وزارة الثقافة المصرية تعلق أزمة السينما في رقبة السبكي

حجم الخط
0

القاهرة ـ «القدس العربي»: جاء تصريح وزير الثقافة عبد الواحد النبوي بشأن استعداد الوزارة للتعاون مع مؤسسة السبكي في دورات الإنتاج المقبلة لإنقاذ صناعة السينما، صادما لبعض النقاد، حيث رأوا ذلك متناقضا مع صيحات الرفض للأفلام التجارية التي يتهم السبكي بالترويج لها، ويبدو أن الوزير اطلع على ملف أزمة السينما، الذي وضع على مكتبه ضمن الملفات الثقافية العاجلة، ورأى أن الخروج من هذه الأزمة لا يتم إلا بالاندماج الاقتصادي مع مؤسسة إنتاجية ناجحة، ولم يأخذ حذره لتجنب ردود الأفعال.
في اعتقادي أن الشق المتعلق بإنقاذ الصناعة في قرار عبد الواحد مهم إلى حد كبير، حيث التفكير الموضوعي لحل الأزمة يحتم النظر في هذا الاتجاه، لا سيما إذا كانت من بين أفلام السبكي نوعيات غير مختلف عليها، شكلا وموضوعا، مثل «كبارية» و»الفرح» و»ساعة ونص»، أما الشق الأدبي من القرار، وهو مصدر الاحتجاج لأسباب تتعلق بمنهجية السبكي في إنتاج أفلام تجارية، دون المستوى، فهذه هي القضية التي يجب أن تكون محل دراسة قبل أن يتم تنفيذ أي مشروع مشترك بين الطرفين.
الطريف أن تصريح الوزير لم يزد عن كونه فكرة فتح الملفات القديمة بكل تفاصيلها، وإعادتنا مرة أخرى لطرح قضية العري وحدود المسموع والممنوع في حرية الإبداع، حتى بعد القرار الأخير، الذي رفع الحظر عن أي فيلم بدور العرض والاكتفاء بوضع لافتة للكبار فقط، لو رأت الرقابة أنه غير ملائم لجمهور الشباب تحت سن 18 سنة.
فالجرأة التي ترد في بعض الأفلام من تصوير مشاهد تحمل بعض الإثارة، يراها كثيرون من جمهور السينما المحافظ خروجا عن النسق الاجتماعي، وتكريسا لظاهرة غير أخلاقية تفرض وجودها بالتساهل والتفريط، كان آخر ما شهدته الساحة الفنية من خلافات في هذا الصدد ما أثير حول فيلم «حلاوة روح» وما نسبب إليه من انتهاكات لبراءة الأطفال باستغلالهم في القيام بأدوار أكبر من أعمارهم وإدراكهم، وعلى أثر هذه الأزمة عرض الفيلم بقرار رئيس الوزراء تجاوبا مع موجة الرفض، ومن ثم تقلصت فرصته في حصد الأرباح المأمولة من شباك التذاكر حتى بعد استئناف عرضه للمرة الثانية، قبل بيعه للقنوات الفضائية ونشره على أوسع نطاق.
فيلم «حلاوة روح» لا يمثل ظاهرة جديدة، فعلى مدى تاريخ السينما المصرية تكررت الحالات نفسها، فكثيرا ما سمحت الرقابة بعرض أفلام اعترض عليها الجمهور وقليل ما تم منع أفلام أيدها محبو السينما والمثقفون وحدث فيها العكس.
القضية إذن لا تتصل فقط بالقرار الرقابي أو السيادية، وإنما الذوق العام هو ما يحسم المعارك بين صناع السينما والمشاهدين، وقد تصدر قرارات رسمية تعيق التواصل الطبيعي بينهما، ولكن ليس هذا هو الموضوع والأمثلة كثيرة في المضمار ذاته، فهناك أفلام مثل «حمام الملاطيلي» و»المذنبون» و»درب الهوى» و»خمسة باب» و»أرجوك أعطني هذا الدواء»، عرضت في مراحل الزخم السينمائي وفترات الرواج الفني وجرت لها محاكمات جماهيرية بعيدا عن التقييم الرقابي.
ورغم ان الجو العام كان مشجعا على الإبداع وداعما للسينما على وجه الخصوص، إلا أن ذلك لم يمنع بعض الناس من الاحتجاج والرفض، وبالفعل كان لهذه الآراء تأثيرها الجمعي، ما أدى إلى منع الأفلام محل الخلاف ومن أشهرها، «درب الهوى» و»خمسة باب». وهذان الفيلمان عرضا لعدة أيام فقط ومنعا في موسم واحد، إذ تعرضا لموجات الرفض التي قادتها بعض الصحف حفاظا على السلامة الأخلاقية للمجتمع.
بالمنطق نفسه لم تنج السينما من المسؤولية فقد واجهتها في السنوات الأخيرة تهمة الترويج للإباحية في أفلام مثل، «حين ميسرة» و»دكان شحاتة» و»كلمني كشرا»، والثلاثة لمخرج واحد هو خالد يوسف الذي ناصبه البعض العداء لأنه خرج عن النسق المحافظ وعرض بصراحة الصورة الواقعية للمجتمع، كما تصورها، ولهذا لم يسلم من ألسنة الهجائين وما زال رهن التشكيك والمزايدة هو مع آخرين رفضوا فكرة أن يكون الفن مثاليا إلى الحد الذي يخالف الواقع والحقيقة.
الدائرة الخطرة هي ذاتها التي دخلها فيلم «حلاوة روح» فاحدث زلزالا بين فريق يرفض الوصاية على الإبداع ويرى في قرار رئيس الوزراء عدوانا على الحريات العامة ويجرم المبادرة التي قام بها المجلس الأعلى للطفولة والأمومة، أو على الذي يراها خطوة رجعية في إطار التذرع بالأسباب الواهية لتقييد حرية الفن لمجرد أن طفلا لعب دورا في الفيلم لم تتجاوب مع ذائقة أعضاء المجلس. الفريق الثاني وهو فريق المدافعين عن مبادئ الفكر والإبداع والابتكار، يعتبر أن صدور قرار من هذا النوع وبهذه الآلية من غير جهة الاختصاص المباشرة، يعد مقتلا لمفهوم الديمقراطية وحرية التعبير، استنادا لوجود جهاز رقابي يتصل عمله بهذه القضية، كان ينبغي ان يتم الرجوع إليه أولا قبل صدور قرار وقف الفيلم، خاصة أن الرقابة هي من أجازت عرضه بوصفه مصنفا فنيا ومرخصا ويحمل توقيعات لجنة المشاهدة والمدير العام، وهي الملابسات نفسها التي دفعت المدير العام أحمد عواض لتقديم استقالته احتجاجا على ما حدث.
القراءة المنطقية لكل ما جرى وفق السياقات العامة، أن الحكومة لجأت إلى استخدام سلطاتها لوقف عرض الفيلم، بعد بلاغ المجلس الأعلى للطفولة والأمومة لدرء الشبهات وتجنب الاتهام بأنها تمنح الحرية الإبداعية لمن لا يحسن استخدامها، وبذلك تفتح مجالا لنقدها في هذا الخصوص، وهي في غنى عنه.
وفي تقديري الشخصي ومن وجهه نظري المتواضعة أن ثمة خطأ وقعت فيه الحكومة باتخاذها القرار، حيث الإبقاء على الفيلم في دور العرض تحت لافتة للكبار فقط، لم يكن يسفر إلا عن المقاطعة لو كان حقا مسفا وغير أخلاقي، وهو العقاب الاعتيادي الذي واجهته أفلام كثيرة قبل ذلك، رأى الجمهور بإحساسه الفطري النقي أنها تؤذي مشاعره ولا تضيف إليه شيئا على المستوى الذهني والوجداني.
القليل جدا من الأفلام التي تمتعت بقدر من الحرية التعبيرية هو الذي نجا من العقوبة الجماعية بهجرة شباك التذاكر، ولعل الأشهر من بين هذه الأفلام «خلي بالك من زوزو» و»أبي فوق الشجرة» والشفاعة هنا لم تكن للفيلمين وإنما كانت للنجمين الكبيرين عبد الحليم حافظ وسعاد حسني لما يتمتعان به من مكانة خاصة جدا لا يباريهما فيها أحد، وإن كان حليم ونادية لطفي قد نالهما جانبا من السخرية لزيادة عدد القبلات في الفيلم، التي بنيت عليها الدعاية من باب زيادة الإيرادات.
يظل البعد الأخر الفارق في عملية المقارنة بين مرحلتين مختلفتين من عمر السينما المصرية، وهو البعد الديني للمرحلة الحالية، الذي خلق هاجسا عاما من أن تترتب بعض المخاطر من إطلاق الحرية الإبداعية وانفراج زاويتها بشكل يفهم أنه انهيار لمنظومة القيم والأخلاق وانحدار بالمجتمع إلى حافة الهاوية فمن سوء الطالع أن الفن وما يقدمه من انعكاسات اجتماعية يرتبط في أذهان المعادين له بالفسق والفجور وهي أحكام لو صحت تستلزم الجلد أو الرجم.
هذا ما أدى إلى تحويل الخلاف على فيلم، أيا كان مستواه الفني، لقضية رأي عام تستوجب تدخل السلطة السياسية بجلالة قدرها، لفض الاشتباك، فترضي فريقا وتغضب آخر، ويظل الأمر معلقا من دون حسم حقيقي بين المسموح والممنوع، طالما تعددت في الإبداع وجهات النظر.

كمال القاضي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية