القاهرة ـ «القدس العربي»: في الوقت الذي كانت فيه الجماهير تتساءل عن النيل، وهل سيختفي أثره خلال المستقبل القريب، بعد شرعنة سد النهضة وقصائد الحب التي بثها الرئيس لإثيوبيا، حكومة وشعباً، كانت صحف مصر تعد الجماهير لحرب جديدة جاءت مانشيتاتها لتمنح الرئيس مزيداً من الفروسية: مسافة السكة.. مصر تلبي نداء اليمن..عاصفة العرب..عاصفة الحزم تضرب الحوثيين.. مصر شاركت في العملية استناداً إلى اتفاقية الدفاع العربي المشترك.. الحرب الرابعة في الخليج.. كانت تلك بعض مانشيتات صحف أمس الجمعة 27 مارس/آذار، غير أن العنوان الأبرز كان ذلك الذي تصدر «الوطن» مختزلاً مصر في شخص الرئيس: السيسي لـ«الجيش»: أضرب. وقد انفردت الصحيفة بتصريحات منسوبة للرئيس اليمني المخلوع علي عبد الله صالح من قلب المعركة قال خلالها: لم أتآمر مع الحوثيين ولن نقاتل مصر والسعودية. ولأن الحرب منذ أن عرفها الإنسان حبلى بالمفاجآت، يضع بعض المراقبين أياديهم على قلوبهم خشية أن تعيد الأيام سيرتها الأولى، حينما تعرض المصريون لخسائر كبيرة في الأرواح، حينما أرسل عبد الناصر الجيش لحرب لا ناقة لشعبه فيها ولا جمل، على حد رأي خصومه. ومن المفارقات أن مصر المنقسمة على نفسها منذ إجلاء الإخوان عن سدة السلطة، وجد أهلها من يوحدهم، ألا وهو «الحرب في اليمن». فقد أعلن كلا الطرفين تأييدهما لها جملة وتفصيلا، لكن ولأن جرح الإخوان المسلمين ومن والاهم لازال ينزف بغزارة، فقد استثمروا قرار الحرب التي تهدف لاستعادة الشرعية لليمن للتذكير بحكمهم المسلوب. وفي هذا السياق هاجم عدد من الكتاب والمنتمين للجماعة، وكذلك عدد من أنصار الشيعة، الجامعة العربية والمملكة السعودية. في المقابل استخدمت معظم الصحف أمس خطاباً تعبوياً نحو الحرب، يعيد زمن صحف ستينيات القرن الماضي، في محاولة منها حينما كانت تصف زعيم ثوة يوليو/تموز بالقائد الملهم، الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه. الدور نفسه يجري تسويقه الآن مع الرئيس السيسي. وبعيداً عن أجواء الحرب حملت الصحف أنباء تبرم الناس من انقطاع الكهرباء وارتفاع الأسعار، كل ذلك بالطبع عبر صحف لازال بعض كتابها يحرصون على أن تكون بينهم وبين النظام مسافة، كي لايكتووا بجحيم السلطة. أما غالبية الصحف التي تربت في أحضان العرش فهي ماضية في قراءة ديوان الغزل للنهاية وإلى التفاصيل:
إذا لم تستحوا فافعلوا ما شئتم
البداية مع أحد خصوم النظام المحسوبين على خندق الإخوان ممدوح الولي، نقيب الصحافيين الأسبق، الذي وجه سؤالا للدول المشاركة في عملية «عاصفة الحزم» العسكرية في اليمن، حول سر عدم دعمهم لـ»الشرعية» في مصر؟ قال الولي في «الشعب»: «إذا لم تستح فقل ما شئت، حيث قال أمين عام الجامعة العربية، إن عملية عاصفة الحزم في اليمن، جاءت استجابة لطلب رئيس الجمهورية اليمنية الذي يمثل الشرعية، وإنها تستند إلى ميثاق الجامعة العربية. وأضاف معقباً على قول وزير الخارجية المصري: موقفنا من الأزمة اليمنية، هو رفض القفز على الشرعية، وفرض سياسة الأمر الواقع بالقوة، لذا دعمنا أكيد لمؤسسات ورموز الدولة الشرعية. وتابع السؤال لجميع الدول العربية المشاركة في عملية عاصف الحزم، وماذا عن الانقلاب العسكري على الشرعية في مصر؟ وسجن الرئيس الشرعي، وحل الحزب الحاكم ومجلس الشورى المنتخب. وإهدار نتائج عدة انتخابات شعبية، واعتقال الآلاف من مؤيدي الحكم الشرعي، وارتكاب المجازر الوحشية المتكررة للمدافعين عن الشرعية، ألا لعنة الله على الظالمين».
الصلح بين اليمنيين أولى من الحرب
ونبقى مع الرافضين للحرب، حيث أفتى الدكتور أحمد كريمة، أستاذ الفقه المقارن في جامعة الأزهر بعدم جواز التدخل العسكري في اليمن، بعد أن قادت السعودية تحالفًا عربيًا للتصدي لانقلاب الحوثيين ضد حكم الرئيس عبدربه منصور هادي. وقال في تصريح جريدة «المصريون»، إن الأصل في الإسلام إذا حدث صراع بين فئتين الإصلاح بينهما، وبخصوص التدخل العسكري ومقاتلة الفئة التي تبغي، مرهون بوجود جيش إسلامي واحد، وطالما لا يوجد هذا الجيش فيمنع شرعا تدخل الدول العربية أو الإسلامية العسكري. كريمة، الذي سبق وأحيل إلى التحقيق على خلفية زيارته إلى الحوزات الشيعية في إيران، قال في التصريح الصحافي إنه لا يتحدث عن الأطر السياسية، فهو لا شأن له بها ولا يتخطى حدود تخصصه في الشريعة، مؤكدا أنه شرعا يمنع التدخل العسكري، سواء في اليمن أو العراق أو سوريا أو ليبيا. وأضاف أنه في حالة عدم وجود جيش إسلامي موحد، فإن الإصلاح بين المتحاربين أولى، وإن لم يجدِ فعلى باقي الدول الحياد، لأن أهل كل دولة أدرى بشؤونهم، موضحا أن الكل خاسر في الصراع السني الشيعي، وفي الخلافات السياسية لا بد من «تحكيم القرآن». وأوضح كريمة أنه من المفترض أن تقوم المؤسسات السياسية في العالم العربي والإسلامي، تؤازرها المؤسسات الدينية في السعي للإصلاح، سواء كان ذلك في سوريا أو ليبيا أو العراق أو اليمن، متسائلا «لماذا لم تنشأ لجنة للحكماء في هذه المؤسسات؟ ولماذا لم تسعَ القيادات الإسلامية لرأب الصدع والتقريب بين المذاهب؟ ولماذا لم يعقد مؤتمر للدول الإسلامية لبحث تداعيات الصراع في المنطقة؟ أين الجامعة العربية ومنظمة المؤتمر الإسلامي؟».
إسرائيل المستفيدة من ضرب الحوثيين
ومن جانبه أبدى سعيد اللاوندي، خبير العلاقات الدولية في مركز الأهرام للدراسات الاستراتيجية، رفضه للضربة العسكرية العربية للمناطق التي سيطر عليها الحوثيون في اليمن، معتبرًا تلك الضربة فخًا نصب للجيوش العربية، قائلا: «لقد وقعنا في الفخ». وأضاف اللاوندي لـ«المصريون»، أن الضربة التي قامت بها بعض الدول العربية لضرب الحوثيين في اليمن والمعروفة باسم «عاصفة الحزم»، المستفيد الوحيد منها هو إسرائيل وأمريكا، وهما الدولتان الوحيدتان اللتان تجنيان حصاد هذه الضربة، من خلال بيع الأسلحة للعرب، ومن خلال ذلك تعملان على بناء اقتصاد بلاديهما، في الوقت نفسه الذي تحتاج فيه كل دولة عربية إلى مساندة. وأكد اللاوندي، أن حل مشكلة اليمن يكمن في اللجوء إلى الحل السياسي، من خلال اجتماع كل الدول العربية، حتى لا يقع اليمن في مشكلة سوريا نفسها ومن ثم الدخول في احتلال أجنبي».
إلى اين ستذهب الحرب؟
هل يمكن أن يطول أمد الحرب، فتتحول إلى حرب استنزاف، تشارك فيها أطراف إقليمية ودولية؟ من الواضح كما يقول مصطفى بكري في «الوطن»: «أن أحداً لا يستطيع أن يتنبأ بمسار الحرب وفترتها الزمنية، إلا أن الرهان الحقيقي هو على الشعب اليمني والقوات التي لا تزال تدين بالولاء للشرعية داخل اليمن. صحيح أن كثيراً من هذه القوى، سواء العسكرية أو القبلية، قد تحركت باتجاه الحسم الإيجابي وحررت عدداً من القواعد والمطارات التي استولى عليها الحوثيون، إلا أنه من المبكر القول إن الضربات الجوية المركزة والحصار البحري الذي يستهدف منع أي دعم لوجيستي إيراني للحوثيين يمكن أن تحسم المعركة لصالح الشرعية.
ويرى بكري أنه من الممكن أن تجد السعودية ومعها دول أخرى نفسها أمام خيار واحد ووحيد وهو التدخل العسكري البري، إلا أنه ورغم مخاطر هذا التدخل في مناطق جبلية وعرة، فإنه سيكون الخيار الأخير، الذي لا بديل عنه، ولذلك حشدت السعودية 150 ألف ضابط وجندي بدأوا عمليات الزحف باتجاه الحدود. ويعزز من ذلك أن مصر أكدت دعمها ومشاركتها في ائتلاف الدول الداعمة للحكومة الشرعية في اليمن، وإجراءها التنسيق مع المملكة ودول الخليج بشأن ترتيبات المشاركة بقوة جوية وبحرية مصرية، وقوة برية إذا ما لزم الأمر. ويؤكد مصطفى أن السعودية، كما هي مصر وغيرهما، حريصة على عدم التورط في المستنقع اليمني، ولكن ربما لن تجد أمامها من خيار يحسم الأمر سريعاً سوى التدخل البري، إذا ما استدعت الضرورة ذلك. ووفقاً للمعطيات الراهنة، فإن القيادة المصرية حريصة بالدرجة نفسها على عدم التورط عسكرياً في اليمن، حتى إن استدعت تطورات الأوضاع هذا التدخل. ويرى الكاتب أن القيادة الإيرانية لن تغامر وتزج بقواتها في اليمن لتدخل حرباً قد تكلفها الكثير».
لهذا السبب العاهل السعودي
غاضب من السيسي
لا يمكن بأي حال ونحن نرصد أهم ماجاءت به صحف الجمعة أن نتجاهل ذلك التقرير الذي انفردت به «الشعب»، وبحسب مصدر سعودي مطلع، لم تسمه، أكد أن السعودية ودول الخليج لم تبلغ مصر بأمر الحرب على اليمن والعملية العسكرية «عاصفة الحزم»، حيث علم النظام المصري بها عند إعلان الملك سلمان بن عبد العزيز وصدور البيان الخليجي إلى العلن. وبحسب «الشعب» فإن ذلك يجيب على التساؤل: لماذا تأخر الموقف المصري، ولماذا لم تشارك مصر في العمليات، بل ظل بيان الحوثيين خبراً رئيسياً على موقع وكالة أنباء سبأ حتى صباح الخميس، وهو البيان الذي يرحب بالموقف المصري المعارض للحرب في اليمن، والمؤيد ضمنياً لإيران. أما عن سبب تجنب دول الخليج إبلاغ مصر، وكذلك الأردن، فذلك مرده خشية اكتشاف العلاقات السرية التي تربط مصر بشكل رئيسي والأردن أيضاً بإيران، واللقاءات السرية التي انعقدت مؤخراً، حيث بدا أن كلاً من مصر والأردن يريدان الارتماء في أحضان الطرف القوي في المنطقة، بعد أن شاهدوا أن ايران تتوسع وتتمدد ودول الخليج تقف صامتة مما يجري، سواء في العراق أو في اليمن.
وبحسب المصدر فإن الملك سلمان بن عبد العزيز اسشتاط غضباً قبل أيام عندما علم بأن السيسي قام بتمرير شحنة أسلحة روسية إلى نظام بشار الأسد، إضافة إلى الموقف من التدخل العسكري في اليمن، الذي كان واضحاً بأنه مغازلة للحوثيين، فضلاً عن أن السيسي كان قد بدأ عهده في الرئاسة بتحسين العلاقات مع روسيا، الحليف التقليدي والتاريخي لإيران وسوريا، ويؤكد المصدر أن التقديرات لدى المملكة العربية السعودية وأجهزة استخباراتها تشير إلى أن السيسي يقيم علاقات سرية قوية مع إيران، ويطمع في الحصول على دعم منها».
نظام غير شرعي يدافع عن آخر شرعي
وليس ببعيد عن الحرب في اليمن يتساءل رضا حمودة، كيف لنظام الحكم الراهن الذي عزل الرئيس مرسي أن ينتفض للدفاع عن نظام شرعي: «نظام السيسي المنقلب على الشرعية السياسية والدستورية على أول رئيس منتخب يناقض نفسه، ويكشف قبحه بحديثه المستفز عن الشرعية في كلٍ من ليبيا واليمن، لاسيما بعد استخفافه الدائم وتهكمه المستمر عبر أذرعه الإعلامية من كلمة «الشرعية» شكلاً ومضموناً، عندما يتعلق الأمر بما حدث في مصر في أعقاب الثلاثين من يونيو/حزيران عام 2013، وما تبعه من انقلاب عسكري في الثالث من يوليو/تموز مكتمل الأركان ومستوف للشروط العلمية لكتالوج «الانقلابات العسكرية». ويرى حمودة في «الشعب»، أن الحديث الدائم عن»الشرعيات» صار حديثاُ مبتذلاً وبلا طعم. نظام انقلابي بالأساس على رأسه ألف بطحة تطعن في شرعيته وكأنه يريد أن يضحك على العالم مستخفاً بعقول البشر، تغطيةً على انقلابه، بالحديث عن انقلاب الآخرين على شرعية شعب وهمي، لا يوجد إلاّ في مخيلته على طريقة أغنية «انتوا شعب وإحنا شعب»، التي قسّمت الشعب المصري إلى نصفين، أحدهما خائن وإرهابي، والآخر هو شعب السيسي العسكري المختار! ذلك أن الشرعية التي يقف نظام السيسي معها ويدعمها ما هي إلاّ شرعية خادعة لا تمثل الشعب الليبي أو اليمني بحالٍ من الأحوال.
في الوقت الذي أعلنت فيه مصر الانقلابية مساندتها ودعمها الحكومة الشرعية في طبرق (وهي الحكومة التي أصدرت المحكمة الدستورية العليا في ليبيا) حكماً باتاً بحلها في 7 نوفمبر/تشرين الثاني من العام الماضي، مع بطلان الانتخابات التشريعية وكل الاجراءات والقرارات المترتبة على برلمان طبرق المنبثق عنها، ما برحت تصدع رؤوسنا بضرورة تقديس أحكام القضاء «الشامخ»، لاسيما المحكمة الدستورية، أعلى محكمة في البلاد وبما تمثله من رمزية القضاء المستقل في أي بلد حر. والمثير هو تطلع مصر إلى دولة ليبية موحدة وقوية، كما قال رئيس مجلس الوزراء الانقلابي إبراهيم محلب، داعياً جميع الطوائف الليبية إلى نبذ الخلافات وإعلاء المصلحة».
مطلوب من القمة أن تردع إيران
على العرب أن يبعثوا عبر قمتهم العربية برسالة واضحة لا لبس فيها إلى إيران، خلاصتها «أنتم جيراننا وأخوتنا في الدين والإنسانية.. أهلا وسهلا بكم إذا احترمتم قواعد الجيرة ومبادئ الدين، لكن إذا تصرفتم باعتباركم قوة استعمارية تريد الهيمنة وفرض (فرسنة المنطقة)، فلن نسمح لكم».. جزء من الرسالة العربية على حد رأي عماد الدين حسين في «الشروق»، الذي وصل إلى إيران في منتصف ليل الأربعاء ـ الخميس، حينما أغارت المقاتلات العربية على قواعد ومواقع للميليشيات الحوثية في عدة مناطق في اليمن، لكن بقية الرسالة ينبغي أن تكون واضحة وعاجلة. ويشي عماد بأنه من الواضح أن ما دار من مفاوضات بين أمريكا وإيران بشأن الصفقة النووية، أغرى طهران بالتمدد في المنطقة، والحصول على ما اعتبرته كعكة ينبغي التهامها فورا والتطلع للمزيد. من الواضح أيضا كما يقول الكاتب، إن الخدمة المجانية التي قدمتها تنظيمات «القاعدة» و»داعش» و»النصرة» وسائر التنظيمات السنية المتطرفة إلى إيران. كل هذه التنظيمات تعتقد أنها تتصدى للتطرف الشيعي، لكن من المفارقات أن إيران لعبت بكل هذه الحركات وطوعتها لخدمتها.. إيران هيمنت على سوريا والعراق ولبنان واليمن، ويبدو أنها كانت تستعد للهيمنة على كل الجزيرة العربية. ويؤكد عماد: الرسالة التي يفترض أن تخرج من القمة العربية في شرم الشيخ إلى إيران هي أن العرب لن يسمحوا بتنصيب دمية إيرانية في صنعاء أو عدن، حتى لو تخفت في ثياب علي عبدالله صالح، الذي باع بلاده والمنطقة من أجل الكرسي والعودة للانتقام. الرسالة العربية لطهران يجب أن تكون واضحة، وهي أنهم لا يختلفون مع إيران الشيعية، بل مع إيران وطموحاتها الفارسية ضد المنطقة. على العرب أن يُذكـِّروا إيران بأنه لا فارق عمليا بين إيران الشاهنشاية وإيران الخمينية، كلتاهما تريد الهيمنة.. الأولى باسم الإمبراطورية، والثانية باسم الإسلام».
صالح ديكتاتور إيراني الهوى
ونصل بالمعارك الصحافية إلى الرئيس اليمني المخلوع علي عبد الله صالح، الذي يهاجمه في «اليوم السابع» سعيد الشحات: «للديكتاتور أكثر من وجه، ليس من بينها وجه واحد في حب الشعب، علي عبدالله صالح نموذج في ذلك طوال فترة حكمه التي استمرت 33 عاما، بدأت من 1978، وسلم السلطة بعد ثورة الشعب اليمني ضده بمبادرة خليجية عام 2011، ورغم ذلك ظل لاعبا رئيسيا في كل أحداث اليمن، فماذا عن اللغز الذي يحمله هذا الرجل في عموم المشهد اليمني؟ هو الآن في حلف واحد مع الحوثيين بمساندة من إيران، رغم شدة العداء بينهما أثناء فترة حكمه، أي أن خصم الأمس، كما يقول الشحات، أصبح حليف اليوم، وهذا مسار جديد يتناقض مع مساراته السابقة التي ظلت تحت النفوذ السعودي، هو مثلا تعرض لمحاولة اغتيال في القصر الرئاسي يوم 13 يونيو/حزيران 2011، أصيب على أثرها بحروق بالغة فتوجه إلى السعودية للعلاج، وبين فترة وأخرى ظل يتردد على السعودية لإجراء فحص طبية. تم خلعه من الحكم برعاية سعودية، واشتملت المبادرة التي تم خلعه بمقتضاها على تحصينه قانونيا بعدم ملاحقته قضائيا، واحتفظ أولاده بنفوذهم، وبهذا الوضع كان هو الحاكم الرابح من بين الحكام الذين ثارت شعوبهم ضدهم، في ما سمي بـ«الربيع العربي»، وإذا كان هناك من فضل لأحد عليه في ذلك تكون السعودية هي صاحبة هذا الفضل، فحمايته بغطاء إقليمي توافق مع حمايته بغطاء داخلي من أنصاره، وفي معادلة الواقع اليمني هناك حقيقة تتمثل في «الداخل يحميه الخارج»، وكلاهما لا يعيشان بمعزل عن بعضهما. انتقل علي عبدالله صالح مما يمكن تسميته بـ«الحالة السعودية» إلى «الحالة الإيرانية»، أصبح إيرانيا بحكم تحالفه مع الحوثيين، فلماذا حدث ذلك؟».
بمناسبة ضبط قاتل شيماء…
مَنْ قتل الإسلاميين؟
وننطلق لتداعيات تصريحات المتحدث باسم الطب الشرعي المعزول هشام عبد الحميد، في مقابلة تلفزيونية، إن شيماء الصباغ أصيبت بطلقات خرطوش أدت إلى وفاتها لأنها «نحيفة للغاية». أضاف «وفقا للعلم لم يكن يفترض أن تموت شيماء من الطلقات التي أصابتها». وتساءل: «لماذا ماتت؟». ويجيب: «لأن جسمها جلد على عظم وكانت نحيفة للغاية ولم يكن في جسمها أي نسبة دهون.. أربع أو خمس طلقات خرطوش اخترقت القلب والرئتين (نتيجة نحافتها) ما أدى إلى وفاتها». ويصف محمود سلطان في «المصريون» تلك التصريحات بـ«الفضيحة». مؤكداً انها أثارت غضبًا عامًا، وسارعت مصلحة الطب الشرعي بإقالته.. ويضيف الكاتب: لكن المشكلة في أن الرجل لم يكن يتحدث من تلقاء نفسه.. بل إنه كان ينقل فحوى تقرير الطب الشرعي، بشأن مقتل الصباغ.. وإقالته لم تكن لأنه «ألف» تقريرًا من عنده، وإنما بحسب سلطان لأنه كشف عن التقرير الأصلي. عبد الحميد أوضح للصحافيين أسباب إقالته قائلا: إنه أعفي من منصبه لأنه «متهم بإجراء مقابلة تلفزيونية من دون الحصول على تصريح»! ويعقب الكاتب على ما سبق بقوله: يعني التقرير صحيح وأنه أقيل فقط لعدم حصوله على تصريح للظهور على الفضائيات. هذا نموذج في ما يتعلق بمقتل ناشطة يسارية مؤيدة لـ 30 يونيو/حزيران.. ويتساءل محمود: ما عسانا نتوقع من تقارير الطب الشرعي بشأن مقتل المئات من المعارضين الإسلاميين؟».
مقارنة بين زيارتي السادات والسيسي
وفي «المصري العربية» عقد الكاتب محمد البطاوي مقارنة بين زيارة السادات لإسرائيل وزيارة السيسي لإثيوبيا: «ارتبطت الزيارتان والاتفاقيتان، زمن السادات والسيسي، في أذهان المصريين بالسلام وتوقف طبول الحرب، بحسب المؤيدين، أو الاستسلام وإلقاء السلاح في مواجهة العدو والتخلي عن الحقوق بحسب المعارضين، الذين رددوا كلمات الرئيس المعزول محمد مرسي الذي طالما كرر مقولته الشهيرة: «إن نقصت مياه النيل.. فدماؤنا هي البديل». فالكلمات التي استخدمها المؤيدون للاتفاقيتين واحدة، وتأتي في صدارتها «السلام»، وكذلك الكلمات التي استخدمها المنتقدون أيضا واحدة، وهي «الاستسلام» و»التخلي عن الحقوق» وإهدارها.غير أنه من أوجه الاختلاف بين الزيارتين، مراسم الاستقبال، ففي مساء السبت 19 نوفمبر/تشرين الثاني 1977، أغلقت سلطات الاحتلال الصهيوني مطار اللد (بن غوريون) أمام الطائرات المدنية، وقامت طائرات الهليكوبتر بدوريات فوق المنافذ المؤدية إلى المطار، وكانت تدابير الأمن، كما وصفها الصحافيون، بأنها الأولى من نوعها في تاريخ الدولة اليهودية. كما كان في استقبال السادات كل من الرئيس الصهيوني كاتزير ورئيس الوزراء مناحيم بيغن، بحضور 75 زعيما إسرائيليا، بينهم أرييل شارون، وبصعوبة بالغة وصل السادات إلى السيارة المصفحة بعد نصف ساعة من الاستقبال الحافل في المطار، ورافق الرئيس الإسرائيلي كاتزير الرئيس المصري أنور السادات إلى جناحه الخاص في فندق الملك داود، وانضم إليهما في ما بعد كل من بيغن ودايان.
استقبال السيسي كان مختلفا، فالرئيس الإثيوبي الدكتور مولاتو تشومي غاب عن مراسم الاستقبال، واكتفى بإرسال رئيس الوزراء هيلا ماريام ديسالين، كما كانت في استقباله، فرقة فنون شعبية إثيوبية قدمت عددا من عروض الفلكلور التي تحكي التراث الإثيوبي، وقدمت طفلتان باقتين من الورود للرئيس السيسي ورئيس الوزراء الإثيوبي.
كما انقطعت الكهرباء مرتين في الفندق الذي يقيم فيه السيسي خلال فترة إقامته التي استمرت يومين، وكذلك تسبب الانقطاع المفاجئ للكهرباء عن فنادق وفد الإعلاميين المصريين المرافقين للسيسي في انقطاع بث القنوات المصرية التي كان مقدموها يقدمون فقرة من أديس أبابا. ويعد كذلك من مظاهر الاختلاف بين الخطابين أمام البرلمانين، منطق القوة الذي تحدث به السادات الذي خرج منتصرا من حرب 6 أكتوبر/تشرين الأول 1973، وبالتالي جاءت كلماته حازمة ولهجته واضحة. وبخلاف المفاوضات اللاحقة في كامب ديفيد فإنه يمكن القول بوضوح إن خطاب السادات كان خطاب النصر لزعيم عسكري حقق نصرا غير مباغت وغير متوقع، وأمام الخطاب الناري غير المتوقع، جاء خطاب رئيس الوزراء الصهيوني مناحيم بيغن مرتجلا ومرتبكا وباهتا، مقارنة بخطاب السادات الذي استقبل أهالي قتلى وأسرى الجنود الصهاينة كلماته بالبكاء والدموع.
خطاب السيسي حظي بالتصفيق من قبل النواب الإثيوبيين، وتعمد فيها أن يكرر إطراء إثيوبيا أكثر من مرة، ولو على حساب مصر أو عدد من الدول الأفريقية الأخرى، فوصفها بأنها «بيت الشعب الأفريقي»، وأن مصر وإثيوبيا هما القطبان الرئيسيان في القارة، متجاهلا بذلك دولا لها ثقلها في أفريقيا كجنوب أفريقيا».
الرئاسة تجامل الإمارتيين على حساب عطش المصريين
ما هي بنود تلك المُعاهدة، وكيف لا يطلع عليها الشعب قبل التوقيع عليها، وهل أصبحنا رهينة لسياسات وأفكار الرئيس، التي لا نعرف عنها شيئا ؟ أسئلة غاية في الأهمية يطرحها محمد ابراهيم في «مصر العربية» أيضا يقول: «بشكل أولي تلك المعاهدة الجديدة هي معاهدة عامة أقرت لأول مرة بمشروعية بناء سد النهضة، بعدما تعطل تمويل المنظمات الدولية لبناء ذلك السد لتناقضه مع معاهدات دولية سابقة، لكن بتوقيع السيسي باسم مصر على تلك المعاهدة يُتيح للمرة الأولى وبشكل قانوني تمويل تلك المنظمات لذلك السد، من دون حتى توضيح من النظام للشعب عن أسباب التغير في الموقف الرسمي والإعلامي، الذي صوَّر وفق رأى الكاتب للناس أن السد هو تعد صارخ على حقوق مصر المائية، بما يهدد حياة الإنسان ويعرضها للخطر، ثم ترحيبهم ببنائه من دون تحفظ ومن دون ضمانات جديدة واضحة. دول الخليج لاعب مُهم في المنطقة، ولاعب مهم في تحديد سياسات مصر. مُؤخرا وقُبيل 30 يونيو/حزيران أصبح من الواضح أن بعض دول الخليج باءت بمكانة اللاعب الأول في الداخل المصري، فكان لها دور مهم وغير خفي في إبعاد مرسي عن سدة الحكم، وفي دفع النظام إلى ما صار إليه. ويُشاع من ضمن ما يُشاع في ظل ضبابية مُسيطرة، أن بعض دول الخليج من ضمن ممولي سد النهضة، وأن الاتفاق يشمل إمدادا لاحقا لهم بالكهرباء، التي من المخطط أن تزيد عن حاجة دولة إثيوبيا بأضعاف عدة، فهل بذلك نتوقع أن السيسي تعجل في إبرام مثل ذلك الاتفاق المثير للريبة، إرضاءً لبعض دول الخليج، ضمن علاقات شائكة ومتداخلة تميز بها النظام الحالي معهم وذاع صيتها بشكل مبالغ فيه؟ يضيف الكاتب وإن كانت تلك التخمينات خاطئة، فما الذي دفع السيسي للتعجل بإبرام ذلك الاتفاق من دون مشاركة أحد أو انتظار لمجلس نواب؟».
إحالة عبد العزيز للصلاحية… يالها من فضيحة!
أن يتهم رجل بحجم وقامة المستشار زكريا عبدالعزيز بشكاية مجرمة، ويبلغوا عنه في مشهد عبثى بامتياز، وأن ينساق وراء شكايتهم المحترم وزير العدل ويحيل زميله إلى مجلس الصلاحية والتأديب، هذه قمة المأساة كما يقول حمدي رزق في «المصري اليوم» متابعاً: «قرار وزير العدل لم يجانبه الصواب فقط، بل وراكبه الغلط من ساسه لراسه.. من ذا الذي يقلب الدفاتر القديمة، يقول لك يا سيدي، إن المستشار زكريا شارك في اقتحام أمن الدولة أيام ثورة 25 يناير/كانون الثاني 2011، إديني عقلك.. مستشار في قامة زكريا عبدالعزيز يقتحم، والشهود، ربنا ما يوريك، ومطلوب من المستشار أن يدافع عن فعل وطني بامتياز، منع الرجل ما استطاع، وأمام شهود حرق أمن الدولة في مدينة نصر يوم اقتحمه المخربون، الآية مقلوبة، ومن قلبها هم المخربون، مثلاً كانوا هناك لزيارة المبنى المخيف، ما هذا التخريف؟ ويواصل رزق دفاعه عن عبد العزيز: من ذا الذي يصر على اتهام الشرفاء بما ليس فيهم؟.. من ذا الذي يحمل كل هذا الثأر والحقد للذين آمنوا بحق الشعب في الحياة الحرة الكريمة؟.. حصّلت المستشار زكريا عبدالعزيز، لم نر من الرجل سوى احترام لثورة 30 يونيو، لم يقرب منصة رابعة، ولا قال في ثورة المصريين ما قاله الإخوان، ولا دعم المعزول، الرجل كافي خيره شره، دوره بعد ثورة يناير انتهى، وعاد إلى المنصة يحكم بين الناس بالعدل، حتى لم نعد نراه متجولاً في وسط البلد، كما هي عادته.. ويتساءل الكاتب من ذا الذي يُكسِب النظام أعداء كل صباح؟ المشاركة في ثورة 30 يونيو لا تعطي لأحد الحق في قصف الرقاب».
مصر إيه من غير النيل
نجحت زيارة الرئيس السيسي في توصيل رسالتين للرئيس الإثيوبي وفق رأي خالد جبر في «الاخبار»: السيسي قال لديسالين: «خلي بالك أنت هتطور.. وتنمي وأنا معك، لكن في مصر شعب يعيش فقط على الميه.. الميه اللي بتيجي من هذا النهر، النهر ده، والمية دي بتيجي بأمر من الله من آلاف السنين، تنزل في إثيوبيا صحيح، لكن تيجي لمصر، عشان الناس تعيش فيها وتقوم فيها حضارة». وقال «إذا كان يمثل النيل وسد النهضة لإثيوبيا مصدرا للتنمية، فالنيل بالنسبة لمصر مصدر للمياه بل للحياة.. أدعوكم لنحلم معا بالخير والرخاء لنترك لشعوبنا إرثا من المحبة والتعاون». وأضاف: «معندناش أبدا أي تحفظ على تنمية الشعب الإثيوبي ونتمنى لكم كل الخير.. إننا، ممكن نتعاون ونعمل حاجات عظيمة جدا جدا، وممكن نختلف، وممكن نؤذي في بعضنا جدا جدا، إحنا اخترنا التعاون والبناء والتنمية». المهمة كانت صعبة ولكنها نجحت في ردم هوة الصراع مع إثيوبيا وبناء جسور الثقة معها. الاتفاق خطوة على الطريق بالتأكيد ستتلوها خطوات أخرى نحن في انتظارها.
أما عن المهمة في شرم الشيخ فهي من وجهة نظر الكاتب مهمة عظيمة وتاريخية بكل الحسابات.. فهموم الأمة العربية ثقيلة من يومها.. تحملتها زعامات عظيمة عديدة، لكنهم رحلوا ولم تحل أي من القضايا والأزمات، وها هي القضايا تكثر والأزمات تتوالى وتتعقد أيضا.. يتابع خالد: تعقد القمة العربية غدا في ظروف بالغة القسوة على الأمة العربية، لكن أمام القادة العرب الذين تستضيفهم شرم الشيخ ملفات شائكة ومعقدة، ففي كل بلد عربي أزمة وفي بعضها أزمات خطيرة وحروب أهلية وانقسامات، بل أن بعضها انقسم فعلا والبعض في الطريق».
حسام عبد البصير