المسلسل العراقي «اقتحام»: مفاجآت مهند أبو خمرة الفنية

بينما كنا ننتظر جزءاً ثانياً من مسلسل «وطن» فاجأ الفنان العراقي مهند أبو خمرة جمهوره ومشاهديه، بعمله الجديد في رمضان الحالي 2023، مسلسل «اقتحام» الذي تم عرضه على شاشة قناة الشرقية، في الأيام العشر الأولى من الشهر الكريم. وكان خبراً سعيداً ومفاجأة سارة، عودته للتعاون الفني مع الممثلة زهراء بن ميم، نجمة عملين من أجمل أعماله السابقة، هما «هوى بغداد» و»دجلة وفرات» وبطلة هذا العمل الجديد وشخصيته الدرامية الرئيسية، التي تحمل اسم زهراء هي الأخرى. تتكون هذه الدراما التمثيلية من عشر حلقات، مدة الحلقة ساعة تقريباً، قام مهند أبو خمرة بالتأليف والإخراج، وشاركه الكاتب رحيم عبدو في إعداد السيناريو وصياغة الحوار، ويُعد هذا التعاون الثاني بينهما بعد مسلسل «وطن».
«اقتحام» مفاجأة فنية وشكل درامي جديد، يضيفه أبو خمرة إلى قائمة أعماله، وإلى الدراما العراقية والعربية بشكل عام، ومن خلاله يختبر نفسه مخرجا ومؤلفا في مناطق فنية مختلفة، ويكتشف المزيد من مواطن الإبداع لديه، ويخوض مغامرات فنية جديدة. ومسلسل «اقتحام» ما هو إلا حكاية من حكايات الوطن، فكل شيء يتغير عند أبو خمرة، لكن الثابت لديه هو العراق، ومهما تنوعت الأشكال الدرامية التي يبدعها من الرومانسية الغنائية، إلى السياسية، إلى الإثارة والتشويق، فهي في جميع الأحوال دراما عراقية خالصة، تقف على أرض العراق وتتنفس هواءه، وتنبض بالحياة العراقية بكل ما فيها من آلام ومعاناة، وحب وجمال، ورجاء في مستقبل أفضل رغم كل شيء. وهذا من أهم أسرار تميز دراما أبو خمرة، لكن يوجد سر آخر مهم، وهو أنها بكل بساطة دراما حقيقية، دراما بمعنى كلمة دراما، عمل يدور في إطار الفن أولاً وأخيراً، لا شيء خارج الفن، ولا شيء دخيل على الفن، وللفنان أن يقدم في عمله ما يشاء من أفكار ووجهات نظر ورسائل، لكن عليه أن يقدم فناً ممتعاً للجمهور، وإلا تحول الأمر كله إلى أي شيء آخر لا علاقة له بالفن.

الإثارة والتشويق

في مسلسل «اقتحام» يظل مهند أبو خمرة محتفظاً بروح الفنان الموهوب المبدع، الذي يستمتع هو أولاً بهوايته وفنه مهما كان محترفاً، لأنه دون ذلك لن يستطيع أن يحقق المتعة للمتفرج، والجميل أيضاً أنه يظل فناناً وإنساناً عراقياً، لديه رؤيته وتوجهاته، لكنه لا يمارس أي نوع من أنواع السلطة الفنية، أو الفكرية والسياسية على جمهوره. ونجده في عمله الجديد، يبدع بشغف كبير كما لو كان هذا العمل هو عمله الأول، وهو بدوره ينقل للمتلقي ذلك الشغف أيضاً ومتعة الاكتشاف، وإن اعتاد ذلك المتلقي مشاهدة أعماله. قبل البدء في المشاهدة يكون للمتفرج توقعاته وتخميناته، التي تعتمد على معرفته بأعمال الفنان السابقة، فوجود زهراء بن ميم على سبيل المثال، قد يوحي بأن هناك عودة ما إلى الرومانسيات الغنائية، بينما يوحي وجود الكاتب رحيم عبدو بارتباط ما بين مسلسل «اقتحام» ومسلسل «وطن» وإلى ما هنالك من توقعات وتخمينات أخرى، لكن مع البدء في المشاهدة وخلال الدقائق الأولى، يقطع أبو خمرة أي ارتباط يمكن أن يخلقه المشاهد مع أعماله السابقة، ويؤكد لهذا المشاهد أنه بصدد عمل جديد تماماً، على مستوى الحكاية والتناول والتنفيذ. وقد التزم المخرج بقالب الإثارة والتشويق، ليروي قصته التمثيلية على المشاهدين، وهو يصنع الإثارة ويحقق التشويق، عن طريق إيقاع معين يجب أن يكون دقيقاً ولا يعرف الاختلال، وأسلوب السرد التلفزيوني الذي تلعب فيه الصورة دوراً أساسياً إلى جانب عناصر السرد الأخرى، ومن يريد أن يخلق الإثارة والتشويق، عليه ألا يكون مُتوقعاً، أي ألا يستطيع أحد توقع مسار الأحداث، أو النهايات ومصائر الأبطال، والحق إن المخرج كان يذهب عكس كل التوقعات، وكلما ظن المشاهد أنه اكتشف إلى أين ستذهب الأمور، وجد نفسه أمام بدايات جديدة لمسارات أخرى غامضة، فهناك الكثير من المفاجآت في العمل، وفي كل حلقة من حلقاته، أما الحلقة الأخيرة فإن فيها النصيب الأكبر والكم الهائل من المفاجآت، والحل الدرامي المحزن أو المفرح، للعقدة التي تكونت منذ بداية العمل، وظلت تبحث عن حل على مدى الحلقات العشر. كان أبو خمرة حريصاً على إيقاع العمل، وعلى أسرار التشويق، والتشويق لا يعني تعذيب المشاهد وإصابته بالملل والإحباط، واليأس من الوصول إلى شيء، بل التشويق هو أن يظل العمل محتفظاً بالمتفرج في حالة من المتعة واليقظة والمتابعة النشيطة.

في مسلسل «اقتحام» يظل مهند أبو خمرة محتفظاً بروح الفنان الموهوب المبدع، الذي يستمتع هو أولاً بهوايته وفنه مهما كان محترفاً، لأنه دون ذلك لن يستطيع أن يحقق المتعة للمتفرج، والجميل أيضاً أنه يظل فناناً وإنساناً عراقياً، لديه رؤيته وتوجهاته، لكنه لا يمارس أي نوع من أنواع السلطة الفنية، أو الفكرية والسياسية على جمهوره.

اعتمد المسلسل على ثيمة وفكرة درامية، لطالما نُفذّت في أعمال عربية وأجنبية قديمة وحديثة، وهي فكرة وجود مجموعة من الرهائن مع محتجزيهم في مكان ما لبعض الوقت، وما ينتج عن ذلك من أحداث وتفاعلات إنسانية، بالإضافة إلى فكرة أخرى، هي فكرة البطل الذي يتحول إلى مجرم رغماً عنه، ويحظى بشعبية كبيرة وتعاطف واسع من الجماهير، فهو الضحية والجاني في الوقت نفسه، ذلك البطل الذي يغلب خيره شره، أو الذي هو خيّر بالفعل، لكن فساد البلد والنظام السياسي أو المجتمعي، يدفع به نحو ارتكاب أمر مرفوض قانونياً، وحتى أخلاقياً، لكن ما يأتيه من فعل، تكون دوافعه وغاياته خيّرة تماماً سواء لصالحه الشخصي أو للصالح العام. كل من الفكرتين، تم استخدامها مراراً، ويستطيع المرء أن يعدد أسماء وعناوين الروايات والأفلام والمسلسلات التي تناولتها. لكن هل يعني ذلك أن مسلسل «اقتحام» لم يقدم جديداً؟ أو أن مهند أبو خمرة أعاد إنتاج أعمال أدبية وفنية؟ بل قدّم مسلسل «اقتحام» الجديد، فليس من الخطأ استخدام هذه الثيمات وتوظيفها، وهي ثيمات معروفة في الدراما، بل الخطأ الكبير هو إهمال مثل هذه الأمور الأساسية في الدراما، وعدم الارتكاز عليها، فللدراما أصول وقواعد، قد تكون قليلة ومحدودة، لكنها تُمكن الفنان من إبداع لانهائي وخلق حكايات مختلفة في كل مرة. ومثل هذه الثيمات تكون غنية درامياً، ومليئة بالتعقيدات والتشابكات، كما أنها محببة إلى الجمهور ولا تفقد جاذبيتها أبداً.

العراق أبو النفط

«العراق أبو النفط، اللي خيره مغرق العالم كله، هذا حال أبنائه؟» هذه جملة نسمعها في المسلسل، لكنها ليست أي جملة، بل يمكن القول إنها الأساس الذي بنيت عليه هذه الدراما التمثيلية بأكملها، سواء قيلت هذه الجملة صدقاً على لسان عراقي مظلوم يعاني، أو كذبا على لسان عراقي فاسد سارق وناهب لأموال الشعب، فإذا كانت المعاناة والحرمان من أقل الحقوق الآدمية كالعلاج مثلاً، أمراً مقبولاً أو منطقياً في بعض البلدان، على الرغم من أنه يجب أن لا يكون مقبولاً أو منطقياً في أي بقعة على وجه الأرض، إلا إنه غير منطقي بالمرة في بلد مثل العراق، يتمتع بثروات نفطية هائلة، ويستحق شعبه أن يكون من أكثر الشعوب المرفهة في العالم، لا أن ينال حقوقه الأساسية فقط.

من هنا تبدأ العقدة الدرامية، الاحتياج إلى علاج مرض خطير، يتكلف ملايين الدولارات، وتبدأ رحلة البحث عن الحلول، لدى الأقارب والمعارف، ثم المستشفيات العامة، ووزارة الصحة، والوزير ونواب البرلمان الذين يعطفون على الشعب بعد أن يسرقوه جيداً، ونجمات السوشيال ميديا، حيث فراغ العقل والشعور، واللجوء إلى الشعب الذي يعاني أيضاً، ليدفع الجميع ثمن الفساد ويساهموا في التبرع، من أجل جمع مصاريف العلاج، ولن يكفي كل ذلك، لأن هناك من الأمور ما يتطلب وجود دولة مسؤولة، وأهوال وحدها الدولة تستطيع أن تتحملها، هنا يشعر المواطن بأنه قد صار في الفراغ، وعليه أن يجد سبيلاً للخلاص، فيبحث عن الخلاص الفردي، وما كان يرفضه من قبل أخلاقياً، ويخشاه قانونياً، يصير مبرراً ومباحاً، فعندما يذهب ليسرق البنك الدولي في العراق، كما تفعل زهراء بطلة العمل، فهي في هذه الحالة ومن وجهة نظر الشخصية الدرامية، تأخذ حقها في ثروات بلادها، لتنقذ حياة طفلتها الوحيدة ذات العام ونصف العام، والمصابة بمرض ضمور العضلات الشوكي، لكن زهراء في خضم رحلتها المثيرة، وما تكتشفه في طريقها من فساد رهيب، تدرك أن الخلاص الفردي ليس هو الحل، وأنه لابد من خلاص جماعي، وقد حققت هي بالفعل نوعاً من الخلاص الجماعي في لحظة معينة من العمل، كما أن خلاصها لم يتحقق إلا من خلال الجماعة أيضاً، وهذا ما يؤكد عليه المسلسل، فكرة الخلاص الجماعي، وتطهير الأوطان من الفساد، مهما بدا الأمر شاقاً وطويلاً، فليس هناك حلا آخر، لا بد أن تكون أوطاننا العربية صالحة للعيش والحياة، من المستحيل أن يهاجر الجميع إلى الدول الأجنبية لينعم بأبسط الحقوق، أو أن يتحول الجميع إلى فسدة وسارقين، ومن المستحيل أن يجد كل شخص خلاصه الفردي، بطلب الإحسان من الفاسدين أو حتى بأخذ حقه بالقوة.

لا أبيض ولا أسود في هذه الدراما التمثيلية، ولا توجد خطوط حادة فاصلة بين الخير والشر، سوى ذلك الخط الذي يفصل بين الشعب وناهبي ثرواته، أما الشعب نفسه باختلاف مكوناته، فتختلط الأمور وتتداخل كثيراً، وتتغير انطباعات المتفرج من مشهد إلى آخر، فمن يظنه المرء مجرماً يصير بطلاً مناصراً للمظلوم وصاحب الحق، والشريف الذي رفض الفساد طوال حياته، بل إنه ذهب إلى السجن ظلماً بسبب رفضه للفساد، يضطر إلى السرقة في النهاية، لكن المرء يتردد حتى في أن يسميها سرقة، وفي الوقت نفسه لا يستطيع أن يسميها بالكامل عملية أخذ حق، هذه المعضلة يقع فيها المشاهد مع أبطال الدراما أيضاً، ويعايشها معهم على مدى الحلقات. حتى القانون الممثل في العمل برجال الشرطة، يواجه تلك المعضلة وبشكل أكثر صعوبة نظراً لما يحمله من مسؤولية جسيمة، ويخوض صراعاً من نوع آخر. وفي دراما من هذا النوع، لا يتسع المجال كثيراً للحب، لكن أبو خمرة خلق طيفاً رقيقاً لحب محتمل، قد يقدر له الوجود في المستقبل، بين البطلة زهراء والبطل سلام، على الرغم من الاختلافات الكبيرة بينهما، والصدفة أو الصدف غير السعيدة التي جمعتهما. كما يركز جزء من الدراما على المواجهة التي تحدث بين الأفراد في نظام فاسد، فعندما يشعر كل فرد بأنه مهدد إذا لم يخضع للفساد، يصير فاسدا وسيختار أن ينجو حتى على حساب الآخرين، والشجاع فقط هو من سيختار ألا يخضع، وسيدفع ثمن شجاعته غالياً، هي تفاصيل الفساد وتبعاته المعروفة والمألوفة لدى أغلب المشاهدين العرب، فعندما يشاهد المتفرج غير العراقي مسلسل «اقتحام» لن يشعر بالغربة، فهو يعرف مأساة البحث عن علاج للأمراض الصعبة، وحتى البسيطة في بلده، ويعرف حجم النهب لخيرات البلاد، ويعرف هؤلاء الفاسدين جيداً كبيرهم وصغيرهم، وشخصية النائب جمعة في المسلسل على سبيل المثال، هي شخصية مألوفة جداً، البرلماني المنتفخ من كثرة ما سرق من أموال، الطامع في كل شيء حتى أجساد النساء من صاحبات الحاجات، رجل البر والإحسان أمام الكاميرات فقط، يوزع الصدقات على المحتاج ويعطف على المسكين، ويحرص على تصوير ذلك جيداً وإذاعته على الملأ. ربما الفرق الوحيد الذي سيشعر به المشاهد غير العراقي عند متابعة المسلسل، هو الأرقام والمبالغ المهولة، أرقام صفقات تهريب النفط وتزوير العملات، وغيرهما من الأعمال المشبوهة، ومن المعروف في الواقع أن أرقام الأموال المنهوبة في العراق كبيرة جداً، أو ما اكتشف منها حتى الآن على الأقل، فالعراق أبو النفط والخير بالفعل، أو كما تقول زهراء بغضب وحزن في أحد المشاهد: «منا وجاي ماكو أي مواطن عراقي يعاني، وهو عايش ببلد الخير وبلد النفط».

على الرغم من أن معظم الدراما تدور في مكان محدد، هو مكان الاحتجاز، إلا أن العمل مليء بالكثير من التفاصيل، والشخصيات الدرامية المرسومة بعناية، وإن تم تقديمها بشكل مكثف مختصر، كما كان الحوار مكثفاً أيضاً بشكل رائع، نظراً لطبيعة الأحداث والمواقف، وعرضت شرائح مختلفة من المجتمع العراقي.

البطل الذي يتحول إلى مجرم رغماً عنه، ويحظى بالتعاطف الشعبي الكبير، كان امرأة هذه المرة، زهراء، أرملة شابة جميلة، وأم لطفلة مصابة بمرض خطير، وتعيش مع أبيها عماد، الذي خرج من السجن بعد أن اتهم ظلماً في فساد كان هو أقوى رافضيه، في البنك الدولي الذي كان يعمل فيه، جسدت شخصية زهراء، النجمة زهراء بن ميم، ولعب دور الأب الممثل القدير ريكاردوس يوسف، وشاركتهما في كثير من المشاهد، النجمة الصاعدة، ذات العام ونصف العام، زينب أو زنوبة كما يدللونها، وهي بالطبع لا تستطيع التمثيل أو حتى التكلم بشكل مفهوم ونطق كلمات كاملة، لأنها لا تزال صغيرة جدا، لكنها كانت صاحبة تأثير كبير في المتفرج، لا لجمالها الأخاذ وحسب، وتبارك الخالق الرحمن، لكن لتلك التعبيرات التي التقطها أبو خمرة بمهارة، وهي تبكي وتضحك، أو تلهو بجوار الأم والجد، وتعاطفها وردّات فعلها التلقائية، وهي أمام ممثل ربما لا تدري أنه يمثل أصلاً، لكنها تتأثر عندما تبكي الأم زهراء، وعندما يبكي الجد وهو على سجادة الصلاة، فتضع دميتها على وجهه، كما لو أن الدمية تقبله، وتؤدي هي القبلة من بعيد بفمها، ثم تقترب منه وتطبع قبلة حقيقية على وجنته وهو يبكي.

هذا المشهد من أجمل المشاهد التي أداها الممثل ريكاردوس يوسف، وفيه كان يقول باكياً مخاطباً ربه: «ليش يا ربي ليش؟ ليش هيك تجور عليّ؟ وأني سنين ورا سنين مصيبة ورا مصيبة، وأقول المؤمن مبتلى، ليش يا ربي ليش؟ أشوف الحرام قدامي و»البوك» وأعوفه، وأقول لأ هذا غلط، أشوف ذولا السفلة من حال أحسن إل حال أحسن، وأني مصيبة ورا مصيبة ليش يا ربي؟» ومن مشاهده الرائعة الأخرى أيضاً، ذلك المشهد الذي يواجه فيه رجلاً شمت فيه وفي مرض حفيدته، ظناً منه أنه فاسد حقاً، ما يدل على التضليل الذي يتعرض له بعض أفراد الشعب، فيرد عليه عماد قائلاً: «الشريف تسقطون بيه وتتنمرون عليه، بس لو فات مسؤول حرامي هسه، كلكم تقومون تصفقون له مع الأسف، أني أشرف منك، وأتحداك إنت أو غيرك يجيب لي دليل واحد أنه أنا «بايك» فلوس من الدولة، أني لو «بايك» فلوس من الدولة ما كان هذا حالي». وكان أداء زهراء بن ميم قوياً وصادقاً، وهي النجمة الجميلة تلعب دوراً جديداً، تتقلب كل مشاهده بين الحزن والغضب والخوف والانكسار، وهي تكاد تفقد كل ما تملك في هذه الحياة، أو كل ما تبقى لها في الدنيا، الطفلة زينب والأب عماد، بل تكاد تفقد حياتها هي في بعض المشاهد، ترتدي زهراء الجينز طوال العمل تقريباً، وشعر مضموم إلى الوراء، بلا زينة أو ماكياج، بعينين لا يفارقهما البكاء أو أثر البكاء أو مقدماته من دموع خفيفة، لم تحول زهراء بن ميم مشاهدها إلى مناحة كبرى، وصراخ وولولة، بل اعتمدت على إظهار الألم الداخلي العميق، مع القليل من الكلمات، وكان لديها من المثيرات الوجدانية ما يساعدها على ذلك، كسماع خبر مرض ابنتها وطبيعة حالتها من الطبيب على سبيل المثال، وهذا الأسلوب الذي اتبعته الممثلة زهراء بن ميم، كان أكثر فاعلية في تحريك العواطف والأحاسيس، والاتصال الفوري بين الممثلة والمتفرج في الشعور بالحزن.

فقد ركزت زهراء على استحضار الانفعالات القوية من الداخل، والاندماج بكيانها الخاص، مع ما تشعر به الشخصية في اللحظة المعينة، وقد حطمت زهراء بن ميم أي حواجز نفسية بينها وبين زهراء عماد، عن طريق تلاشي الذات المؤقت، ولا شك في أن تمثيلها من أهم عناصر الإمتاع في المسلسل. أما مهند أبو خمرة الذي كنا ننتظره ممثلاً هذا العام، بعد أن لعب بطولة مسلسل «وطن» في العام الماضي، فلم يكن له دور في مسلسل «اقتحام» لكنه ظهر كمفاجأة أيضاً لعدة ثوان في إحدى الحلقات، لينطق بكلمتين فقط ويمضي ولا يظهر مرة أخرى.
على الرغم من أن معظم الدراما تدور في مكان محدد، هو مكان الاحتجاز، إلا أن العمل مليء بالكثير من التفاصيل، والشخصيات الدرامية المرسومة بعناية، وإن تم تقديمها بشكل مكثف مختصر، كما كان الحوار مكثفاً أيضاً بشكل رائع، نظراً لطبيعة الأحداث والمواقف، وعرضت شرائح مختلفة من المجتمع العراقي، بل تصدت للعنصرية أيضاً في مشهد من أجمل مشاهد العمل، الذي تقول فيه زهراء: «كنت أسمع دائماً كلمة الشروكية، وهي كلمة قبيحة عنصرية، يقولوها للناس اللي من الجنوب. من تريد تسيء إلى شخص، تقول له أنت شروكي، هاي أول مرة أختلط بيهم، وعرفت عنهم شغلة، من واحد يقول لك أني شروكي، يعني هذا شخص عنده استعداد يموت على مودك». أما العباءة العراقية المميزة، التي ترتديها النساء باللون الأسود، والتي توضع مباشرة على الرأس فلا تكون المرأة بحاجة إلى ارتداء الحجاب، وهي عباءة مفتوحة من الأمام سهلة وسريعة الارتداء، تستقر فوق الرأس وتدخل المرأة ذراعيها في الكمين، وتستطيع أن تغطي جزءاً من وجهها بطرف العباءة أيضاً، هذا الزي التقليدي العراقي، قدمه أبو خمرة للمتفرج في مشهد رائع ذي رمزية بليغة.

‏كاتبة مصرية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية