لندن- “القدس العربي”: ماذا تختلف تسريبات 100 صفحة من شرائح الإيصال (سلايدات) عن تسريبات ويكيليكس وإدوارد سنودين؟ يرى الكاتب في صحيفة “نيويورك تايمز” ديفيد سانغر إنها مختلفة جدا، لعلاقتها بالحرب الجارية في أوكرانيا ولكشفها مدى تورط الولايات المتحدة في الحرب هناك خلافا للموقف المعلن والرسمي.
وقال سانغر إنه عندما حملت “ويكيليكس” مجموعة ضخمة من برقيات وزارة الخارجية قبل 13 عاما، فإنها عرفت العالم وأعطته فكرة عما يقوم به الدبلوماسيون الأمريكيون يوميا من البحث عن المصلحة على حساب الآخرين وكتابة تقارير متشككة بشأن الحلفاء المتذبذبين وفكرة عن رؤية الولايات المتحدة للطريقة التي قد تنهار فيها كوريا الشمالية وكيفية استعداد واشنطن له، إلى جانب التطورات في الملف النووي الإيراني.
أما إدوارد سنودن الذي كشف عن أسرار وكالة الأمن القومي بعد ثلاث سنوات من تسريبات ويكيليكس، فقد فتح عيون الأمريكيين فجأة على الكيفية التي أصبح فيها العصر الرقمي بداية حقبة جديدة وواضحة من التجسس من قبل الوكالة وفتح لها الباب على مصراعيه لكي تخترق صناعة الاتصالات السلكية واللاسلكية في الصين والبحث في خوادم غوغل في الخارج لالتقاط الاتصالات الأجنبية.
وبالمقارنة فذاكرة التخزين المؤقت المكونة من 100 أو نحو ذلك من شرائح الإيضاح أو سلايدات التي تم تسريبها حديثا عن المعلومات والبيانات العملياتية المتعلقة بالحرب في أوكرانيا مختلفة تماما. فهذه البيانات التي تم الكشف عنها هي أقل شمولا من تلك الأرشيفات السرية الضخمة، ولكنها تأتي في الوقت المناسب أكثر بكثير. وتنبع أهميتها الفورية من أنها تضر بالاستخبارات، وهذا ما يقلق مسؤولي البيت الأبيض والبنتاغون. فهي موادا حساسة من خرائط الدفاعات الجوية الأوكرانية، وتكشف عن المناقشات العميقة والسرية لكوريا الجنوبية وتوزعها بين الاستجابة للطلب الأمريكي تقديم 330 ألف طلقة من الذخيرة التي تحتاج إليها بشكل ماس والحفاظ على مصالحها. كما أن هذه الوثائق ليست قديمة فالبكاد عمرها 4 أيام.
ومن هنا يقول مسؤولو الإدارة إن حداثة الوثائق “السرية” و”السرية للغاية”، والتلميحات التي تحملها عن العمليات القادمة، تجعل هذه الكشوفات ضارة بشكل خاص. وقالت سابرينا سينغ المتحدثة باسم البنتاغون يوم الأحد إن المسؤولين الأمريكيين أبلغوا لجان الكونغرس بالتسريب وأحالوا الأمر إلى وزارة العدل التي فتحت تحقيقا.
ويعلق سانغر أن الصفحات التي تزيد عن 100 من السلايدات والوثائق الموجزة لا تترك أي شك حول مدى تورط الولايات المتحدة في إدارة الحرب اليومية ودورها في توفر المعلومات الاستخبارية الدقيقة واللوجستية التي تساعد في تفسير نجاح أوكرانيا حتى الآن.
الوثائق المسربة لا تترك أي شك حول مدى تورط الولايات المتحدة في إدارة الحرب اليومية ودورها في توفر المعلومات الاستخبارية الدقيقة واللوجستية التي تساعد في تفسير نجاح أوكرانيا حتى الآن
وفي الوقت الذي منع فيه الرئيس جو بايدن القوات الأمريكية من إطلاق النار مباشرة على أهداف روسية، ومنع إرسال أسلحة يمكن أن تصل إلى عمق الأراضي الروسية، توضح الوثائق أنه بعد مرور عام على الغزو، كانت الولايات المتحدة متورطة بعمق وفي كل شيء آخر تقريبا. فهي توفر بيانات استهداف مفصلة وتنسق خط الإمدادات اللوجستي الطويل والمعقد الذي يسلم الأسلحة للأوكرانيين. وكما توضح وثيقة بتاريخ 22 شباط/ فبراير، فإن المسؤولين الأمريكيين خططوا للأمام ولعام من كتابة الوثائق وتوقعوا فيه دخول معركة دونباس لحرس استنزاف وطريق مسدود، بشكل يحبط هدف فلاديمير بوتين في الاستيلاء على المنطقة ويخدم هدف أوكرانيا المتمثل في طرد الغزاة.
ولخص أحد كبار مسؤولي المخابرات الغربية الكشوفات بأنها “كابوس”. وقال ديمتري ألبيروفيتش، رئيس شركة سيلفرادو بوليسي أكسيليريتور المولود في روسيا، والذي اشتهر بعمله الرائد في مجال الأمن السيبراني، يوم الأحد، إنه يخشى أن يكون هناك “عدد من النواح التي يمكن أن تكون هذه ضارة”. وقال إن ذلك يشمل احتمال أن تكون المخابرات الروسية قادرة على استخدام الصفحات، المنتشرة عبر تويتر وتلغرام، “لمعرفة كيف نجمع” خطط جي أر يو، جهاز المخابرات العسكرية الروسية، وتحركات الوحدات العسكرية”.
ويعلق سانغر أن الوثائق التي تم إصدارها حتى الآن، تقدم في الواقع لمحة موجزة عن نظرة الولايات المتحدة إلى الحرب في أوكرانيا.
ويبدو أن العديد من الصفحات تأتي مباشرة من تقارير الإحاطة المتداولة بين رؤساء الأركان المشتركة، وفي بعض الحالات تحديثات من مركز عمليات وكالة المخابرات المركزية. فهي مزيج من الترتيب الحالي للمعركة – وربما الأكثر قيمة للمخططين العسكريين الروس – يمكن أن تكون التوقعات الأمريكية عن مكان نشر الدفاعات الجوية التي ستصل إلى أوكرانيا الشهر المقبل.
وتشمل الوثائق على إنذارات مبكرة حول كيفية انتقام روسيا، خارج أوكرانيا، إذا استمرت الحرب.
ومن الوثائق الخطيرة واحدة من وكالة المخابرات المركزية، وتشير إلى مجموعة قرصنة مؤيدة لروسيا نجحت في اختراق شبكة توزيع البنزين الكندية وكانت “تتلقى تعليمات من مسؤول خدمة الأمن الفيدرالي المفترض “أف أس بي” للحفاظ على منفذ لشبكة البنية التحتية للبترول الكندي وانتظار المزيد من التعليمات”.
ولا يوجد دليل حتى الآن على أن الجهات الفاعلة الروسية بدأت هجوما مدمرا، لكن كان هذا هو الخوف الصريح الذي عبرت عنه الوثيقة.
ولأن مثل هذه التحذيرات حساسة للغاية، فإن العديد من الوثائق “السرية للغاية” تقتصر على المسؤولين الأمريكيين أو على “العيون الخمس”، تحالف الاستخبارات للولايات المتحدة وبريطانيا وأستراليا ونيوزيلندا وكندا. هذه المجموعة لديها اتفاق غير رسمي على عدم التجسس على الأعضاء الآخرين. لكن من الواضح أنها لا تنطبق على الحلفاء والشركاء الأمريكيين الآخرين.
وهناك أدلة على أن الولايات المتحدة قد تنصتت على المحادثات الداخلية للرئيس فولوديمير زيلينسكي ومحادثات حتى أقرب حلفاء الولايات المتحدة، مثل كوريا الجنوبية.
ويقول سانغر إن رسالة تذكرنا كثيرا بتسريبات ويكيليكس لعام 2010، تصف إحدى الوثائق التي تستند إلى ما يشار إليه بدقة باسم “استخبارات الإشارة” النقاش الداخلي في العاصمة الكورية الجنوبية سول حول كيفية التعامل مع الضغط الأمريكي لإرسال المزيد من المساعدات الفتاكة إلى أوكرانيا، والتي من شأنها أن تنتهك قواعد ممارسة الدولة المتمثلة في عدم إرسال أسلحة مباشرة إلى منطقة حرب. وذكرت أن رئيس كوريا الجنوبية، يون سوك يول، كان قلقا من أن بايدن قد يدعوه للضغط من أجل مساهمات أكبر في الجيش الأوكراني.
وتعلق الصحيفة أن هذا يعد موضوعا حساسا للغاية بين المسؤولين الكوريين الجنوبيين.
فخلال زيارة أخيرة إلى سول، قبل ظهور الوثائق المسربة، تجنب المسؤولون الحكوميون أسئلة أحد المراسلين حول ما إذا كانوا يخططون لإرسال قذائف مدفعية من عيار 155 ملم، والتي ينتجونها بكميات كبيرة، للمساعدة في المجهود الحربي بأوكرانيا. وقال أحد المسؤولين إن كوريا الجنوبية لا تريد انتهاك سياساتها أو المخاطرة بعلاقتها الحساسة مع موسكو.
والآن وقد شهد العالم “الجدول الزمني لتسليم” البنتاغون للشحنات البحرية من تلك القذائف، إلى جانب تقديرات تكلفة الشحنات البالغة 26 مليون دولار.
مع كل إفشاء للوثائق السرية، بالطبع، هناك مخاوف من حدوث ضرر دائم، وأحيانا مبالغ فيه. حدث ذلك في عام 2010، عندما بدأت صحيفة “نيويورك تايمز” في نشر سلسلة بعنوان “أسرار الدولة”، التي قدمت تفاصيل وتحليلات مختارة من مجموعة الكوابل التي أخذها تشيلسي مانينغ، الذي كان وقتها جنديا عسكريا في العراق، ونشرها جوليان أسانج، مؤسس ويكيليكس. بعد فترة وجيزة من نشر المقالات الأولى، أعربت وزيرة الخارجية هيلاري كلينتون عن مخاوفها من ألا يتحدث أحد مع الدبلوماسيين الأمريكيين مرة أخرى.
وقالت للصحافيين في غرفة المعاهدات بوزارة الخارجية: “بالإضافة إلى تعريض أفراد معينين للخطر، فإن كشوفات كهذه تمزق نسيج الوظيفة المناسبة للحكومة المسؤولة”. بالطبع، استمروا في الحديث، على الرغم من أن العديد من المسؤولين الأجانب يقولون إنهم عندما يتحدثون اليوم، فإنهم يتحدثون بحرص مع علمهم أنه قد يتم اقتباسها في برقيات القسم التي تتسرب في المستقبل.
وعندما نشر سنودن عددا هائلا من البيانات من وكالة الأمن القومي، والتي تم جمعها ببرنامج كمبيوتر ثمنه 100 دولار، كان بإمكانه الوصول إليها في منشأة في هاواي، كان هناك خوف مماثل من الانتكاسات في جمع المعلومات الاستخباراتية.
وأمضت الوكالة سنوات في تغيير البرامج، بتكلفة مئات الملايين من الدولارات. ويقول المسؤولون إنهم ما زالوا يراقبون الأضرار الآن، بعد عقد من الزمن. في أيلول/ سبتمبر، منح بوتين سنودن، وهو مقاول استخباراتي منخفض المستوى، الجنسية الروسية الكاملة، ولا تزال الولايات المتحدة تسعى لإعادته لمواجهة التهم.
لكن كل من مانينغ وسنودن كشفا عن الدافع وراء ما فعلاه وهو الرغبة في فضح ما اعتبروه تجاوزات من قبل الولايات المتحدة. وقال ألبيروفيتش: “هذه المرة لا يبدو الأمر أيديولوجيا”.
ويبدو أن أول ظهور لبعض الوثائق قد حدث على منصة تواصل متخصصة بالألعاب، ربما لتسوية الجدل عبر الإنترنت حول حالة القتال في أوكرانيا.
وعلق ألبيروفيتش قائلا: “فكر في الأمر، معركة على الإنترنت تنتهي بكارثة استخباراتية هائلة”.