أدب… نقد أي علاقة؟

حجم الخط
0

نجد كلمة أدب كاسم جنس تشتمل على دعائم ثلاث هي: النتاج الأدبي ثم النقد الأدبي والتاريخ الأدبي؛ والترتيب لا يعد اعتباطيا بل مقصودا؛ لأن الناقد هو أوكسيد التفاعل بين المبدع والمتلقي؛ وبدون الناقد لا نجد أدبا؛ بل سيكون أدب الأدراج المغلقة؛ فالناقد هو الذي يصوغ الأدب ويقربه من المتلقين.
نقصد بالأدب جانبه الإبداعي الخالص الذي يصدر عن الأديب؛ لأن هذا الأخير يتتبع الواقع ويتأثر به فيعبر عما أحس به بلغة خاصة تسمى اللغة الأدبية أو شعرية العمل الأدبي، حسب تعبير رومان جاكبسون. وفي درجة ثانية يأتي النقد باعتباره لصيقا بالأدب؛ لأن النقد ينبني على الأدب؛ حيث يبدأ النقد وظيفته بعد الفراغ من إنشاء الأدب، فالنقد يفرض أن الأدب قد وجد فعلا ثم يتقدم لفهمه وتفسيره وتحليله وتقديره، والحكم عليه بهذه الملكة التي تكون لملاحظاتها قيمة وأثر في النص والقارئ والمبدع.
ومن الناحية التاريخية نرى أن الأدب أسبق إلى الوجود من النقد، وهذا يعني أن الشاعر الأول سبق إلى الوجود؛ الناقد الأول، أيّا كانت طبيعة هذا النقد من انطباعية تأثرية أو علمية دقيقة. إن الأدب يتصل بالطبيعة اتصالا مباشرا، على حين يراها النقد من خلال الأعمال الأدبية التي ينقدها؛ ثم أن الأدب ذاتي من حيث إنه تعبير عما يحسه الأديب وعما يجيش في صدره من فكرة أو خاطرة أو عاطفة؛ أما النقد فذاتي موضوعي: فهو ذاتي من حيث تأثره بثقافة الناقد وذوقه ومزاجه ووجهة نظره؛ وهو موضوعي من جهة أنه مقيد بنظريات وأصول علمية .
ورولان بارث عندما عرف النقد قال إنه خطاب على خطاب آخر؛ يؤدي إلى صيغة تكاملية واتحادية للممارستين الأدبية والنقدية؛ ويقول سمير منير عامر: «مجال الإبداع ومجال النقد يكادان أن يكتملا؛ بل لا نغالي إن قلنا يتوحدان؛ واضعين في اعتبارنا كون العمل الأدبي صياغة لغوية بفعل ذات شاعرية؛ والنقد الأدبي إن هو إلا صياغة حول الصياغة الأولى؛ قادرة على إعادة تنظيم الإمساك بخيوط العمل الأدبي من جديد…»؛ ويحدد زكي نجيب محمود العلاقة بين الأدب والنقد في كونها علاقة بين الكاتب والقارئ، وما يطلب في النقد من شروط يطلب في الأدب من ضرورة إحكام النقاد والأدباء لأنواع المعارف ومختلف مشارب الثقافة، وهناك بعض الباحثين الذين يردمون الهوة بين النقد والأدب؛ ويزيلون كل أشكال التفريق بينهما؛ ويعتبرون الممارسة النقدية على الأدب هي نقد للنقد الذي هو الأدب؛ يقول روز غريب: «إن الفن نفسه نقد غير مباشر للحياة والطبيعة؛ نظرة فاحصة عميقة يجري التعبير عنها في قالب قصة أو شعر أو رسم أو موسيقى؛ والأدب تعبير عن شعور أو فكرة أو تجربة مستلهمة من الآثار الأدبية أو الفنية؛ فهو معادل لنقد النقد». وهناك بعض الباحثين من يقول بضرورة الفصل بين النقد والأدب على اعتبار أن كل واحد منهما مستقل بذاته وله شروطه الذاتية والموضوعية لإنتاجه؛ فالنقد ليس الأدب؛ حيث أن هدف النقد هو المعرفة؛ وهو لا يخلق عالما خياليا كعالم الشعراء أو الموسيقى؛ بل هو معرفة فكرية أو يهدف إلى التوصل إلى تلك المعرفة؛ والسبب في ذلك هو أن النقد يعتمد مناهج العلوم الطبيعية ويضفي الطابع العلمي إلى دراساته. ويعتبر التعبير الذي أعطي للأدب والذي هو نقد الحياة؛ هو الذي كان وراء إعادة صياغة تعريف النقد؛ الذي يغدو نقدا للنقد؛ ومن هنا تتحدد الوظيفة بين الأدب والنقد؛ أو يتم نقل المعنى الاصطلاحي للنقد إلى الأدب. ويعبر بارث بوضوح عن هذا الاتحاد الذي يرجح كفة النقد؛ ويظهر فيه الأدب منجزا للعمل نفسه الذي يقوم به النقد؛ لكن باختلاف المادة المنتقدة طبعا.
والأدب والنقد مشروطان باحترام مبدأ الالتزام يقول بارث: «الكتاب عالم؛ والنقد يجرب أمام الكتاب شروط القول نفسها التي يجربها الكاتب أمام العالم؛ هنا نصل إلى الالتزام الثالث للنقد» .
وفي المقابل تغيب الوظيفة النقدية في المكونين: أدب ونقد عند بعض الدارسين؛ وتبرز الوظيفة الأدبية؛ ويصبح النقد لونا من ألوان الأدب، «النقد عندي لون من ألوان الأدب؛ فن مبدع مستقل كالشعر والقصة؛ وفن سيد ليس بأجير ولا غاية له؛ سوى الغاية التي ينتهي إليها كل فن آخر». والأدب هنا بمعناه الخاص؛ باعتباره بوتقة من الفنون وألوان الإبداع؛ ويلتقي النقد معها في الجانب الإبداعي والفني. والنقد الذي يعتبره روني ويليك جيدا هو معرفة فكرية أو طموح إلى التوصل إليها؛ ويوافق فراي في قوله: «إن النقد بنيان من الفكر والمعرفة له وجوده الخاص».
إن الإلحاح على الفصل بين النقد والإبداع الأدبي يستند إلى رؤية منهجية تصنيفية تراعي حدود كل ممارسة لغوية مشروطة بخصائص لازمة؛ إنه فصل بين ذاتية الأدب وموضوعية النقد؛ في حين يستند القائلون بنقدية الأدب أو أدبية النقد في بعده الفني والإبداعي إلى الحضور الذاتي والموضوعي في الممارستين معا؛ لأن الناقد «فنان في رهافة حسه وحسن تذوقه؛ عالم في موضوعيته وصدقه وتجرده». كما أن توظيف النقد لمصطلحات ومفاهيم بعيدة عن دائرة الأدب، بحيث تكون مستقاة من حقول معرفية أو علمية مفارقة؛ يحاول بها الناقد مقاربة الأدب؛ يبدو أمرا مستهجنا عند الأديب وسببا في هجومه على الناقد؛ لأنه لا يستسيغ أن يحوز الأدب مقولات فلسفية أو معرفية متمظهرة في شكل إبداعي. كما أن فهم الإبداع الأدبي من طرف الناقد لن ينجح فيه لأنه لم يعان عملية ولادته.

ناقد أدبي ـ المغرب

محمد يوب

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية