في «قصر العيني» الجميع يعاني… أطباء بلا حقوق… ومرضى تستباح كرامتهم… وعاملات يقمن بدور الممرضات

حسام عبد البصير
حجم الخط
0

القاهرة ـ «القدس العربي»: أولويات ثلاث سعت صحف أمس الاثنين 10 أبريل/نيسان للتعامل معها بمنطق بث الأمل في ملايين القلوب التي اكتوت بنار الغلاء وأحاط بها اليأس من أي تحسن في الأوضاع خلال المستقبل القريب، سعت هذه الصحف للتبشير بقرب سقوط الدولار من فوق عرشه، دون أي ذكر لحال الجنيه الذي يتلقى الضربات على يد معظم العملات. كما اهتم كتاب بإلقاء الضوء على التاريخ المجيد للعلاقات المصرية السودانية في محاولة لمحاصرة الفتنة التي خيمت مؤخرا بسبب مباراة كروية، واحتفت الصحف بتقرير متلفز بشأن العلاقات بين الشعبين، ونقلت “الأهرام”: «تاريخ حافل من التضامن والمصالح المتبادلة بين شعبي وادي النيل في مصر والسودان، تاريخ يعززه حاضر يشهد تأكيد القاهرة الدائم على علاقات الأخوة والتكامل مع الخرطوم». وأضاف: «السودان ذو الهوية العربية وكذا الافريقية كان دائما ذا أولوية في سياسة مصر على مختلف الأصعدة، خاصة عقب ثورة الثلاثين من يونيو/حزيران 2013». وتابع: «فعلى الصعيد الاقتصادي شهدت العلاقات بين البلدين عدة خطوات ترجمت الرغبة الحقيقية لدى القاهرة والخرطوم في المضي نحو التكامل الاقتصادي، حيث تم افتتاح ميناء قسطل البري بين البلدين، الذي ضم مكاتب إدارية للوصول والسفر لتسهيل حركة الأشخاص، بالإضافة إلى مناطق خدمات جمركية ومخازن وحجر بيطري وساحات انتظار للسيارات والشاحنات، الأمر الذي ساهم في زيادة حجم التبادل التجاري بين القاهرة والخرطوم». واستطرد: «منفذ أرقين الحدودي كان كذلك إضافة للعمل من ميناء أسوان النهري، الذي تتبادل منه مصر التجارة مع ميناء حلفا السوداني، لتتكامل وسائل النقل للتجارة البينية بين مصر والسودان، وجميع دول افريقيا، بما يدعم اقتصاد البلدين». وأوضح: «وفي إطار تنفيذ وثيقة الشراكة الاستراتيجية، والتي تم التوقيع عليها بين البلدين في عام 2016 عمل البلدان على اتخاذ كل الخطوات لتفعيل المشروعات الاستراتيجية الكبرى بين البلدين، وهو إرث تاريخي وحضاري يجمع كلا الشعبين مع بعضهما بعضا»..
وسيطرت الاستعدادات لعيد الفطر، على اهتمات الصحف حيث أعلنت وزارة التموين طرح كميات من كعك العيد بأسعار أقل من مثيلاتها.. ومن أخبار مؤسسة الرئاسة: احتفت الصحف بالزيارة التي قام بها الرئيس السيسي لقسم شرطة مدينة نصر، حيث حيث قال في تدوينة عبر مواقع التواصل الاجتماعي، “سعدت اليوم بزيارتي لقسم أول مدينة نصر وشعرت بفخر واعتزاز بما رأيته من انضباط والتزام من ضباط وأفراد القسم”.. ومن أخبار المؤسسة الدينية: أكد الدكتور مختار جمعة وزير الأوقاف أن إقامة مؤتمر الأوقاف الدولي الرابع والثلاثين تحت عنوان: «الفضاء الإلكتروني والوسائل العصرية للخطاب الديني.. بين الاستخدام الرشيد والخروج عن الجادة»، خلال الفترة من 9 إلى 10 سبتمبر/أيلول 2023، في إطار اهتمام وزارة الأوقاف المصرية بالفضاء الإلكتروني وإعلانها عام 2023 عاما للدعوة الإلكترونية. وأشار جمعة إلى أن أعمال هذا المؤتمر وبحوثه تمثل نقلة نوعية في مجال الدعوة الإلكترونية، وحسن استخدام الفضاء الإلكتروني في مجال نشر القيم الدينية والأخلاقية والإنسانية الراقية النبيلة، والإسهام في تحقيق السلام الإنساني والعالمي، ونشر روح التسامح وفقه العيش المشترك.
خيبة أمل

حقائق صادمة قرر الدكتور مصطفى كامل السيد أن يصارح بها جمهوره في “الشروق”: أصارح العزيزات والأعزاء من قراء هذه الصفحة بأن تدريسي للأوضاع السياسية في الشرق الأوسط كان سهلا جدا في الماضي القريب. كانت خريطة القوى الإقليمية واضحة ومستقرة. كان الوطن العربي هو قلب التفاعلات في الشرق الأوسط، وكانت الدول غير العربية في هذا الإقليم مثل إيران وتركيا وإسرائيل تقف متفرجة على ما يجري فيه، وعندما كانت التحولات في نظم الحكم في بعض دوله، أو بعض سياساتها تنذر بتهديد مصالح هذه الدول الثلاث، كانت تلجأ للولايات المتحدة لتوقف مثل هذه التحولات، أو لاحتواء آثارها. وهكذا تدخلت الولايات المتحدة لإعادة حكم الشاه في إيران في سنة 1953 بعد أن أممت حكومة مصدق شركات البترول العاملة فيها، ومارست الضغوط على بريطانيا وفرنسا وإسرائيل لوقف هجومها على مصر في 1956 الذى كان يهدد بتوسع الوجود السوفييتي في الإقليم، وعادت الولايات المتحدة ومعها بريطانيا للتدخل العسكرى في لبنان والأردن في 1958 للحيلولة دون سقوط حكومتين مواليتين للولايات المتحدة وللغرب في هذين البلدين. وكانت القوى الإقليمية الفاعلة في الشرق الأوسط معروفة ومستقرة، مصر والسعودية هما قطبا ما سمى في الخمسينيات والستينيات في القرن الماضي بالحرب الباردة العربية، وساندت السعودية مصر وسوريا في حرب أكتوبر/تشرين الأول 1973، وبعد إبرام الحكومة المصرية معاهدة سلام مع إسرائيل في مارس/آذار 1979، سعى صدام حسين في العراق ليكون قائد الأمة العربية، خلفا لمصر التي تخلت عن دور الزعامة تدريجيا بعد رحيل جمال عبدالناصر في سبتمبر/أيلول 1970. القوى الإقليمية كانت معروفة، والقوى الخارجية صاحبة النفوذ الأكبر في الشرق الأوسط كانت معروفة بدورها. في ظل هذه الظروف كان تدريس مقرر عن الأوضاع السياسية في الشرق الأوسط لا يمثل اجتهادا كبيرا، بل لم يكن من الصعب التنبؤ بمستقبل الأوضاع في الإقليم، فقد كان الأكثر استقرارا في العالم، مقارنة بافريقيا جنوب الصحراء، أو أمريكا اللاتينية أو حتى جنوب وجنوب شرق آسيا. لم يعد هذا هو الحال منذ أحداث ثورات الكرامة العربية في شتاء 2011، لم تعد دول الجوار الآسيوية والافريقية تقف موقف المتفرج مما يجرى في الوطن العربى، فلكل من إيران وتركيا وجود عسكري في أكثر من دولة عربية، ونفوذ واسع في دول عربية أخرى.

الزعيمة سابقا

واصل الدكتور مصطفى كامل السيد الكشف عن المزيد من الحقائق الصادمة: إسرائيل فوق احتلالها لأراض فلسطينية في الضفة الغربية وغزة وهضبة الجولان لا تتردد في شن الغارات، بل الحرب على أي من الدول العربية التي يرى قادتها أنها تهدد أمنها، أو يجدون في مثل هذا النشاط العسكري تعزيزا لمكانة بعضهم في الصراعات السياسية داخل إسرائيل، وهكذا كان لبنان وسوريا والعراق وتونس مسارح لهذه المغامرات العسكرية الإسرائيلية، ولم تجد الحكومة الإثيوبية ما يدعوها للتردد في إقامة سد على نهر النيل الأزرق وتعليته ثلاث مرات، على الرغم من الضرر الذي يلحقه ذلك بالدولتين العربيتين اللتين تعتمدان بدرجة كبيرة على تدفق المياه في ذلك النهر، وكانت إحداهما توصف بأنها زعيمة العالم العربي. وتوارت الدول العربية الأخرى التي تطلعت لقيادة العالم العربي بعد جمال عبدالناصر، واحدة منهما وهي سوريا تعاني احتلالا عسكريا معاديا من دولتين في الإقليم وهما تركيا وإسرائيل، وتستضيف احتلالا عسكريا صديقا من جانب دولة إقليمية وهي إيران، ووجودا عسكريا معاديا تقوده الولايات المتحدة مع قوات حليفة، ووجودا عسكريا صديقا من جانب روسيا، ولا تستطيع فرض نفوذها على مساحات واسعة في شمال أراضيها، بسبب وجود فصائل معادية ينتمى أفرادها إلى عشرات من الدول ربما من قارات العالم كافة، وتحظى برعاية تركية. والثانية وهي العراق لم تنجح تماما في القضاء على مثل هذه الفصائل، ولكنها تتعايش مع قوى سياسية وفصائل مسلحة تدين بالولاء لجارتها إيران، ولا تنعم حكومتها بأي استقرار، بسبب خلافات لا تهدأ ليس مع خصومها، ولكن مع حلفائها الأقربين. ولا يعني ذلك أن الوطن العربى يخلو في الوقت الحاضر من دول تتطلع للزعامة، فهناك المملكة العربية السعودية، وهناك دولة الإمارات، وكذلك دولة قطر، كلها تتطلع للزعامة خارج حدودها، ولكنها على عكس الزعامات المصرية أو السورية أو العراقية، التي كانت تتطلع لزعامة الشعوب العربية باسم القومية العربية التي تدعي أنها خير المدافعين عنها، لا تربط أي من هذه القيادات الخليجية نشاطها الخارجي بأي عقيدة سياسية، قومية عربية أو دعوة إسلامية، ولكن بالمصالح كما تراها هذه القيادات.

بفعل فاعل

أعلن محمد خراجة أمين صندوق نقابة الصحافيين ورئيس اللجنة الاقتصادية في النقابة أن مجلس النقابة في موقف لا يحسد عليه، لأن حسابات نقابة الصحافيين تم تصفيرها بنظام سياسة الأرض المحروقة، باستثناء 150 ألف جنيه فقط في صندوق مشروع العلاج! وفي بيان عنوانه “توضيح بشأن الموقف المالي لنقابة الصحافيين نقلت هيباتيا موسى في “المشهد” عن خراجة قوله: “عندما اطلعت على الموقف المالي للنقابة، بعد تسلمي مهام أمانة الصندوق، لم يكن يدر في خلدي أن تكون معظم الحسابات مُصفَّرة؛ فحساب القروض الحسنة صفر؛ بسبب منح قروض بلغت نحو 4 ملايين جنيه في شهري يناير/كانون الثاني وفبراير/شباط، على الرغم من أن المخصص شهريا نحو 500 ألف جنيه! كذلك، حساب دعم الأنشطة صفر؛ إذ أُنفِق بالكامل على مساعدات ومنح علاجية ومكافآت، وحساب دعم البطالة صفر، بعد صرف إعانة بطالة لنحو 550 صحافيا، بواقع نحو 687.5 ألف جنيه شهريا، بعد أن كان 255.5 ألف جنيه لنحو 286 صحافيا؛ أما حساب مشروع العلاج فليس فيه سوى 150 ألف جنيه! تابع خراجة: هذا يعني أن حسابات نقابة الصحفايين تم تصفيرها بنظام سياسة الأرض المحروقة، سوى 150 ألف جنيه فقط في صندوق مشروع العلاج! للأسف، كانت القروض والإعانات والمكافآت تُمنح دون رقابة لدعم بعض المرشحين في الانتخابات؛ فكانت اليد سخية للغاية في الإنفاق، دون النظر إلى المصلحة العامة، أو لمن سيأتي بعدهم.

مجانية مقابل الكرامة

إذا ساقتك الأقدار كما حدث مع وفاء بكري للتعامل مع “قصر العيني”، ستجد أن معظم الخدمات الكبرى في داخلها مجانية بالفعل، وإن كانت مجانية قد تأتي بالسلب على كرامة المرضى، فتعامل بعض العمال وليس الأطباء مع المرضى فيه من المهانة ما لا يتخيله الكثيرون، تابعت الكاتبة في “المصري اليوم” أما بعض الممرضات، فالابتسامة لا تعرف طريقا إلى شفاههن، وأحيانا تقوم عاملات النظافة بعملهن، وهذا ما قد يصدم البعض، فلنتحدث عن الأطباء أولا، تخيلوا كم ضغط الأعداد المهولة من المرضى الذين يتعامل معها أطباء قصر العيني، فوفقا لآخر تقرير لإدارة المستشفيات الجامعية، فإنه تم حجز نحو 177 ألف مريض داخل «قصر العينى» في فترة وجيزة، وإجراء 80 ألف عملية جراحية، من خلال 16 مستشفى، بخلاف استقبال 1.5 مليون مريض في العيادات الخارجية والاستقبال، وإجراء 5 ملايين و282 ألف تحليل من خلال معامل المستشفيات، و725 ألف أشعة، طالبت الكاتبة بإعادة هيكلة وتطوير مستشفيات جامعية أخرى، على رأسها المستشفى العريق أسيوط الجامعي، وأعتقد أنه ليس من المعقول إنسانيا وطبيا، أن يستمر هذا الضغط على أطباء قصر العيني، وكأنه «كُتب عليهم القتال» في ساحة الصحة بمفردهم مع أطباء جامعة عين شمس ومستشفيات الدمرداش، فهؤلاء على الرغم من أنهم على أعلى مستوى علمي وطبي، لا يستطيعون التواصل والرد على تساؤلات مرضاهم وأهلهم، ولا أنكر أنه أحيانا يقف طبيب «حديث العهد» لبضع ثوانٍ، ليقوم بهذه المهمة، بعد إلحاح شديد من المريض أو أهله، والسبب العدد الكبير «الملزمين» بعلاجهم، في الوقت الذي نعرف جميعا أن «الراحة النفسية» والتحدث مع الطبيب تساهم بنسبة كبيرة في العلاج، فهنا فقدنا أحد مبادئ الشفاء، وأعتقد أنه من التداعيات السلبية في مستشفيات قصر العينى حجز مرضى قبل فترة طويلة من إجراء العمليات، حتى لو كانت عملية بسيطة، فهذا يستنزف وقتا أطول للأطباء، وتكلفة أعلى للعلاج.

ادعوا للجنيه

الوضع القائم في سوق صرف النقد الأجنبي في مصر صعب، خاصة أسلوب التعامل مع الدولار في المرحلة الراهنة، تابع أسامة سرايا في “الأهرام”، إذا أردنا تجاوز الأزمة الدولارية بالنسبة للجنيه يجب الاعتراف بها من الآن، مثل الباحث عن العلاج، يعترف بوجود المرض، ويعالجه. إن التقليل من شأن الدولار في السوق العالمية تحليل خاطئ، فليس واردا أن الدولار سيضعف، سواء في العِقد الحالي، أو المقبل، أمام العملات الأخرى بالتمني، وهذا ليس علاجا، ولا بريكس، أو غيرها، سوف تحل الأزمة الدولارية حاليا، ولا التعاملات بالعملات الأخرى، لأن معظمها مربوط بالدولار، وصراعات الشرق والغرب، والشمال، والجنوب تخصنا، ولكن لن تُحدث تحولات مفاجئة، لأسباب عديدة يطول شرحها. ما يهمنا الآن أنه يجب الاستماع إلى الخبراء جيدا، ونحن نملك موارد تحقق هذا الهدف، بل نعتقد أن سعر الصرف الراهن للدولار بالنسبة للجنيه أكثر من عادل، ويمكن تخفيضه، وليس زيادته، في الفترة المقبلة، عبر الاهتمام بالتوسع في عملية التصدير، لأن تصدير السلع والخدمات في مصر، ما زال دون المستوى، وهي المورد الأضعف، رغم ضخامة المشروعات الموجودة في بلدنا، الأمر الذي يُعجل بوضع سياسة حقيقية للسلع التي يمكن تطويرها للتصدير في أقرب وقت، ونعتقد أن حل أزمة السيولة الدولارية سيتم عبر سياسة عاجلة لزيادة المنتجات التي تُصدر فعليا إلى الأسواق الخارجية، وهذا لا يتم إلا بمساعدة المصدر الكبير للمصدر الصغير الذي يحرك الصادرات المصرية وفق تطلعات الدولة، وهو ما سيؤدي إلى تسريع الأمور التي تسير ببطء شديد الآن، كما أن توطين الصناعات المستوردة سيؤدى إلى تخفيف الضغط على الدولار. والتوسع في التصدير هدف مهم، دون النظر إلى فاتورته الاستيرادية في هذا الجانب على الأخص، لأن ترشيد مستلزمات الإنتاج قد يكون اختيارا سهلا، لكنه ليس الأفضل، وسينعكس سلبيا على القطاعات الإنتاجية في المدى المتوسط. إن خفض الجنيه يجب أن يساعد على زيادة التدفقات للحساب الرأسمالي، وهو ما لم يحدث، ويجب أن تبحثه الحكومة، وتتجه إلى سرعة زيادته حتى تستقر الأسواق.

وفاته مسألة وقت

الحديث عن وضعية الدولار لا يقتصر على مصر، بل هو كما أكد الدكتور محمد كمال في “المصري اليوم” منتشر في العديد من دول العالم، وفي الولايات المتحدة الأمريكية نفسها. الأسبوع الماضي، وفي مؤتمر جماهيري، تحدث الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب عن أن «الدولار ينهار، ولن يكون قريبا هو المعيار العالمي للعملة، وستكون هذه أكبر هزيمة لنا منذ 200 عام، حيث ستحرم هذه الهزيمة الولايات المتحدة من أن تكون قوة عظمى». حديث ترامب يرتبط بظاهرة تتسارع خطاها في الفترة الأخيرة، وهى ما تسمى De-Dollarization أو «فك الارتباط بالدولار». ارتباط الاقتصاد العالمي بالدولار كعملة احتياطية وأداة لتسوية المعاملات التجارية هو ظاهرة تعود إلى ما يُعرف بنظام «بريتون وودز»، الذي تم تصميمه بعد الحرب العالمية الثانية، وأتاح للولايات المتحدة وضعية فريدة، وهي زيادة إنفاقها الداخلي بما لا يعبر عن إمكانياتها الحقيقية، وقيامها بتعويض ذلك من خلال سندات الدَّيْن الحكومي، التي تشتريها دول العالم بشكل مستمر لاحتياجها للدولار، لذا اعتادت الإدارات الأمريكية الإنفاق دون أي قلق بشأن العجز ما دام هناك ضمان بشراء سندات الدَّيْن الجديدة، نتيجة لذلك، ووفقا لتقارير إعلامية ارتفع الدَّيْن العام الأمريكي خمسة أضعاف تقريبا من حوالى 6 تريليونات دولار قبل 20 عاما إلى 31 تريليون دولار اليوم. وقد شبّه البعض هذا الوضع بآلية عمل شركات توظيف الأموال، التي تقوم بدفع الأرباح لعملائها من التدفقات النقدية للعملاء الجدد، ويستمر عملها ما دام لا يوجد خوف من انقطاع التدفقات الجديدة. وظل الدولار الأمريكي مدعوما بالذهب حتى قام الرئيس نيكسون في السبعينيات بإخراج الولايات المتحدة من معيار الذهب، وبالتالي لم تعد هناك أصول صلبة تدعم الدولار على مدى الخمسين عاما الماضية، ومع ذلك استمرت الوضعية المتميزة للدولار، نتيجة لعوامل أخرى، كان منها ما عُرف بظاهرة «البترو دولار»، وهي التزام عدد من الدول المصدرة للبترول بأن تبيع إنتاجها بعملة الدولار فقط، وليس بأي عملة أخرى، وبالتالى سعت الدول للحصول على الدولار لدفع ثمن وارداتها البترولية.

عوامل سقوطه

الفترة الأخيرة كما أوضح الدكتور محمد كمال شهدت عددا من العوامل التي أضعفت الأسس التي أسهمت في هذه الوضعية المتميزة للدولار. أحد هذه العوامل هو الحرب الأوكرانية، التي قامت فيها الولايات المتحدة باستخدام وضعيتها الدولارية كسلاح ضد روسيا، فجمّدت احتياطياتها النقدية في البنوك الأمريكية، وقامت بطردها من نظام التسويات المالية العابرة للحدود، والمعروف باسم «سويفت». هذه السياسات جعلت العديد من دول العالم تخشى أن تتعرض للعقوبات المالية نفسها لو دخلت في حالة عداء مع الولايات المتحدة، كما أن تحالف الدول الغربية مع الولايات المتحدة في هذه العقوبات جعل دول العالم تبحث عن بديل ليس فقط للدولار، ولكن أيضا للعملات الغربية الأخرى. كما أسهمت المواجهة الاقتصادية الأمريكية للصين وفرض عقوبات عليها وتبنى إجراءات لفك الارتباط الاقتصادي بها في قيام الصين هي الأخرى بتبني إجراءات تستهدف فك ارتباطها بالدولار الأمريكي. يُضاف إلى ذلك تزايد التكهنات حول إمكانية تداعي نظام «البترو دولار» في ظل توارد أنباء عن تفاهمات بين الصين والمملكة العربية السعودية، تتيح التعامل بين البلدين في ما يتعلق بصادرات البترول بعملة غير الدولار، وبإمكانية استخدام اليوان الصيني، وهو ما دفع البعض إلى الحديث المجازي عن ظاهرة جديدة أطلقوا عليها «البترو يوان». الشهور الأخيرة شهدت أيضا العديد من الأحداث التي تسهم في ظاهرة فك الارتباط بالدولار، ومنها توسع العديد من دول العالم في شراء الذهب كاحتياطي بديل للدولار، والاتفاق الصيني الروسي على تسوية معاملاتهما التجارية بالعملات المحلية، وإعلان الرئيس الروسى بوتين في زيارته الأخيرة للصين عن تأييده استخدام «اليوان» للتسويات التجارية بين روسيا ودول آسيا وإفريقيا وأمريكا اللاتينية، والاتفاق بين الصين والبرازيل على استخدام «اليوان» و«الريال» البرازيلي في التعاملات التجارية بينهما، واستخدام «الروبية» الهندية كعملة بديلة للدولار في تعاملات الهند مع أكثر من 18 دولة.

تلتزم الصمت

تعالت الصيحات، وتعددت الصرخات، ونفد صبر المستثمرين، كما قال صلاح الدين عبد الله في “الوفد”: لم يجدوا من يحنو عليهم، وينقذهم من حالة الضياع، كل ذلك يحدث والبورصة تلزم الصمت، وتكتفي بمصمصة الشفاه، دون محاولة حتى من باب حفظ ماء الوجه، وتصحيح المسار. ما يحدث بين المستثمرين، ومصلحة الضرائب ضرب من الخيال، فقد تركت البورصة المتعاملين في البورصة يواجهون مصيرهم، بمفردهم، وكأنه لا شأن لها بما يحدث. بالأمس القريب تلقى المستثمرين في البورصة خطابات من مصلحة الضرائب بإلزامهم سداد ضريبة الأرباح المالية للعام السابق 2022، والأعوام السابقة عليه، وهو أمر غير عادي، وغير مقبول، لأن الدكتور محمد معيط وزير المالية، تحدث في الإعلام عن التجاوز عن ضريبة الأرباح الرأسمالية على البورصة المقررة بنسبة 10% لعام 2022، بسبب الأزمات التي يواجها الاقتصاد العالمي والمحلي. بهذا القرار ارتاح المستثمرين، بمنطق «نص العمى ولا العمى كله» خاصة بعدما «خسِروا اَلْجِلْدَ وَالسَّقَطَ» وخسروا كل محافظهم الاستثمارية في الأعوام الأخيرة، لكن لم تأت الرياح بما يشتهي البورصجية، حينما استفسروا عما وراء هذه الخطابات، وفي اعتقادهم ربما حدث خطأ، في تلقيهم لهذه الخطابات، ولكن كانت الصدمة القوية، حينما أخبرهم مسؤولو الضرائب، أن الخطابات حقيقية، وأن ما يتردد حول عمليات التأجيل «كلام جرايد، وكلام في الهوا» لم تتلق المصلحة إخطارا رسميا حول التأجيل. الأزمة ليس في عملية تحصيل الضرائب من المحافظ الرابحة، ولكن الأزمة الأكبر أن المحافظ المتكبدة خسائر ملزمة بسداد ضريبية الأرباح أيضا، ولا يعلم أحد كيف حدث ذلك.. بعد الإصرار على السداد، انتظر المستثمرون تدخل البورصة، والتواصل مع المالية لحل الأزمة واستصدار قرارا بالتأجيل. مرت أيام على صرخات المستثمرين، والبورصة محلك سر، ولم يشهد أحد تحركا من البورصة، والتحدث مع المالية، في هذا الأمر، وكأن ذلك ليس من مهام البورصة، وأن المستثمرين ليسوا من ضمن عملها حمايتهم، والحفاظ على أموالهم. البورصة دورها التحرك في مصلحة السوق والمستثمرين، ولكن المشهد الآن يقول «فك دماغك»، ويبدو أن البورصة انشغلت بأمور أخرى ليس من ضمنها ضريبية الأرباح الرأسمالية، وراحت تجلس على مقعد المتفرجين، دون تعبير حقيقي عن معاناة المستثمرين والمتعاملين في البورصة. المستثمرون وسوق المال لا بد أن يحتلوا حيزا من اهتمامات البورصة، المنشغلة في أمور لا علاقة لها بسوق المال، والمتعاملين.

يعرفهم جيدا

يعرف خصوم نتنياهو المخلصون، وكذلك حلفاؤه السابقون، كما يصفه الدكتور مصطفى محمود في “الوفد”: بأنه صانع صفقات. ومع ذلك، فقد أضعفته الأسابيع القليلة الماضية، إذ تظهر استطلاعات الرأي انعكاسا دراماتيكيا في مسيرته. هجوم نتنياهو على المؤسسات الديمقراطية في إسرائيل لم ينته بعد. إنها مجرد وقفة بعد قرابة ثلاثة أشهر من الأزمة السياسية والغضب الشعبي والاحتجاجات المتصاعدة، اضطر رئيس الوزراء إلى تعليق هجومه على القضاء. لقد تسبب بالفعل في أضرار جسيمة للاقتصاد والدولة، من خلال اتهامه المتهور باستقلال المحكمة العليا، الذي عارضه معظم الإسرائيليين. على الرغم من أنه قال إنه «ليس على استعداد لتمزيق الأمة إلى نصفين»، إلا أن دافعه الأساسي ليس إنقاذ البلاد، بل نفسه. نتنياهو، المتهم بالفساد، لا يحب القضاء. وعلى الرغم من أن المحكمة قوضت مرارا وتكرارا حقوق الفلسطينيين في الضفة الغربية وساعدت على ترسيخ الاحتلال، فإن شركاء رئيس الوزراء اليمينيين في الائتلاف غاضبون حتى من أحكامها المتواضعة، التي تحظر المستوطنات الإسرائيلية. من غير المرجح أن يتراجعوا. أفضل أمل لدى نتنياهو هو أن ينحسر زخم الاحتجاجات خلال عيد الفصح وفي الأسابيع التالية. بعد أسابيع من الذكرى الخامسة والسبعين لتأسيس الدولة، حذر رئيسها إسحاق هرتسوغ، من أن إسرائيل قد تقترب من حرب أهلية بعد فشل خطته التوفيقية. ثم جاءت إقالة وزير الدفاع، يوآف جالانت، الذي دعا إلى وقف التشريع مؤقتا، نظرا للاضطراب الذي أحدثه في الجيش، ونزل عشرات الآلاف من المتظاهرين إلى الشوارع. وافق رؤساء البنوك ورجال الأعمال التكنولوجيون والقادة النقابيون على إضراب جماهيري. استقال قنصل إسرائيل العام في نيويورك. وأوقفت الرحلات الجوية وأغلقت دور الحضانة أبوابها ولم تتعامل المستشفيات إلا مع حالات الطوارئ. كان ثمن تراجع اليمين المتطرف هو الاتفاق على أن وزير الأمن إيتمار بن غفير، يمكن أن ينشئ «حرسا وطنيا» جديدا تحت سيطرته. الخطر الآن هو أن رئيس الوزراء قد يصعد من لعبته السياسية بدلا من خفض طموحاته، والتحرك بشكل أبطأ، وأكثر فعالية. مع المضى قدما في زيادة السيطرة السياسية على الاختيار القضائي ومنع المحكمة من الإشراف على القوانين الأساسية. إن «الإصلاحات» التي اقترحها الائتلاف اليميني المتشدد تضرب استقلال القضاء- وتزيل الضوابط والتوازنات القانونية على الإجراءات السياسية. يبدو لى أنهم سيساعدون نتنياهو شخصيا، ويحمونه بينما يواجه المحاكمة بتهمة الفساد.

خالف تعرف

مثلٌ عامي ورثناه كابرا عن كابر، يُقال لمن يُخالفُ الثابت، ويشذ عن المألوف من أجل الشهرة والذيوع، هو ” خالفْ تُعرف”..لا شك في أن مخالفة الغير كما اشار صبري الموجي في “المشهد” ليست عيبا؛ ما دامت تستند إلي حجة، ويقويها المنطق، ويدعمها الدليل البعيدُ عن التحيز والهوى.
أمَّا أن يُخالفَ المرء لمجرد الخلاف بغية الشهرة، وأن يجوب اسمه الآفاق، فهذا هو الجهل بعينه؛ إذ أن المجتمع لا يجني من وراء ذلك طائلا إلا البلبلة واللغط، وتشكيك العامة في ثوابت حرصَ علماءُ السلف على ترسيخها في الناس جيلا بعد جيل. ومن دواعي الأسف أن حاملي هذا الشعار آنف الذكر لم يجدوا غير الدين مسرحا يجسدون عليه أدوارهم الهزلية، وينشرون آراءهم الشاذة، وفكرَهم الضال زاعمين أنهم دعاة تجديد، رغم أنهم في الحقيقة نُذر شؤم، وأبواق فتنة، ورُسلُ هدمٍ وتخريب لا دعوة وإصلاح. والسرُّ في ذلك أنهم بدعاوى التجديد تلك يتألَّون على رب البشر، حيث يُؤكد لسانُ حالهم: (أن ما جاءنا من عند رب الناس ليس صالحا لكل زمان ومكان، وأنهم أوتوا من الحكمة والذكاء ما يُؤهلهم ليغيروا ما جاء به الشرعُ عبر الأنبياء والرسل؛ ليتوافق مع مُتطلبات الناس وحاجة العصر). وقد تعددتْ أباطيلُ من يُسمَون النُخبة، أو دُعاة تجديد الخطاب الديني، والحقيقة أن الدين منهم براء، فمنهم من زعم أن أحاديث النبيِّ نَزلتْ في عصر يُخالف عصرنا، ومن ثم يجب علينا أن نأخذَ منها ما يُناسِب عصرنا ونرفض الباقي، ومنهم من شَتمَ الصحابة، ووصفهم بأحطِّ النعوت، ومنهم من طعنَ في صحيحيِّ البخاري ومسلم، ليس بغرضِ التقييم، والنقد العلمي البناء، ولكن بغرض الطعن في السنة كلِّها من خلال التشكيك في أصح كتبها.

إفلاس مزمن

عندما يصبح الإفلاس سيد الموقف في بلداننا، فلا بد كما تقول خولة مطر في “الشروق” أن تكون الدراما جزءا من ذلك العبث. وبعيدا عن الادعاءات والتبريرات واستخدام التعابير المتخصصة أحيانا من قبل نقاد الدراما، وملوك الشاشات وتجار الترفيه، أو هكذا يحاولون وصف الدراما على أنها ترفيه فقط وليس في الوصف عيب، بل ربما في فهمهم للترفيه عندما يتحول إلى شكل من الاستخفاف بعقول المشاهدين والمشاهدات، والمتابعين والمتابعات، و«زغللة» أعينهم، إما بديكورات أو وجوه جميلة، رغم أن الجمال نسبي، ولكننا نسينا ذلك، وكثير من «الأكشن» أو الضحك الرخيص وكأنه لم يكن عندنا عباقرة كوميديا مثل عبدالسلام النابلسي وحسن فايق وماري منيب وزينات صدقي، والقائمة طويلة في كل أنماط الدراما. هكذا كان تاريخ الدراما من كتاب سيناريو ومخرجين وممثلات وممثلين مبدعين حريصين ودقيقين في كل ما يقدمونه من مسلسلات أو أفلام، بل على صورتهم العامة في الحياة ليحافظوا على احترامهم لأنفسهم ولمهنتهم وموهبتهم. أعلن رمضان هذا العام إفلاسنا الأخير، فلم يعد لدينا ما نعتز به ونعتبره جزءا من ثقافتنا التي امتدت لقرون، ثم سقطت في قعر بئر التسفيه والإفلاس والضحك الرخيص والاستخفاف بالناس، وهو بيت القصيد الذي بدأ منذ أن اعتبرت حكوماتنا العتيدة أننا شعوب لا تستحق أكثر مما يقدم لها من فتات في العيش الرخيص، وقبح على مختلف المستويات وغش في كل شىء وفساد يشكل قيمة تامة وصفة أساسية لكثير من الموظفين الحكوميين وتوابعهم، ثم لا بد من أن تصبح هذه سيرة كل المهنيين الآخرين، فالمهندس إما مفلس يكرر تصاميم مملة، إن لم تكن قبيحة، والمقاول يتبعه بأن يبحث عن تنفيذ بأقل تكلفة حتى لو غش في المواد الأساسية تسقط الأسقف على ساكني بيوتها.. ومحامٍ / محامية لا يفقهون سوى الدفاع عن الفاسدين حملة الملايين أو الداعرات وبعضهم مقربون من صناع القرار أو المال، وخذ على ذلك كل المهن الأخرى فالصحافي والإعلامي، إما حملة أختام لمن يدفع أكثر أو طبالين رخاص جدا..

إسفاف وإفلاس

واصلت خولة مطر تسليطها الضوء على مثالب الوسط الفني وأشارت إلى للكثير من الأخطاء والآفات المزمنة بسبب تراجع الاهتمام بالقيم والمبادئ وفقر الأفكار الذي مثّل سمة غالبة في معظم الأعمال الفنية: المطربون والفنانون على استعداد للقيام بأي عمل لا يمثل أي إضافة لمهنتهم أو لشخصهم فقط للمال، بل والمزيد منه، وإلا كيف يبرر من يقدم دورا في مسلسل لشخصية تاريخية مهمة، وبعد لحظات يقفز على الشاشات في إعلانات لشركات اتصال أو مجمعات سكنية مخصصة لفئة قليلة جدا جدا من البشر، فيما الأقلية تقضي النهار بحثا عن توفير إفطارها وعائلتها في شهر الصيام، لمن يدينون بالإسلام والمسيحية أيضا. رمضان هذا أظهر وبشكل واضح إفلاس كتاب السيناريو من عاصمة الدراما، وحتى ضواحيها في الشام والخليج وحتى المغرب العربي أصابهم بعض من ذاك الإفلاس.. والأهم أن كتاب السيناريو، رغم كل الانتقادات لا يعيرون المشاهدين أي اهتمام ويعتبرونهم، كما يراهم حكامهم على أنهم كتلة من المتخلفين غير القادرين على تمييز العمل الجيد المتعوب عليه من العمل «المسلوق» سريعا، الذي يستخف بعقل المشاهد والمشاهدة وقلبهما أيضا.. هناك حاجة حقيقية لوقفة أمام هذا الكم من العبث، سواء على صعيد النصوص الضعيفة التي في أحسن الحالات تعزز النمطية في النظر للبشر أو الإخراج المكلف بصريا والخاوي من الفن والإبداع.. والممثلات والممثلين المالكين للقدرة على التنطيط بين كثير من الأدوار، وفي الوقت نفسه تقديم إعلانات تجارية لثلاجات وغسالات وغيرها.. إنه الإسفاف والإفلاس مجتمعان معا..

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية