إيران تسيطر أيضا على العراق

حجم الخط
1

الجنرال ديفيد بتراوس يعتبر واحدا من الضباط الكبار الذين شاركوا في الحرب ضد العراق. القليلون في الولايات المتحدة يعرفون جيدا الوضع في العراق مثله لأنه هو الذي قاد تعزيز قوات الجيش الامريكي في 2007 ـ 2008، التي غيرت اتجاه الحرب وأدت إلى هزيمة فرع القاعدة التي منها نبت داعش.
بفضل انجازاته عُين بتراوس رئيسا لـ «سي.آي.ايه» في فترة ادارة اوباما، لكنه اضطر إلى الاستقالة في 2012 في اعقاب قضية مرتبطة بحياته الشخصية. لدى اجرائه مقابلة مع صحيفة «واشنطن بوست» عن الوضع في الشرق الاوسط بشكل عام والعراق بشكل خاص، فانهم في الشرق الاوسط كله يصغون باهتمام كبير لما يقوله.
الاستراتيجية العسكرية الغربية في الشرق الاوسط كما يتم التعبير عنها في سياسة الولايات المتحدة والناتو، أعطت اهتماما للتهديد الذي يشكله داعش الذي لا يستثني أي نشاط إرهابي عنيف ومن ضمن ذلك التوثيق المصور لقطع رؤوس الاسرى، من اجل القاء الذعر والخوف في قلب قوات العدو. إن نجاحات داعش في المعارك ضد الجيوش النظامية أدت إلى تفكيك دولتين، سوريا والعراق. والاعلان عن اقامة دولة الخلافة الإسلامية. هذا الكيان الجديد أزال الحدود التي تم وضعها بعد الحرب العالمية الاولى في اتفاقية سايكس بيكو سنة 1916. في مقابلة مع «واشنطن بوست» في 20 آذار انتقد بتراوس التفكير الغربي التقليدي: «التهديد المركزي لاستقرار بعيد المدى للعراق والمنطقة كلها ليس هو الدولة الإسلامية داعش ولكن المليشيات الشيعية التي يتم دعم الكثير منها أو توجيهها من قبل إيران».
كما أرسل رسالة تحذير إلى من يدعون لتدفئة العلاقات بين واشنطن وطهران، بتأكيده أن إيران ليست حليفة للولايات المتحدة في الشرق الاوسط، بل هي «جزء من المشكلة»، لأنه طالما يتم النظر اليها كأنها صاحبة القوة المسيطرة في المنطقة، فان التطرف السني يتصاعد وينتشر. بأقواله تلك التي توضح بصورة قاطعة أن إيران هي تهديد أكبر على المصالح الامريكية من داعش، فان بتريوس انتقد سياسة الادارة الامريكية التي عمل تحت قيادتها في الماضي.

نموذج حزب الله

عشرات المنظمات شبه العسكرية تشارك في الحرب ضد داعش، ونشاطاتها تنسق من قبل جهاز سري لحكومة العراق، المسمى باسم «الحشد الشعبي». على رأس هذا الجهاز يقف جمال جعفر محمد، الذي حسب المعلومات الامريكية يرتبط بتفجير السفارة الامريكية في الكويت في 1988، ذلك الانفجار الذي خططه عماد مغنية من رؤساء الذراع الإرهابي لحزب الله.
اغلبية المليشيات الشيعية كانت مشاركة قبل عقد بنشاطات ضد القوات الامريكية في العراق. اليوم جمال جعفر محمد مرتبط بصورة مباشرة بإيران وهو يعمل تحت قيادة الجنرال المعروف قاسم سليماني، قائد قوات القدس في الحرس الثوري، ويدعونه اليد اليمنى لسليماني، كما أن الربط بين المليشيات الشيعية وبين قائد قوات القدس تحولها بالفعل إلى ذراع للنظام الإيراني.
المليشيا الشيعية الأهم التي تعمل في اطار «الحشد الشعبي» تسمى منظمة «بدر»، التي اجتاز اعضاؤها تدريبات في إيران، وقد اعترف زعيمها هادي الاميري في الاسبوع الماضي في محادثة مع «رويترز» بأن رجاله يرون في الزعيم الاعلى الإيراني آية الله علي خامنئي زعيما للامة الإسلامية كلها (بما في ذلك العراق) وليس فقط لإيران وحدها. الاميري قال في الاونة الاخيرة إن منظمة «بدر» تعمل بتنسيق مع حزب الله الذي نقل اليها تجربته القتالية ضد اسرائيل.
تمهيدا لبداية معركة احتلال تكريت التي تسيطر عليها داعش، فقد جندت حكومة العراق نحو 30 ألف مقاتل، ثلثاهما، حسب مصادر امريكية كما ورد في تقارير «نيويورك تايمز»، نشطاء في مليشيات شيعية اجتازت تدريبات في إيران وهي مسلحة باسلحة إيرانية. وهكذا تحولت المليشيات المدعومة من إيران إلى مليشيات اكبر وأكثر أهمية حتى من الجيش العراقي. على خلفية هذه الحقيقة استنتج بتراوس بأن إيران تبنت نموذج حزب الله في استخدامها لفروع من قبلها في العراق.
الادارة الامريكية مصممة على موقفها بشأن أهمية المحافظة على السلامة الاقليمية للعراق. هذا الموقف يفسر السياسة الامريكية في السنة الاخيرة التي امتنعت فيها عن تقديم سلاح متطور للاكراد. ولكن العمليات ضد المليشيات الشيعية في حربها ضد داعش من شأنها أن تسرع عملية تفكيك العراق إلى دولة كردية في الشمال ودولة شيعية في الجنوب وسنية في الغرب. في المناطق المختلطة بدأت عملية تطهير عرقي. نشاطات المليشيات الشيعية أدت إلى نتيجة عكسية لما كان متوقعا.

بدون حدود

ما هي اهداف إيران في العراق. جزء منها تم كشفه في 8 آذار من خلال اقوال علي يونسي، مستشار الرئيس الإيراني حسن روحاني. يونسي قال إن إيران كانت في الماضي امبراطورية عاصمتها بغداد، واضاف «ليس هناك امكانية لتقسيم المنطقة التي تضم إيران والعراق»، وأنه في نهاية الامر يتوقع اتحاد بين الدولتين». وهذا يعني: سيطرة إيرانية على العراق.
في كانون الاول 2014 أكثر من مليون إيراني شيعي وصلوا إلى العراق للمشاركة في الطقوس الدينية لاحياء ذكرى عاشوراء في المدن المقدسة للشيعة. مصادر عراقية قالت إنهم عبروا الحدود بدون عرض جوازات سفرهم، والسلطات العراقية لا تعرف من منهم عاد إلى إيران ومن بقي في العراق.
يبدو أن التغيرات التي تمر مؤخرا بالشرق الاوسط ألغت ليس فقط الحدود بين سوريا والعراق ولكن ايضا بين العراق وإيران. في الماضي كان العراق دولة تفصل بين إيران وباقي العالم العربي. السيطرة الإيرانية على العراق تخلق تواصل جغرافي من طهران حتى الحدود الشرقية لنهر الاردن.
صحيح أن تصريح الجنرال سليماني عن قدرة إيران على املاء الاحداث في الاردن تم نفيها، لكن ليس بالامكان نفي حقيقة أن الحرس الثوري وصل إلى الحدود السورية الاردنية.
إن التركيبة الجيوسياسية للشرق الاوسط آخذة في التشكل من جديد في هذه الايام، ومعها ايضا صورة التحديات التي سيطلب من اسرائيل مواجهتها في السنوات القادمة.

إسرائيل اليوم 27/3/2015

دوري غولد

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية