضاف دراه: «عدد الطلبة الليبيين في الزاوية يبلغ حوالي 2500 طالب وطالبة ويصل عدد الأجانب إلى حدود 400 طالب من جنسيات مختلفة منهم من السودان وتشاد وتونس واندونيسيا وتايلاند وكمبوديا وسوريا وهذه الحصيلة في تزايد بفضل من الله». وكشف أن عدد الطلبة الذين يحفظون ويختمون القرآن في الزاوية خلال العام ما بين الذكور والإناث يبلغ 200 حافظ وحافظة لكتاب الله، وهذه ثمار لجهود المشرفين على حلقات التحفيظ. وأوضح دراه بأن الزاوية مستمرة في الحفاظ على التراث في تحفيظ القرآن بطريقة الكتابة على اللوح، وأن الدراسة تبدأ قبل صلاة الفجر إلى بعد صلاة العشاء.
وأضاف: «هذا كله لتحفيظ القرآن ما بين الكتابة والحفظ والتسميع والمراجعة، وبجانب ذلك هناك دروس في الفقه والعقيدة والحديث والسيرة المطهرة وغير ذلك من العلوم». ولفت إلى أن الزاوية «لها مكانة عظيمة في قلوب المسلمين لما اكتسبته من شهرة في تحفيظ القرآن وتعليم العلوم الشرعية، وشهرتها لا تقل عن جامع الزيتونة بتونس والأزهر في مصر والقرويين بالمغرب، وقامت بدور كبير بالمحافظة على الهوية الدينية ونشر الإسلام في إفريقيا».

طلاب أجانب

وقال محمد وأحد الأكبر، من أندونيسيا إنه جاء إلى الزاوية عام 2021 من أجل دراسة وحفظ القرآن برواية قالون كاملا، وإن اختياره للدراسة في الزاوية جاء نتيجة لاشتهارها. وأبدى الأكبر إعجابه بطريقة التدريس المتبعة في الزاوية الأسمرية، خاصة طريقة الكتابة والقراءة على اللوح واهتمام المشايخ المشرفين على تدريسهم. من جانبه قال مخزوم حسن عبدالباسط من تشاد (19 عاما) للأناضول بأنه التحق بالدراسة في الزاوية قبل سنتين وحفظ حتى الآن نصف القرآن، وإنه يتلقى تدريسه عن طريق الشيخ إمحمد دراه.
وأوضح عبد الباسط أن اختياره للدراسة في الزاوية الأسمرية هو أن «العديد من التشاديين كانوا قد تخرجوا منها، منهم ثلاثة من أبناء عمه». من جهته يواصل الطفل السوداني مؤيد عبيدة الصديق (12 عاما) قراءة ما تبقى من المصحف الشريف ويسابق الزمن لختمه وحفظه.
وقال إنه «يستعد لختم القرآن وحفظه كاملا بعد مرور ستة سنوات على بداية دراسته في الزاوية الأسمرية».
وتقام في مسجد زاوية في شهر رمضان مسابقة لحفظ القرآن، يقول القائمون عليها إنها ميدان التنافس بين الطلبة وتحفيز لهم وكذلك يتم من خلالها اختيار عدد منهم للمشاركة في مسابقات دولية ومحلية.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية