بعد عمليتي الحمرة وتل أبيب: الأوضاع مرشحة للمزيد من التصعيد في ظل استمرار الانتهاكات والاعتداءات الإسرائيلية خاصة في القدس

وديع عواودة
حجم الخط
0

الحرم القدسي الشريف على موعد مع انتهاكات جديدة الأحد بسبب نية سلطات الاحتلال فتح باب الحرم مجددا لاقتحامات المستوطنين وزيارة عيد الفصح اليهودي.

الناصرة ـ «القدس العربي»: من المفترض أن يبدأ اليوم الأحد بتجنيد وحدات من جيش الاحتياط ومن قوات «حرس الحدود» الإسرائيلية بتعليمات من رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو، في أعقاب التطورات الأمنية الخطيرة في الأيام الأخيرة. ويبدو أن استدعاء وحدات الاحتياط يأتي لإشاعة جو من الأمان والأمن في الشوارع والأماكن العامة في ظل فقدانهما جراء العمليات، ومن أجل محاولة كبح جماح ومنع عمليات محتملة أخرى. وفعلا ما زال الباب مفتوحا على المزيد من التصعيد نظرا لاستمرار الاحتلال والانتهاكات ومحاولات كسر إرادة الفلسطينيين، ونظرا لاستمرار المستوطنين في اعتداءاتهم من دون وازع حقيقي من قبل السلطات الإسرائيلية، وهذا يقود للتذكير بأن مدينة كفرقاسم التي خرج منها منفذ عملية الدهس في تل أبيب كانت تعرضت لاعتداء «تدفيع ثمن» نهار الجمعة من قبل مستوطنين هو السادس على التوالي بدون أن يلقى القبض على المجرمين. لكن رئيس بلدية كفرقاسم المحامي عادل بدير (الحركة الإسلامية الشق الجنوبي) اختار أن يتجاهل هذه الحقيقة في إدانته لعملية الدهس وتأكيده على ضرورة التزام فلسطينيي الداخل بالنضال السلمي فقط، وهذا ما أكده رئيس القائمة العربية الموحدة النائب منصور عباس. وكان يوم الجمعة الأخير حافلا بالأحداث وتمت خلاله عملية في غور الأردن قتلت فيها مجندتان وأصيبت والدتهما بإصابات خطيرة، وفي المساء وقعت عملية دهس أخرى في كفرقاسم. وزادت العمليتان من حالة التوتر نظرا لكون الأولى قد قتلت مجندتين شقيقتين ما جعلها أشد وطأة من قتل رجلين مكانها، والثانية أيضا كونها وقعت في قلب تل أبيب وعلى يد أحد فلسطينيي الداخل، يوسف أبو جابر من كفرقاسم.

وفي التزامن استمر تضييق الخناق على القدس وعلى منطقة الحرم القدسي الشريف. وفي تل أبيب لم تنشر الشرطة أي صورة للسلاح الذي ادعت في البداية، أنه كان بحوزة المنفذ، كما لم يؤكد جهاز الأمن الإسرائيلي العام «الشاباك» أن خلفية العملية، هي قومية، وهو ما يناقض عمليات مماثلة، نُفذت في وقت سابق. وقالت السلطات الإسرائيلية إن القتيل في عملية تل أبيب هو سائح إيطالي، في حين ذكر الإسعاف الإسرائيلي أن جميع ضحايا عملية تل أبيب من السياح، ولكنه أشار إلى أن القتيل الإيطالي قضى بالرصاص وليس بفعل عملية الدهس، وأكد أن المنفذ لم يطلق أي رصاصة. وأوضحت إذاعة جيش الاحتلال أن عملية كورنيش تل أبيب كانت مزدوجة وتضمنت عملية دهس، ومن ثم إطلاق نار، فيما تم قتل المنفذ. وقد أعلنت أجهزة الأمن الإسرائيلية أن يوسف أبو جابر من بلدة كفر قاسم في جنوب منطقة المثلث داخل الخط الأخضر، هو منفذ عملية الدهس. وحسب الشرطة الإسرائيلية، فإن المنفذ في الخامسة والأربعين من عمره، وليست له سوابق أمنية، وأشارت إلى أنه استعمل سيارة عائلته في تنفيذ العملية. وأظهرت صور بثتها وسائل إعلام إسرائيلية لحظة إطلاق ضابط الشرطة الإسرائيلية النار على المشتبه في تنفيذ عملية الدهس في تل أبيب. وذكرت أن نتنياهو عقد خلال الساعات الست الماضية عددا من الاجتماعات الأمنية مع قادة الأجهزة الأمنية بالنظر لحالة التصعيد الأمني الكبير بعد عمليتي تل أبيب والأغوار.

عملية دهس في تل أبيب

وقبيل عملية الدهس في تل أبيب ورغم إعلانه تأييد الحكومة أمام أعداء إسرائيل وتأكيده على أن قوات الاحتلال ستلاحق «الإرهابيين» اعترف رئيس المعارضة الإسرائيلية يائير لابيد في حديث للإذاعة العبرية العامة أن ما تشهده البلاد اليوم هو نتيجة قيام رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو بتحويل وزير الأمن يوآف غالانت إلى بطة عرجاء ووضعه بيد «وزير التكتوك الموتور مشعل النار» ايتمار بن غفير «برميل البارود الذي يعرف بالحرم القدسي الشريف». وتابع لابيد «أرفض منع اليهود من زيارة جبل الهيكل (الحرم القدس الشريف) فهذا من حقهم، لكنني كنت كرئيس حكومة أمنع دخول أي جندي للمكان بدون إذن خطي مني بسبب حساسية المكان. علينا التصرف بحكمة وحسن تدبير وليس بشكل فوضوي كما هو حاصل اليوم». وانضم وزير الأمن السابق عضو الكنيست المعارض بيني غانتس للتهديدات التي أطلقها رئيس المعارضة يائير لابيد بقوله بعد عملية الغور إن المؤسسة الأمنية ستضع يدها على المعتدين وتعرف كيف تغلق الحسابات معهم، واختار غالانت تخفيف حدة الانتقادات للحكومة. وشذّت رئيسة حزب «العمل» المعارض ميراف ميخائيلي عن ردود بقية قيادات المعارضة بقولها إن هناك حاجة للبحث عن حل سياسي مع الفلسطينيين، وأقرت أن مشاهد الاقتحام وضرب النساء في باحة الحرم تركت مفاعيلها في نفوس الفلسطينيين علاوة على محاولات مستوطنين إدخال الجدنيين للحرم القدسي الشريف لتقديمها قرابين في عيد الفصح اليهودي ما يعزز مخاوفهم إزاء خطر مخططات تقاسم الأقصى في المكان والزمان.

انتقادات ذاتية إسرائيلية

وفي سياق التهديدات والحسابات الإسرائيلية نقل موقع «واللا» الإلكتروني عن مسؤول أمني رفيع قوله إنه «إذا تخوفنا حتى الآن من تردي الردع الإسرائيلي، فإنه تلقينا تأكيدا على ذلك، فها نحن نشهد المساس بالسيادة وتصاعدا بالإرهاب» مهددا بأن «إسرائيل ستختار التوقيت لجباية ثمن مؤلم وإرسال رسالة لأعدائها أن بيتها ليس مبنيا من خيوط العنكبوت». وفي حديث للإذاعة العبرية انضم الجنرال في الاحتياط آفي مزراحي للانتقادات الموجهة ضد انتهاكات واستفزازات جهات إسرائيلية منهم المستوطنون فقال ساخرا «ينبغي التريّث في ذبح الجديان وتقديم القرابين قبل أن يبنى أولا الهيكل الثالث». يشار أن الحرم القدسي الشريف على موعد مع انتهاكات جديدة يوم الأحد القريب بسبب نية سلطات الاحتلال فتح باب الحرم مجددا لاقتحامات المستوطنين وزيارة اليهود بسبب عيد الفصح اليهودي. ومن الأسباب الأخرى التي تدفع نحو المزيد من التوتر والاحتقان دعوة جديدة لقائد شرطة الاحتلال كوبي شبتاي للإسرائيليين بحمل السلاح وهذه هي الأخرى محاولة إطفاء النار بصب الزيت عليها.

رمضان ليس سبب «الإرهاب»

ورغم تبني الرواية الإسرائيلية بشكل عام الزاعمة أن الفلسطينيين حولوا رمضان إلى شهر إرهاب، وأن إيران تقف خلف التصعيد ومن خلال التحريض لكن عددا من المراقبين والمحللين الإسرائيليين البارزين يتعاملون مع هذه الادعاءات بنقدية ويقرون بارتكاب الاحتلال أخطاء وانتهاكات تؤجّج نار الصراع. في تحليله قال المعلق السياسي البارز في صحيفة «هآرتس» نير حسون أمس إن محاولات غلاة المستوطنين إدخال القرابين لداخل الحرم القدسي الشريف هو بمثابة بنزين، أما مشاهد ضرب رجال الشرطة للنساء والشيوخ في الأقصى فهي قد أججّت النار. وتبعه المحلل العسكري في الصحيفة عاموس هارئيل الذي يشير لتحقق كل التحذيرات والتهديدات التي لم تأبه بها حكومة نتنياهو بل ارتكبت حماقات في التعامل مع موضوع الحرم القدسي الشريف. وهكذا زميلتهما المعلقة السياسية رافيت هخت التي تقول في انتقاداتها إن من نجح بهدم إسرائيل من الداخل سيقودها نحو الهاوية في ساعة حرب، وهذه إشارة لنتنياهو ووزرائه.

عملية فردية

وما يثقل على سلطات الاحتلال في مواجهة موجة العمليات الفلسطينية كونها فردانية ينفذها ذئاب فرادى هم فقط يعرفون مكان وزمان العملية. ورغم كونها عملية فردية فقد اعتبرت فصائل فلسطينية أن عملية تل أبيب جاءت ردا على جرائم إسرائيل بحق المسجد الأقصى والفلسطينيين. وقد دعت حركة المقاومة الإسلامية «حماس» لمواصلة كل أشكال الفعل المقاوم «دفاعا عن أرضنا وأقصانا وإحباطا لكل مشاريع الاحتلال». وقال الناطق باسم الحركة عبد اللطيف القانوع إن عملية تل أبيب تدلل على قدرة المقاومة وشبابها على ضرب الاحتلال، مؤكدا أن عمليات الرد على جرائم الاحتلال في الأقصى تتصاعد ولن تتوقف إلا بكسر عنجهية الاحتلال. بدورها، قالت حركة الجهاد الإسلامي «نبارك عملية تل أبيب، ونؤكد أنها رد مشروع على جرائم الاحتلال واعتداءاته على شعبنا ومقدساتنا». ورأت لجان المقاومة الشعبية أن عملية تل أبيب «صفعة قوية للأمن الإسرائيلي، وتأكيدا على أن الثأر للأقصى لم ولن ينتهي». من جانبها، قالت الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين إن العملية «تأتي ردّا على جرائم الاحتلال في المسجد الأقصى والعدوان على قطاع غزة».
رد فعل ضعيف

وفي ردود الفعل الدولية، أدانت الخارجية الأمريكية بشدة ما سمتها «الهجمات الإرهابية» التي وقعت في الضفة الغربية وتل أبيب. وقالت إن الولايات المتحدة تقف إلى جانب حكومة وشعب إسرائيل وإنها على اتصال وثيق مع شركائها الإسرائيليين وتعيد تأكيد التزامها الدائم بأمنهم. ورغم انحياز الولايات المتحدة لجانب الاحتلال فقد انتقدت أوساط إسرائيلية غير رسمية ما أسموه الموازنة الأمريكية بين طرفي الصراع، معتبرة أن الجانب الإسرائيلي هو ضحية «تحريض وإرهاب». وأعربت جهات إسرائيلية غير قليلة عن انتقادات لما وصفوه بالرد الإسرائيلي الضعيف في غزة وفي جنوب لبنان بدليل إن الهجمات الجوية استهدفت منشآت ومساحات فارغة دون مساس بالمسؤولين عن التصعيد. وقال وزير المالية المستوطن الوزير الإضافي في وزارة الأمن باتسلئيل سموتريتش إنه موال للحكومة لكن هذه لا تستطيع الاستمرار في مثل هذه الحالة خاصة بعدما تضرّرت قوة ردعها ويتجرأ أعداؤها عليها. وتشهد الساحة الإسرائيلية نقاشات بين من يدعو لاستهداف المنظمات الفلسطينية وبين من يدعو لوضع النقاط على الحروف وعدم التردد في مهاجمة حزب الله كونه قد أعطى الضوء الأخضر لإطلاق الصواريخ من لبنان وأن أمينه العام حسن نصر الله يعلن دعمه المعلن للمقاومة الفلسطينية.
في التزامن ورغم هذه الأحداث العاصفة تستمر الاحتجاجات في إسرائيل على خطة الائتلاف الحاكم بتشريعات قضائية تعتبرها المعارضة انقلابا على الديمقراطية ولمن يتساءل عن تأثير العمليات والأحداث الأمنية على الاحتجاجات فهي مستمرة خاصة أن المعارضة وأوساطا عامة في الشارع الإسرائيلي تعتبر وجود وزراء غير مجربين واستفزازيين ممن يوصفون إسرائيليا أيضا بـ «مشعلي النار» داخل هذه الحكومة سببا من أجل مواصلة الاحتجاجات خاصة على خلفية صرف نتنياهو النظر عن استفزازاتهم، فيما يقوم بضرب هيبة وزير الأمن يوآف غالانت رغم أنه يبدو بنظر الإسرائيليين أكثر تجربة ومسؤولية ومهنية في إدارة الأزمة. وتشتد هذه الصورة وضوحا بالنظر إلى أن وزير الأمن القومي ايتمار بن غفير هو المسؤول عما يجري داخل الحرم القدسي الشريف وعملية ضرب النساء والشيوخ في الأقصى جاءت بتوجيهات منه.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية