الأحمر في سيرته

«كلّ هذه المحن التي تصيبنا هي إشارة إلى أن الأجواء ستهدأ وستحدث الأمور بصورة مؤاتية، لأنه من غير المحتمل أن يكون الشرّ أو الخير دائمين، ولأن الشرّ قد استمرّ طويلا فلا بد للخير من أن يكون قريبا». قائل هذه الحكمة هو ثربانتس مؤلّف كتاب «دون كيخوته» وكان يشير بها إلى زمنه بالطبع، والحِكمة عن لسان الرجل العظيم تصحّ في كلّ زمان ومكان، فكأنه أحد مواطني بلدي، وقد دام الشرّ فيه عقودا، وسوف ينتهي حتما وتبقى مادّته مصدرا للحكايات والكوابيس..
جرت الحرب الأهلية عقب الاحتلال الأمريكي للعراق، وتلتها أحداث الخطف والقتل من قبل الجميع، وضدّ الجميع، وما زالت أصداء تلك الأيّام تتردّد في الجوّ، وحدثَ أن أُطلقت النّار أمامي في بلدة العامريّة، حيث كنتُ أسكن، وقُتِل شابّان راكبَان على درّاجة بخارية ظلّت تسير بهما وهما ينزفان الدّماء، ولحقَ بهما القاتل إلى أن ارتطمت الدّرّاجة بجذع شجرة وتوقّفت، ليسدّد لهما رصاصتين على الرّأس مباشرة. حسب التّقسيم الطّائفي للعاصمة، كنتُ هدفا للقتل بالطّريقة نفسها، ومعي ولداي. وأذكر هذه الملاحظة لتبيان حالة الرّعب التي كانت ربّما سببا لرؤية الأحمر الذي سكبه الشابّان على الأرض وعلى الأشجار، ثم هطلت الأمطار في ذلك اليوم، وجرت الدّماء في كلّ سنتمتر مربّع من الشّارع، ومن المدينة، المنازل والأسواق والمدارس، السّاحات والحدائق والثّكنات، والنّهر كذلك سوف يمتلئ بالدّم.
عندما زار الرحّالة الإيطالي ديلافاليه بغداد في القرن السابع عشر لم يصدّق أنها مدينة هارون الرشيد، ملك العالم في زمانه، وكان وجه اعتراضه أن البلدة صغيرة وأزقّتها قذرة ولم يكن فيها غير لون واحد هو لون التّراب، المنازل والوجوه والأرض كذلك، مع فسحة لونيّة واحدة هي انعكاس السماء في النهر، فتبدو قاشانية (خليط من الأزرق النّيلي والأزرق السماوي) ومن هذه الفسحة أخذت قباب المساجد زخرفها. هل أقول إن لون التراب في بغداد استبدله أهل السياسة والدين في العراق بلمْع النجيع؟ بقيت آثار الأحمر الذي سال من الشابّين في عيني ماثلة، وتحوّلت إلى انزياحات عن لون الدم الفتيّ في وميضه لا يمكنني الفكاك منها، فاعذروا عينا سبق أن رأت وقاست، وتحوّل النظر فيها إلى رؤيا.
كل شيء كان هادئاً، ثم انهمرت، بغتة، موسيقى البنادق. ألوان تختلف، سوف تحتكم حتما إلى الأحمر، الذي يستعملنا كلّ يوم ويطوينا، صفحة وراء صفحة وراء ذكرى. كلّ ما هو حاضر الآن يذكّرك بما هو غائب، فوراء الأحمر، أبيض صار يبرق أكثر، وأكثر، هكذا، غدا بريقا كلّه: أحمر، وهو لون دمي وحريتي وحقّي..
يصيح الديك، وتنفتح له مباشرة أبواب السماء، وتهمي ألوان الشفق. الأحمر هو الأعلى، هو تاج الكلام، يختبئ في عتمة عروقي، ويكتبُ الضوءَ الذي يمحوه الظلام، وينسخُ نفسَه كلّ يوم، ويتجدّد. في ظلال النخيل، في صمت الظهيرة، يغدو الأخضر اللانهائي أبيضَ، ووراء الأبيض يبرق الأحمر. الأصفر المعتم، ليس في كلّ مرة، في غناء الطيور يصبح أحمرَ مجنوناً.
صالة العمليات لا يشبهها مكان على الأرض، فكيف إذا كانت الراقدة على السرير طفلة في الرّابعة أحرقت ساقها قذيفة أطلقها الجيش القادم من بغداد لتحرير مدينة (العمارة) من المخرّبين – نحن في شهر نيسان/أبريل من عام 1991، بعد انتهاء حرب تحرير الكويت، وكان النظام السابق يطلق هذا النعت على الثائرين الذين قاموا بثورة التسعين، وهي الثورة الوحيدة التي جرت في العراق القديم والحديث – بينما كنت أجري تدخّلا جراحيّا لإعادة الحياة إلى الساق، أو إلى قسم منها على الأقل، في تلك اللّحظة اهتزّ مبنى المشفى، ثم ارتجّت الأرض ثانية، وكان صفير القذيفة التالية يهدر في المكان. ارتميتُ، ومعي طبيب التّخدير والمساعدان على الأرض، واستمرّ القصف على المبنى زمنا أفاقت الطّفلة في أثنائه من تأثير البنج، وكان صوتها الواهن يدعونا إلى النجدة. لكن الوقوف على القدمين يعني القتل برصاص القنّاصين من الجيش. ببطء شديد قمنا بسحب البساط الجلديّ حيث ترقد الطّفلة إلى أرض الصّالة، وجرت دماؤها القليلة على البلاط وكانت عيناها السّوداوان ثقيلتين بألم لا يسمّى ولا يُعرف.

الأحمرُ كامنٌ في كلّ لون. اجرحِ الأخضرَ، تسِلْ منهُ الدّماءُ. اطعنِ الأبيضَ، تبلغْ صرختُهُ آخر الكون. واهناً، تكسوهُ القتامةُ، وعيشه بلا طائلٍ. إلى أين يؤدي بلون الصّدأ هذا الدرب؟ لا يهمّ ما تقولون. كان شعر (نغم) ناقعا بالدماء بلون الصّدأ. حتى الصمت العميق الذي لفّ مدينتي سكتَ في حضرةِ الأحمر، وكنتُ أصغي إلى الصوت الحاصل؛ صوت الروح عندما تستقرّ في الأبد.

ما العمل؟
يجب أن يعمل المبضع الآن، وإلاّ فالنّزف لا يمكن إيقافه. كانت الطّفلة تفارق الحياة وفي الأثناء كان جنود «الحرس الجمهوري» يحتلّون المستشفى منتشرين في أرجائه. بمرور السنين تحول وجه الطّفلة ذات العينين اللّتين باللّون الرّمادي المصفر إلى رقية سحرية تذكرني بالألم الذي ينحت في الوجه. كانت الطفلة تتأوّه، والدم يطفر من عروقها، وتقاوم الموت الرّهيب بآهة واهنة في نبرتها حزن الأصوات التي تؤكد الموت، وتريد إقرار أن لا شيء على قيد الحياة بقي موجودا. كيف تكون شاهدا على هذه الآهة ولا يتغيّر الأحمر في عينيك، وكيف لا تنظر إلى بهائه حسب؟ كلّ اختلاط لونيّ يمكن أن يلوّث المكان إلا الأحمر، فهو زينة دائمة. ولا يتبرّأ الأحمر من طبيعته كذلك، وكان علينا الانتظار حتى الربيع للعثور على شيء منه، حتى الصيف، حتى نهاية أعمارنا. الشرشف الذي ترقد عليه طفلتي ـ وكان اسمها (نغم) ـ لونه أخضر وتلطّخ بالأحمر، وصار أحمرَ وأسودَ وأخضرَ. يندفع الأحمر بثبات من الورد، والهواء من حوله ممتلئ به، وفارغ. غير الأحمر، كلّ لون آخر هو غائر ومنغلق وكامد، مقفل الجنبات، مُحبطٌ، صامت. ثمة آهة تملأ سمعك وثمة أنين قريب وبعيد، يأتيك مع غناء العصافير التي لا تنام في الفجر، كأنها تجنّ، هذه الكائنات الصغيرة لأن قرنفلتين حمراوَين في الحديقة تتعجّلان ولادة اللهب، مع العلّيق الأحمر ومع التوت يبحث الجميعُ عمّن يُحرقه أكثر، يُطلق منه جنون الأحمر كاملاً…
روت أمّ نغم لنا حماقة جدّ البنت الذي بعثها لتبتاع له علبة سجائر بينما كانت دبّابات الحرس الجمهوري تتأهّب لاقتحام المدينة. أما أبوها فكان جنديّا في فرقة عسكرية في الصّحراء، لم يبلغها أمر الانسحاب، فبقيت تقاتل إلى أن أبيدت على يد جنود شوارسكوف (قائد قوات التحالف في حرب تحرير الكويت) ومن ناصره من جيوش العرب.
الأحمرُ كامنٌ في كلّ لون. اجرحِ الأخضرَ، تسِلْ منهُ الدّماءُ. اطعنِ الأبيضَ، تبلغْ صرختُهُ آخر الكون. واهناً، تكسوهُ القتامةُ، وعيشه بلا طائلٍ. إلى أين يؤدي بلون الصّدأ هذا الدرب؟ لا يهمّ ما تقولون. كان شعر (نغم) ناقعا بالدماء بلون الصّدأ. حتى الصمت العميق الذي لفّ مدينتي سكتَ في حضرةِ الأحمر، وكنتُ أصغي إلى الصوت الحاصل؛ صوت الروح عندما تستقرّ في الأبد. تعاون على أهل مدينتي الجيش العراقي وجيوش العرب وجنود شوارسكوف القادمون من اثنين وثلاثين دولة. أي خلطة تاريخيّة سرياليّة مرّت على طفلتي إبّان ثورة التسعين: أبوها يدافع عن صدّام ضدّ الأمريكيين المحرّرين الغزاة، ومعهم العرب المحرّرون الغزاة، وهؤلاء مع أولئك يتعاونون مع الجيش العراقي في الاعتداء على الطّفلة. هل بتنا نترحّم على العثمانيّين المحتلّين الغزاة وقرونهم الأربعة المظلمة؟ وهل كان «هولاكو» أكثر رأفة بنا من إخواننا؟ ربما كانت قصّة النّهر الذي صار أحمرَ بالدّماء، كابوسا رآه أحد رواة التاريخ سوف يتحقّق ويصير واقعا في زماننا. لم يكن بين الناس في السنين المظلمة الهولاكيّة والتيموريّة والعثمانيّة من يعرف ما هي الوطنيّة وكيف يكون الوطن، لكنهم كانوا يعيشون رغم فقرهم وجهلهم سعداء آمنين، وتنبّهت إلى أن الشظيّة التي استقرّت في طيّات عضلات ساق (نغم) وفي العظم صارت بلون الجسد. صارت هي الجسد. ينطفئ الأحمر كل يوم، ليولد من جديد، فأين نعثر على أحمر نغم؟
كان الطقس مضنياً للجميع، القاتلُ يدُه مفعمةٌ بالأحمر. ووجه طفلتي لا شحوب فيه، بخلاف وجوه الموتى، ونظرتها مجنونة متسائلة صارمة: «لماذا جرّدتَني من الأحمر، من نُعمى الحياة؟». ماذا نعرف الآن عن هولاكو وإسماعيل الصفوي وسلاطين آل عثمان؟ إنه قليل جدا بحيث يمكن أن يوضع في خرم إبرة. هل يجيء زمان يكون مكان القوميّين والشيوعيّين والإسلاميّين هذا الخرم؟ أم أن رأس الإبرة الحادَّ هو المكان الصحيح للّذي قاد شعبه إلى هذا المصير، يتلظّى فيه إلى الأبد؟
حتى الشرشف الأبيض الذي غطّينا به طفلتي كان فيه الأحمر هو السيّد، وبقيّة الألوان، بما فيها الأبيض النّقيّ، عبيد. لماذا شممتُ في تلك الدقائق رائحة الخبز، تقضمه نغم مع عطر الصباح؟ ولماذا تذكّرت حكاية الطفل الذي ألقى بذرة من نافذة بيته لتنبت شجرة عملاقة طالت السماء؟ رأيتُ البنفسج والعجين الأبيض والوجنات الحريريّة، وكنتُ أصغي إلى موسيقى طبل ومزمار حماسيّة، وأخذني الخيال إلى مكان بعيد ثم تركني وحيدا مع جثّة طفلتي. كنت ألمس لحيتي بين حين وآخر كي أتأكد أنها في مكانها، وظلّت القذائف تنزل علينا إلى آخر النهار، ورشقات بنادق كلاشنكوف تسكت، ثم تعود، ثم تتفرّق. كانت واجهة المشفى مثقّبةٌ بالرّصاص والشّظايا، وحين فارقت الطفلة الحياة لأن أحمرها نشف هبط الليل علينا. الأرض خفيفة والزمان واقف، وكانت بذرة تنشقّ باكرا من أيامها، تحاول معبرا إلى السماء. كم هو مليء بالعزلة هذا الغسق الأحمر الشديد، آخر ومضة منه هي لون نهاية العالم، نهاية الكون، نهايتك…

كاتب عراقي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية