حرية الشكل والحرف في أعمال عبد العالي بنشقرون

يُقدم الفنان الحروفي عبد العالي بنشقرون مفردات فنية بلغته الحروفية ذات الأشكال المتنوعة التي تنبعث في مساحات فراغية، من نسيج مجاله الفني الحر، وإبداعه الذي يروم اختزال المساحة، باعتماد أشكال فنية تعج بطقوس حروفية تعبيرية دائمة التشكيل، مع إضافة عناصر جديدة مستمرة تستحوذ بشكل كبير على معظم البناء الفضائي، وهي تتقاطع في عمقها مع ما ينثره من الحروفيات بحرية مطلقة في الفضاء، بأشكال ورموز وعلامات لونية ذات تعددية شكلية وقيم تعبيرية، تفصح عنها استعمالات الحروف والألوان، التي تبرز في أشكال فنية متداخلة مع الألوان، إذ أن المبدع يتصرف في الحروف بحركات متتالية وبموسيقى بصرية، ليبعث صورا تؤكد أهم مناحي الجمال داخل الفضاء الحروفي التعبيري.
وهو بهذه الطلاقة والانسيابية والسيولة الحروفية الحرة يظهر المسالك الجديدة في الأسلوب الفني الحروفي، الذي يتخذ من المفردات التشكيلية، ومن الألوان مسارا أسلوبيا يتلاءم مع الخصائص الفنية للعمل التشكيلي، حيث إن المساحات الفراغية والمفردات التشكيلية ومختلف العناصر الفنية تتفاعل مع الحيز الحروفي الذي يتخذ منحى إبداعيا بطقوس فنية تسبح بالحروفيات في مساحات كبيرة ومتوسطة بحرية مطلقة تتلاءم مع عوالم التجديد. وهو في الواقع عالم يروم الإشارة إلى قيم جمالية نابعة من الحروفية الحرة التي يتقصد المبدع من خلالها إحداث تنوع وتجديد في هذا الاتجاه الفني، لذلك يظهر الكثير من التقويس والإمالات والحركات في المادة الحروفية وفي مختلف الاستعمالات اللونية.

إنه يهدف من خلال ذلك إلى تشكيل نسق حروفي بصري، وفق منهج مغاير ومسلك إبداعي فريد عن طريق تثبيت الألوان بشكل متداخل مع الحروفيات ومع الشكل الرمزي للحرية بصيغ جمالية مختلفة، والتعبير بأسلوب يؤكد هذا التوجه، وهو يدخل ضمن المعرفة التشكيلية الحروفية في نطاق تفاعلي تعبيري بتدبير محكم وواع، ينم عن تجربة راقية. وهي تتبدى في هذا المنجز على مستوى توثيق الصلة بين العناصر التشكيلية، والحروفيات الحرة، والمساحات المختزلة.
فالمبدع يقارب بين هذه العناصر الفارقية باستخدامات فنية تحولية، يوزعها بين الأشكال والحروف والمجال الرمزي، ليشكل تمردا صريحا على الحروفية الكلاسيكية، وينجز صيغة جديدة لعصرنة الأسلوب الحروفي متجها نحو عوالم تُوجّه التعبير نحو الجديد الفني. فإذا كان الفنان الحروفي عبد العالي بنشقرون يقتاد الحروفيات نحو هذا المنحى الجديد، فإنه في الآن نفسه يصنع مجالا كبيرا للحرية الحرفية كأساس بنائي لبعث الاستمرارية في التعبير وفق هذا المسلك الإبداعي، وذلك بتحديد المكونات الأسلوبية ذات القيمة الفنية التي تحتمل التجديد وبعث الدلالات البصرية التي تحتمل التأويلات الجمالية المتعددة.
فسحرية الحروفية الطليقة في الفضاء تتجسد في التوظيف الجمالي للحروفيات بحرية في الشكل الخطي واللوني، لتتبدى عملية تصبيب الألوان والحروف نطاقا بصريا ينبثق من مفهوم رؤيوي يقارب جمالية الشكل الحروفي بالعمل الفني، وبذلك فإن الرؤية البصرية تُظهر أن البناء الحروفي الحر يقوم على أبعاد مفاهيمية، وعلى تصورات باطنية، وهو ما يؤدي إلى مجال حروفي تشكيلي تظهر في طيه اجتهادات تجعل أعمال المبدع مثقلة بالإيحاءات والإشارات والرمزية، وكلها عناصر فنية أساسية يقتحم بها فضاءات العصرنة وعوالمها الإبداعية الجديدة، وبذلك تتبدى المستحدثات التقنية جلية في الرؤى التعبيرية، وبأدوات نصية هائلة تدرج الحروف في الألوان بشكل تلقائي، وبمقدرة أدائية عالية، تجعل هذه الأعمال تتخذ أبعادا تجريدية وثيقة الصلة بالمضامين، إذ يشكل كل حرف ناعم أيقونا للتعبير بإلهام فني عميق الدلالة. وأشكال متنوعة تكتسح المساحات بأبعاد فنية من الأشكال والألوان المعاصرة.
وبذلك فإن أعماله الفنية تمنح القارئ والناقد تحويلا فنيا حرا جديدا، يتمثل الجمال الحروفي، في صيغ جمالية متنوعة.

كاتب مغربي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية